يعود التوتر ليخيم على الأجواء مع كل موسم إعلان نتائج الثانوية العامة، ولا يقتصر هذا الشعور على بيوت الطلاب وحدهم، بل يمتد ليشمل كثيرين ممن انتهت علاقتهم بهذه المرحلة منذ سنوات، وحتى أشخاص لا يعرفون أي طالب في هذه المرحلة الدراسية.
الدكتور ماجد أرنست، استشاري الأمراض النفسية والعصبية، أوضح أن الثانوية العامة ليست مجرد سنة دراسية عادية، بل تمثل لدى الكثيرين حدثاً عاطفياً كبيراً ارتبط بالخوف والضغط الأسري والقلق على المستقبل، لذلك فإن إعلان النتيجة قد يعيد إحياء مشاعر قديمة حتى بعد مرور سنوات طويلة.
"استدعاء الذكريات الانفعالية" هو المصطلح الذي يطلقه علم النفس على هذه الحالة، وفقاً لأرنست الذي أضاف في حديثه لـ"الشروق" أن المخ لا يستحضر الأحداث فقط، بل يعيد أيضاً المشاعر التي صاحبتها، فيشعر الشخص بالضيق أو القلق أو التعاطف مع الطلاب، حتى وإن كان قد تجاوز تلك المرحلة منذ زمن بعيد.
وأكد الاستشاري أن مصاحبة المشاعر للأحداث أمر طبيعي، خصوصاً أن المخ يحتفظ بقوة بالذكريات المرتبطة بانفعالات شديدة، سواء كانت خوفاً أو فرحاً أو إحباطاً، وبما أن الثانوية العامة غالباً ما تكون فترة مليئة بالضغوط، فإن تفاصيلها تظل أكثر رسوخاً من كثير من المراحل الدراسية الأخرى، وهذا لا يعني أن الشخص يعاني من مشكلة نفسية، بل يعكس أن تلك المرحلة تركت أثراً وجدانياً كبيراً في حياته.
ويرجع أرنست هذا الأثر النفسي الكبير إلى اجتماع عدة عوامل ضاغطة في الوقت نفسه، مثل ضغوط الأسرة، والمقارنة بالآخرين، والاعتقاد بأن النتيجة ستحدد مستقبل الإنسان بالكامل، بالإضافة إلى التغطية الإعلامية والاهتمام المجتمعي الكبير بهذه المرحلة.
وأشار إلى أن نظام الثانوية العامة يولد شعوراً لدى الطالب بأن مستقبله معلق على امتحان واحد، مما يجعل الضغط النفسي خلالها أعلى بكثير من أي سنة دراسية أخرى.
وعن إمكانية بقاء أثر التجربة بعد النجاح في الحياة، أجاب أرنست أن هذا قد يحدث بالفعل لدى بعض الأشخاص، فقد ينجح الإنسان في عمله ويكون راضياً عن حياته، لكنه يظل يشعر بأن نتيجة الثانوية العامة لم تكن معبرة عن قدراته، أو أنه خذل نفسه وأسرته.
ويُفسر ذلك علمياً بأنه قد يكون أثراً ناتجاً عن تجربة ضاغطة أو معتقداً سلبياً عن الذات تكون خلال تلك الفترة، وليس اضطراباً نفسياً في حد ذاته، مؤكداً أن هذه الصورة يمكن أن تتغير مع مرور الوقت وإعادة تقييم التجربة بشكل أكثر واقعية.
كما حذر الاستشاري من أن الأطفال والمراهقين يتأثرون بطريقة تعامل الوالدين أكثر من تأثرهم بالكلمات نفسها، فإذا تعاملت الأسرة مع الثانوية العامة باعتبارها معركة مصيرية بسبب تجربتهم القاسية، ينتقل هذا القلق إلى الأبناء بصورة تلقائية.
وينصح بأن يحرص الآباء على توصيل رسالة مختلفة مفادها بأن الثانوية العامة مرحلة مهمة، لكنها ليست المعيار الوحيد للنجاح، وليست نهاية الطريق إذا لم يحقق الطالب النتيجة التي كان يتمناها.
وأشار إلى أن تذكر وجود نماذج كثيرة لشخصيات ناجحة لم تحقق مجموعاً استثنائياً في الثانوية العامة، ومع ذلك حققوا إنجازات استثنائية في مجالاتهم، قد يساعد على تجاوز المشاعر السلبية المتعلقة بهذه المرحلة، فالثانوية العامة محطة مهمة في حياة الطالب، لكنها ليست حكماً نهائياً على قيمته أو قدراته، ونجاح الإنسان في الحياة يعتمد على عوامل عديدة، منها الاجتهاد والمرونة والرغبة في التعلم المستمر، وليس على مجموع سنة دراسية واحدة فقط.