الخميس 29 أكتوبر 2026 — القاهرة

أسرة الإمام محمد سيد طنطاوي تستعيد مواقفه الإنسانية في ذكرى ميلاده

أسرة الإمام محمد سيد طنطاوي تستعيد مواقفه الإنسانية في ذكرى ميلاده

استعاد أفراد من أسرة الإمام الأكبر الراحل الدكتور محمد سيد طنطاوي، شيخ الأزهر الأسبق، مواقف إنسانية وذكريات عائلية تكشف جوانب من شخصيته. وأكدوا أنه اتسم بالتواضع والنزاهة والكرم والإخلاص في العمل، وكان حريصًا على رعاية أسرته ومساعدة الآخرين، ولم تحُل المناصب التي تولاها بينه وبين بساطته وقربه من الناس.

جاءت هذه الشهادات على لسان نجله وشقيقيه، خلال احتفالية خاصة بذكرى ميلاده أقامها صالون الجعفراوي بالتعاون مع رابطة الجامعات الإسلامية، وتناولوا فيها مواقف من حياة الإمام الخاصة والعامة.

اقرأ أيضًا: خدمة إلكترونية لسداد مخالفات المرور وتوصيل شهادة براءة الذمة للمنزل

نقاء القلب ورفض التعميم في الأحكام

روى نجل الإمام مواقف تعكس طريقة والده في التعامل مع الناس، موضحًا أنه كان طيب القلب نقي السريرة ولا يضيق بسهولة من الأمور الشخصية. غير أنه كان يتأثر بشدة إذا مُسّ الدين أو رموز الأزهر الشريف ومكانته.

وأضاف أن والده كان يتحدث إلى الصحفيين بصراحة ووضوح، ولا يميل إلى المراوغة في التعبير عن آرائه. واستشهد بنصيحة ما زال يتذكرها عنه: «يا ابني، لا تعمم في الأحكام»، مؤكدًا أنها تعكس منهجه في التفريق بين الأشخاص وتصرفاتهم، ورفضه تحميل الجميع مسؤولية أخطاء البعض.

رد بدل السفر عند تحمل الجهة المضيفة النفقات

ضرب نجل الإمام مثالًا على نزاهة والده بموقف جمعهما في محطة مصر بالإسكندرية، حين سأله عن سبب سفره بمفرده رغم أن بإمكانه اصطحاب مرافق.

وأوضح أن والده أخبره بأنه يرد بدل السفر الذي يتقاضاه إذا تكفلت الجهة المستضيفة بجميع احتياجاته خلال المهمة الرسمية. ورأى في ذلك دليلًا على حرصه على ألا يأخذ مالًا لا يستحقه، وألا يستغل ما يتيحه له منصبه من مزايا.

رفض العلاج على نفقة الدولة

واستعاد المستشار عمرو طنطاوي، نجل الإمام، موقفًا آخر حين احتاج شقيقه أحمد إلى جراحة في عينه. وقال إن والده لم يرغب في الاستفادة من العلاج على نفقة الدولة ما دام قادرًا على تحمل تكاليفه بنفسه.

وأضاف أن والده أعاد المبلغ الذي جرى الحديث عنه إلى وزارة الصحة، وأرسل خطاب شكر إلى وزير الصحة آنذاك. وبيّن فيه أن هناك أشخاصًا أكثر احتياجًا إلى هذه الأموال، وأن الأسرة تستطيع تدبير نفقات العلاج، في موقف يعكس حرصه على توجيه الموارد العامة إلى مستحقيها.

تبرعات بملايين الجنيهات بعيدًا عن الأضواء

كشف نجل الإمام أن والده اعتاد التبرع بالمكافآت والبدلات التي يحصل عليها مقابل حضور الاجتماعات وأداء بعض المهام، وأن إجمالي تبرعاته على مدى سنوات طويلة ربما بلغ ملايين الجنيهات.

وأكد أن الأسرة لم تكن تعلم بكل هذه التبرعات، لأن الإمام لم يكن يتحدث عنها ولا يسعى إلى إعلانها، وهو ما يعكس حرصه على فعل الخير بعيدًا عن المباهاة وانتظار الثناء.

كما استعاد موقف والده من أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001، مشيرًا إلى أنه حين أخبره بما جرى في الولايات المتحدة الأمريكية، تأثر بالخبر وعلّق بكلمات موجزة محذرًا من تداعياته، قائلًا: «طيب هتشوفوا إيه اللي هيحصل».

ولفت إلى أن تواضع والده امتد إلى أبسط تفاصيل حياته اليومية، فقد كان يحرص على مرافقة بعض العمال الذين ينجزون أعمالًا قرب سكنه حتى بداية الشارع، تقديرًا لهم دون النظر إلى مكانتهم أو طبيعة عملهم.

الأشقاء: كان أبًا قبل أن يكون أخًا

من جانبهما، استعاد المهندس حسن طنطاوي وعطية طنطاوي، شقيقا الإمام الراحل، ذكرياتهما معه. وأكدا أنه كان نموذجًا في العطاء والاحتواء والاهتمام بأسرته، وأن محبته للمدينة المنورة ظلت حاضرة في حياته حتى وفاته ودفنه في البقيع.

وقال المهندس حسن طنطاوي إن شقيقه كان يتمنى أن يُدفن في المدينة المنورة. وأشار إلى أنه شارك في أواخر فترة توليه مشيخة الأزهر في تحكيم جائزة الملك فيصل، وبعد انتهاء أعمال التحكيم، وأثناء انتقاله بالطائرة من جدة إلى الرياض، وافته المنية في مطار الرياض، ثم دُفن في البقيع بالمدينة المنورة. ودعا الله أن يتغمده بواسع رحمته.

بدوره، أكد عطية طنطاوي أن شقيقه كان يمثل لهم «أبًا قبل أن يكون أخًا»، لما عُرف عنه من حرص على رعايتهم ومتابعة أحوالهم وتلبية احتياجاتهم. وأوضح أنه كان يحرص على زيارة المدينة المنورة كلما سنحت له الفرصة لقضاء إجازة قصيرة.

وأضاف أن الأسرة اعتادت الاجتماع بالإمام الراحل أسبوعيًا، وكان يستقبل أشقاءه بسعادة واضحة، ويسأل كلًا منهم عن أحواله وظروفه وعمله وما يحتاج إليه، رغم انشغاله بأعماله العلمية وكتبه ومذكراته.

رعاية الأشقاء والحرص على مستقبلهم

استعاد عطية طنطاوي موقفًا من أيام دراسته الثانوية، موضحًا أنه كان يقيم في أسيوط مع شقيقيه الأكبر منه، المهندس حسن طنطاوي والدكتور حسين طنطاوي، وكانا يدرسان بالجامعة.

وأضاف أنه في فترة الاستعداد لامتحانات الثانوية العامة، طلب منه الإمام الراحل أن يقضي شهر المذاكرة معه في شقته بمصر الجديدة حتى لا يبقى وحده في أسيوط، مؤكدًا استعداده لتوفير كل ما يحتاج إليه من مدرسين أو مساعدة في الدراسة.

وأوضح أن الإمام كلّف زوجته، وهي ابنة عمه، برعايتهم والاهتمام بشؤونهم اليومية من الطعام والشراب وسائر احتياجاتهم، وكان يتابع أحوالهم بنفسه، في صورة تعكس حرصه على تحمل مسؤولياته تجاه أسرته.

وأكد أشقاء الإمام أن هذه المواقف، إلى جانب ما رواه نجله عن نزاهته وتبرعاته وتواضعه، تكشف عن شخصية جمعت بين المكانة العلمية والدينية الكبيرة والإنسانية الصادقة، وظلت قريبة من الأسرة والناس، حريصة على مساعدة الآخرين وخدمة المجتمع.

أخبار متعلقة