من كان يتصور أن يتجاوز سعر الدولار 50 جنيهًا، وهي عتبة ظلت تبدو بعيدة بل مستبعدة في التقديرات السابقة؟ فقد سبق أن صدرت عن صندوق النقد الدولي تقديرات وضعت سعر الدولار عند مستويات تقارب 14 جنيهًا. ثم توالت التطورات الاقتصادية واتسعت الفجوة بين التوقعات والواقع، حتى تخطى الدولار حاجز الخمسين جنيهًا، رغم تطمينات رسمية استبعدت وصوله إلى هذا السقف. فماذا حدث حتى انفلتت العملة الأمريكية إلى هذه المستويات؟ وأين أخطأت الحسابات؟
المسألة ليست توقعًا لم يتحقق، ولا رقمًا غيّرته ظروف السوق، بل مسار يستحق المساءلة. ما المتغيرات التي لم تُقدَّر آثارها بما يكفي؟ وهل كانت السياسات الاقتصادية والمالية والنقدية مستعدة لمواجهة الضغوط التي دفعت الجنيه إلى هذا التراجع؟ ولماذا لم تنجح الأدوات المستخدمة في احتواء الأزمة قبل اتساع آثارها؟
اقرأ أيضًا: المؤامرة على القاهرة!!
وفي حديثه عن نظام الصرف المرن، أشار محافظ البنك المركزي إلى أن الاقتصاد الحقيقي هو مصدر الموارد المستدامة من العملة الأجنبية، محذرًا من خطورة تعدد أسعار الصرف ومن التضخم. وهذا تشخيص مهم، لكنه يفتح أسئلة أكثر إلحاحًا: لماذا ظلت احتياجاتنا من الدولار أكبر من مواردنا؟ وهل نجحنا في بناء قاعدة إنتاجية وتصديرية تقلل اعتمادنا على الخارج؟ وإلى أي مدى تكاملت السياسات النقدية والمالية والاستثمارية في مواجهة هذه الاختلالات؟
فمرونة سعر الصرف قد تنهي التشوهات وتوحّد السوق، لكنها لا تخلق الدولار من تلقاء نفسها. الموارد المستدامة تأتي من الصناعة والتصدير والسياحة والخدمات والاستثمار المنتج، ومن خفض فاتورة الواردات وتعميق التصنيع المحلي، لا من الاقتراض المتكرر والتدفقات المالية المعرضة للتقلب.
أما الفاتورة فيدفعها الجميع. المواطن يتحمل ارتفاع أسعار السلع والخدمات، والمستثمر يواجه غلاء الخامات ومستلزمات الإنتاج، والدولة تتحمل زيادة تكلفة الديون والالتزامات الخارجية بالجنيه، مما يضغط على الموازنة ويحد من قدرتها على تلبية الاحتياجات الأساسية.
فكيف يمكن كبح الدولار؟ لا يكون ذلك بالتمسك بسعر محدد ولا بإطلاق الوعود، وإنما بضبط الإنفاق والاقتراض، وتوجيه الاستثمارات إلى الإنتاج، وزيادة الصادرات، وتقليل الاعتماد على الواردات، وتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز المنافسة والشفافية، ومراجعة السياسات وفق مؤشرات معلنة تقيس النتائج لا النوايا.
ويبقى السؤال الذي لا يجوز تأجيله: كيف انتقلنا من تقديرات لصندوق النقد الدولي عند حدود 14 جنيهًا للدولار إلى واقع تجاوز فيه السعر 50 جنيهًا؟ وما الذي يضمن ألا تتكرر المفاجأة؟ وهل نتعامل مع الدولار بوصفه أزمة سعر صرف، أم إنذارًا باختلالات أعمق في بنية الاقتصاد؟
إن استقرار الجنيه لا تصنعه الوعود، ولا يتحقق بمجرد تغيير نظام الصرف، وإنما يقوم على اقتصاد ينتج أكثر ويصدّر أكثر ويقلل احتياجاته من الخارج. عندها فقط يصبح الدولار رقمًا يتأثر بقوة الاقتصاد، لا قوة تتحكم في تفاصيل حياة المصريين.