أحدث التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي حالة من التوتر المتزايد مع مختلف المجالات التقليدية، ومن أبرز مظاهر هذا الصراع المواجهة الناشئة بين شركات تطوير هذه التقنية وتجارة الكتب القديمة، حيث يُطلق على القائمين على هذه التجارة وصف "حراس التراث".
يعيش بائعو الكتب المستعملة والنادرة حالة من القلق إزاء احتمال فقدان مقتنياتهم التاريخية الثمينة، وذلك بسبب ممارسات بعض شركات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تشتري الكتب الورقية لمسحها ضوئياً ومن ثم التخلص منها، وتعود جذور هذه المخاوف إلى قضية قانونية أُقيمت ضد شركة "أنثروبيك" الأمريكية المتخصصة في هذا المجال.
أظهرت مستندات المحكمة، وفق ما نقلته صحيفة "الجارديان"، أن الشركة المذكورة اتبعت أسلوباً يعرف بالمسح الضوئي التخريبي، والذي يقوم على شراء الكتب الورقية وفصل أغلفتها لتسهيل عملية مسح الصفحات، قبل إتلاف ما تبقى منها بهدف تزويد نماذج الذكاء الاصطناعي بالمحتوى النصي.
اعتبر القضاء الأمريكي هذا الإجراء مشروعاً قانونياً استناداً إلى مبدأ الاستخدام التحويلي المنصوص عليه في قانون حقوق النشر، ومع انتشار هذه الممارسة ظهرت شركات وسيطة تتولى جمع الكتب بكميات كبيرة لتأمين احتياجات شركات التقنية، وقد لاحظ تجار الكتب المستعملة في أستراليا تدفق طلبات شراء غير مألوفة لا تشبه سلوك الزبائن العاديين عبر منصات معروفة مثل "أبي بوكس" و"بيبليو"، وأفاد عدد منهم بتلقيهم طلبات من شركة كندية تُدعى "زووم بوكس" تعرّف نفسها كنشاط لإعادة تدوير الكتب.
تنوعت هذه الطلبات بشكل كبير وعشوائي، إذ شملت أدلة تعليمية قديمة في ميكانيكا التربة تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، بالإضافة إلى دواوين شعر محلي ظلت على الرفوف لعقود، فضلاً عن كتب رخيصة الثمن وأخرى نادرة.
تنقسم آراء تجار الكتب حيال هذه الظاهرة، فمنهم من يرى في الكتب قطعاً أثرية تحمل قيماً تاريخية وإنسانية، ويعتبر تدمير كتاب فريد أمراً مفجعاً، بينما يرى آخرون ممن يملكون مخزونات ضخمة تصل إلى مئات الآلاف أن بيع الكتب المكدسة قد يمثل فرصة مالية إيجابية، شرط ألا تشمل الصفقات النسخ الفريدة الوحيدة المتبقية عالمياً.
نفت شركة "أنثروبيك" من جهتها أي تعامل مباشر مع شركة "زووم بوكس"، حيث أكد المتحدث باسمها أن برامج جمع البيانات الخاصة بها لا تشتري الكتب النادرة أو القديمة بقصد إتلافها، مشيراً إلى أن الاعتماد على مصادر خارجية للحصول على الكتب يُعد ممارسة شائعة في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
كما رفضت الشركة بشكل قاطع أي اتهامات تتعلق بالمسح الضوئي التخريبي للكتب، مؤكدة أنها تشتري الكتب المستعملة بهدف إعادة بيعها بحالة سليمة، ولا تلجأ إلى إعادة التدوير إلا عندما يتعذر استخدام الكتاب، وامتنعت الشركة عن الكشف عن قيامها ببيع الكتب لجهات أخرى تستخدمها في المسح التخريبي، مبررة ذلك بالتزامها باتفاقيات السرية التجارية.