الإثنين 26 أكتوبر 2026 — القاهرة

من عامل وسجين إلى رئاسة البرازيل مجددًا: من هو لولا؟

من عامل وسجين إلى رئاسة البرازيل مجددًا: من هو لولا؟

شكّل فوز لولا الأول بالرئاسة عام 2002 ختامًا لمسيرة غير مسبوقة بدأت من الفقر.

وُلد لولا في أسرة فلاحية فقيرة أمية، وعمل في طفولته بائع فول سوداني ومنظّف أحذية، ولم يتعلم القراءة إلا في العاشرة من عمره. ثم تدرّب على مهنة العمل في المعادن، والتحق بالعمل في مدينة صناعية قرب ساو باولو، وفقد هناك الإصبع الصغرى من يده اليسرى في حادث وقع في الستينيات.

اقرأ أيضًا: أوكرانيا: اتصال ستارلينك أصبح مستقرًا بعد أيام من القيود

لم يكن مهتمًا بالسياسة في البداية، لكنه انخرط بحماس في العمل النقابي. وبعد انتخابه عام 1975 رئيسًا لنقابة عمال المعادن التي تضم 100 ألف عضو، غيّر وجه العمل النقابي في البرازيل، إذ حوّل تنظيمات كانت في معظمها قريبة من الحكومة إلى حركة مستقلة قوية.

وفي عام 1980 جمع لولا نقابيين ومثقفين وتروتسكيين وناشطين كنسيين لتأسيس حزب العمال، أول حزب اشتراكي كبير في تاريخ البلاد. وتخلى الحزب تدريجيًا عن التزامه الثوري بتغيير بنية السلطة في البرازيل، وتبنّى برنامجًا اجتماعيًا ديمقراطيًا أكثر واقعية.

وصل لولا إلى الحكم متعهدًا بإصلاحات كبرى في النظامين السياسي والاقتصادي، وتعهد بالقضاء على الجوع وبناء أمة واثقة بنفسها ومتعاطفة ومنفتحة على العالم.

وخلال فترة حكمه ضخّ مليارات الدولارات في البرامج الاجتماعية، ويحق له القول إنه ساهم في عكس مسار التفاوت التاريخي في البرازيل. فقد رفع الحد الأدنى للأجور بنسبة تفوق معدل التضخم بكثير، ووسّع مساعدات الدولة للأكثر فقرًا عبر برنامج المنحة الأسرية «بولسا فاميليا»، فاستفاد منه نحو 44 مليون شخص، وترسّخت بذلك شعبيته بين الفقراء. غير أن كثيرًا من المعلقين يرون أن البرنامج لم يعالج المشكلات البنيوية التي يقوم عليها الفقر، مثل نقص التعليم.

وغادر المنصب بعد ثماني سنوات قضاها في ولايتين رئاسيتين، بنسب شعبية مرتفعة على نحو استثنائي بالنسبة إلى زعيم لاتيني مغادر، بعدما عزّز حضور البرازيل على الساحة الدولية وأشرف على أطول فترة نمو اقتصادي منذ ثلاثة عقود.

ولم يكن بوسعه الترشح لولاية ثالثة، فترك الرئاسة، وبعد وقت قصير شُخّصت إصابته بسرطان الحنجرة، وحلق لحيته المعروفة خلال العلاج. وأعلن الأطباء شفاءه من المرض عام 2012.

في عهد خليفته الذي اختاره، تعثّر التقدم. وحلّ الركود محل الازدهار الاقتصادي، وهزّت المشهد السياسي في البلاد تحقيقات ضخمة في الفساد على مستويات عليا عُرفت باسم عملية «غسيل السيارات».

وكان لولا بين من طالتهم الفضيحة. ففي يوليو 2017 أُدين بالفساد وحُكم عليه بالسجن أكثر من تسع سنوات بتهمة قبول شقة على الشاطئ رشوة من شركة الهندسة «أو إيه إس»، ثم شُدّدت العقوبة في الاستئناف إلى 12 عامًا. كما حُكم عليه بالسجن 12 عامًا و11 شهرًا بتهمتي الفساد وغسل الأموال، لتلقيه رشى من شركتي بناء وهندسة على شكل تمويل لتحسينات أُجريت في منزل ريفي كان يستخدمه مع أسرته.

وظل لولا يؤكد براءته، مشددًا على أن الاتهامات الموجهة إليه ذات دوافع سياسية.

وفي عام 2019 أُفرج عنه بعد قضائه أكثر من 18 شهرًا بقليل، إثر قرار من المحكمة العليا اعتبر أن سجنه كان غير قانوني لأنه جاء قبل استنفاد جميع سبل الطعن. وأُلغيت تلك الإدانات عام 2021، ما أتاح له الترشح لولاية ثالثة عام 2022، فهزم اليميني جايير بولسونارو.

وعندما عاد إلى المنصب عام 2023 تعهد بأن تكون هذه ولايته الأخيرة، لكن حزبه رشحه مجددًا هذا العام، رغم أنه سيبلغ الحادية والثمانين يوم الثلاثاء.

وحتى مؤيدو حزب العمال يقرّون بأنه أنجز في ولايتيه الأوليين، من يناير 2003 إلى ديسمبر 2010، أكثر مما أنجزه في السنوات الأربع الأخيرة من حكمه.

وبينما وصفه أنصاره قبيل انتخابات 2022 بأنه «منقذ الأمازون»، مشيدين بالتزامه حماية الغابات المطيرة، انتقد بعض دعاة حماية البيئة عددًا من خطواته الأخيرة. وأثار دعمه على وجه الخصوص للتنقيب الاستكشافي عن النفط في المياه البحرية قرب مصب الأمازون انتقادات.

ويؤكد لولا أنه لا يزال ملتزمًا بالتخلص التدريجي من الوقود الأحفوري في نهاية المطاف، ويرى أن عائدات النفط أساسية لتمويل تحول البرازيل نحو الطاقة النظيفة. وتشير حكومته كذلك إلى تراجع إزالة الغابات في الأمازون دليلًا على نجاح سياساتها، إذ تفيد بيانات الأقمار الاصطناعية بأن مساحة الغابات المزالة في النصف الأول من عام 2026 انخفضت إلى أدنى مستوى لها في عقد.

وتزامنت ولاية لولا الثالثة مع عودة ترامب إلى السلطة. ويقف الرجلان على طرفين مختلفين من الطيف السياسي، ولم يتمكنا من تجنّب التعبير علنًا عن خلافاتهما.

وكان الرئيس البرازيلي قد قال لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» في سبتمبر 2025 إنه لا تربطه أي علاقة بترامب.

وفي يوليو من ذلك العام، فرض دونالد ترامب رسومًا جمركية بنسبة 50% على السلع البرازيلية، رغم أن الولايات المتحدة تحقق فائضًا تجاريًا مع البرازيل، مشيرًا إلى محاكمة الرئيس البرازيلي اليميني السابق جايير بولسونارو بتهم الانقلاب بوصفها دافعًا لذلك. ويقضي بولسونارو حاليًا عقوبة بالسجن 27 عامًا، وابنه فلافيو هو من هزمه لولا في الجولة الثانية من الانتخابات يوم الأحد.

واتهم لولا ترامب بالتدخل الخارجي، وقال إنه «ليس إمبراطور العالم». لكن العلاقة بينهما تحسنت بعد لقاء في البيت الأبيض في مايو من هذا العام، تبادل بعده الزعيمان عبارات المديح علنًا، إذ وصف ترامب لولا بأنه «ديناميكي»، فيما قال الرئيس البرازيلي إنه غادر الاجتماع «راضيًا جدًا».

وفي يوليو من هذا العام، فرضت الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 25% على معظم السلع الواردة من البرازيل.

ولا تزال الحكومتان على خلاف بشأن قضايا رئيسية مثل الجريمة، واعترف لولا بأن الفجوة بينهما أوسع ما تكون في ملف التجارة.

وفي إشارة إلى ما أطلق عليه ترامب «عقيدة دونرو»، وهي استراتيجية الأمن القومي لإدارته التي تقضي بعدم التدخل في هيمنة الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي، شدد لولا على أن «البرازيل لا يمكن أن تكون الحديقة الخلفية لأحد».

أخبار متعلقة