سلط تقرير سعودي الضوء على زيارة دول اتفاق مكة إلى طهران، وعلى الموقف الأمريكي من اعتداءات الحوثيين التي طالت المطارات والأعيان المدنية والاقتصادية، وحدود الخيارات السعودية في مواجهة هذا الموقف.
وكان ممثلو دول اتفاق مكة قد أنهوا في طهران، مساء أمس الاثنين، اجتماعهم مع مسؤولين إيرانيين. وشارك فيه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، ورئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن.
اقرأ أيضًا: ترامب يصف وقف إطلاق النار مع إيران بأنه مضيعة للوقت
وهدف الاجتماع إلى خفض التصعيد ودعم تدابير بناء الثقة، وتقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران، مع مراعاة مصالح دول المنطقة وهواجسها الأمنية، بما يساعد على إيجاد أرضية مشتركة لاستئناف التفاوض.
وقالت صحيفة «الجزيرة» السعودية، اليوم الثلاثاء، إن هذه الزيارة «تأتي في توقيت حساس للغاية في ظل تصاعد مؤشرات عودة التصعيد العسكري». وشددت على ضرورة أن تتعامل الولايات المتحدة وإيران بأعلى درجات الإيجابية مع الجهود الجارية لإنهاء الأزمة، وأن تتجنبا العودة إلى التصعيد العسكري.
وجاء ذلك بعد يوم من حديث الصحيفة عن الموقف الأمريكي من هجمات الحوثيين، إذ قالت إن «المملكة تقدِّر لكل من ساندها بكلمة أو تصريح، أو وقَّع معها تحالفَ دفاع، أو بادر إلى إرسال قوات أو عتاد دون أن تطلب ذلك منه». وأضافت أن «ما يثير الاستغراب هو موقف أمريكا المتخاذل والسلبي من اعتداءات قُتل فيها أبرياء، وهدِّمت مطارات، وفُجِّرت بالبحر الأحمر ناقلات سعودية».
وذكرت تقارير غربية أن واشنطن لم توافق على طلب سعودي بتنفيذ ضربات ضد الحوثيين، مع استعدادها لتقديم معلومات استخباراتية والمساعدة في تحديد الأهداف. وأشارت التقارير إلى أن المساندة الخارجية تركز على حماية المملكة أكثر من المشاركة في حرب هجومية.
ويرى باحثون أن محادثات طهران ربما تمثل بحثًا عن مخرج من الهجمات الحوثية المستمرة، وعن ردع يوقف الاستهداف، خصوصًا بعد نحو 10 أشهر على خروج الإمارات من الملف اليمني. وأكدوا أن الخلاف بين الرياض وأبوظبي أضعف التنسيق مع شركاء يمتلكون خبرة قتالية ونفوذًا ميدانيًا، وصبّ في مصلحة الحوثيين والجماعات الإرهابية.
وكانت صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية قد أفادت بأن السعودية تسعى إلى إصلاح علاقتها بالإمارات، في حين تتحفظ أبوظبي على العودة إلى الحرب. ورأت الصحيفة أن ذلك يعكس تراجع الثقة بين الحلفاء الذين قاتلوا في اليمن عام 2015.
وتواجه الرياض اختبارًا يتجاوز امتلاك السلاح ويمس قدرتها على بناء تحالف فعّال، يحافظ على شركاء الأرض ويحول الدعم الخارجي إلى أمن ملموس. ويأتي ذلك مع استمرار هجمات الحوثيين، إذ أعلن المتحدث باسم قوات التحالف اللواء تركي المالكي، في وقت مبكر اليوم، اعتراض أربع طائرات مسيّرة أطلقتها الميليشيا باتجاه المنطقة الجنوبية وتدميرها.
ويرى مراقبون أن استمرار الهجمات على المملكة يكشف أن هذه العناصر لم تجتمع حتى الآن في استراتيجية تمنع الحوثيين من فرض كلفة متصاعدة عليها. وشددوا على ضرورة أن تبحث الرياض عن ضمانات بالتزامن مع محاولتها إصلاح العلاقة مع شركاء أسهموا سابقًا في تعزيز موقعها داخل اليمن.
وأكد الباحث السياسي السعودي الدكتور إبراهيم العثيمين أن أهمية اجتماع ممثلي دول اتفاق مكة لا تقتصر على التوقيت، «إنما تمتد إلى طبيعته ومستوى التمثيل، والرسائل السياسية التي يحملها الممثلون». وأشار إلى أن الاجتماع، في ظل التصعيد الذي تشهده المنطقة، يؤكد وجود إرادة إقليمية جادة لمنع اتساع دائرة المواجهة، ومنح الدبلوماسية فرصة لمعالجة الأزمة الراهنة.
ونقل موقع «العربية نت» عن العثيمين قوله إن دلالات الاجتماع تجدد التأكيد على دور الرياض المحوري في تعزيز أمن المنطقة واستقرارها، وعلى قدرتها على الجمع بين حماية مصالحها وأمنها الوطني والعمل الدبلوماسي المسؤول لاحتواء الأزمات.
وحدد العثيمين معيار نجاح مخرجات الاجتماع مع الإيرانيين في تحقيق ثلاثة عناصر، هي الحد من التصعيد العسكري، وتهيئة الظروف لاستمرار الحوار، والتوصل إلى تفاهمات تضمن أمن المنطقة واستقرارها.
من جانبه، أوضح الباحث السعودي في العلاقات الدولية الدكتور علي الخشيبان أن الدبلوماسية السعودية تعتمد خيارات واقعية تتيح استمرار الحوار، مع الحفاظ على القدرة على الاستجابة الأمنية عند الحاجة. وأشار إلى أن الوصول إلى التهدئة يتطلب أن تدرك الأطراف المعنية المخاطر المترتبة على استمرار الصراع.
وأضاف الخشيبان أن الرياض، رغم قدرتها على تفعيل الاستجابة الأمنية على وقع التطورات الجارية، تسعى دائمًا إلى ترك مساحات مفتوحة أمام دبلوماسية داعمة لتحقيق الاستقرار.