توقع عدد من محللين اقتصاديين أن يثبّت البنك المركزي المصري أسعار الفائدة في اجتماع الخميس المقبل، في ظل تواصل تصاعد التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على أسواق السلع الأساسية والطاقة. في المقابل، رجّح خبير اقتصادي أن يرفع المركزي الفائدة بنحو 100 نقطة أساس.
وتعقد لجنة السياسة النقدية اجتماعها قبل الأخير هذا العام يوم الخميس 29 أكتوبر 2026 لبحث أسعار الفائدة. وكانت اللجنة قد أبقت في اجتماعها الأخير في سبتمبر الماضي سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 19% و20% على الترتيب.
اقرأ أيضًا: سي آي كابيتال تتوقع تراجع مبيعات العقارات بمصر 15% سنويًا حتى 2027
وسبق للمركزي أن خفّض الفائدة 1% في أول اجتماعات 2026، بعد خفضها 7.25% على مدار 5 اجتماعات في 2025.
وتوقع الخبير الاقتصادي محمد فؤاد أن يثبّت المركزي الفائدة في الاجتماع المقبل، مضيفًا أن احتمالات الرفع باتت أكثر جدية من احتمالات الخفض. وأوضح أن الاعتماد على رفع الفائدة وحده لمواجهة خروج الأموال الساخنة سيكون مرتفع التكلفة ومحدود الفاعلية، لأن أسباب الخروج عالمية في الأساس.
وأضاف فؤاد أن الأهم ليس قرار أكتوبر وحده، إذ ستؤجل التطورات الحالية دورة خفض الفائدة إلى 2027، وربما يضطر المركزي إلى الرفع مستقبلًا لكبح توقعات التضخم.
ومن جهته، توقع هاني جنينة، رئيس وحدة البحوث في شركة الأهلي فاروس لتداول الأوراق المالية، أن يُبقي المركزي الفائدة دون تغيير. ورأى أن تسارع التضخم الشهري إلى 1.3% في سبتمبر الماضي، وتراجع الجنيه إلى مستوى قياسي بلغ 55 جنيهًا للدولار، واستمرار ارتفاع أسعار الطاقة، تُعد في معظمها مؤشرات على صدمات مؤقتة في جانب العرض، ولا يصاحبها انتقال هذه الضغوط إلى دوامة تضخمية تستدعي تدخلًا نقديًا.
وكان معدل التضخم السنوي لإجمالي الجمهورية قد ارتفع إلى 12.8% في سبتمبر الماضي، مقابل 12.7% في أغسطس، بالتزامن مع تسارع التضخم الشهري الذي صعد 1.5%، وفق بيانات سابقة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
وأوضح جنينة أن السياسة النقدية الحالية تتسم بالفعل بدرجة استثنائية من التشدد، ويمكن للمركزي الاستمرار في موقف محايد حتى نهاية العام، لا سيما أن سعر الفائدة الحقيقي يقترب من 5.35%.
وأشار إلى أنه إذا طالب المستثمرون الأجانب بعوائد أعلى للتعويض عن مخاطر سعر الصرف، فستتكيف عوائد أذون وسندات الخزانة في السوق الثانوية، دون حاجة إلى إلحاق أضرار واسعة بالاقتصاد عبر رفع أسعار الفائدة الأساسية.
وأضاف أن توجه مصر إلى رفع الفائدة لتعويض مستثمري المحافظ المالية عن مخاطر انخفاض الجنيه قد يبدو منطقيًا، لكنه مكلف في التنفيذ. فحتى لو جذبت الفائدة الأعلى المستثمرين، فمن المرجح أن تحتفظ البنوك التجارية بالتدفقات الأجنبية في الخارج ضمن صافي أصولها الأجنبية، وهو ما لن يخفف الضغوط على الحساب الجاري.
وأكد جنينة أن ارتفاع أسعار الفائدة سيُلحق ضررًا بالغًا بالقطاع العقاري الذي يعاني بالفعل من الهشاشة، وبسلسلة القيمة الممتدة المرتبطة به، كما سيجعل الدين العام المحلي غير قابل للاستدامة. وأوضح أن استدامة هذا الدين تتطلب تحقيق فائض أولي، وأن يكون سعر الفائدة الاسمي أقل من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.
وبحسب جنينة، بلغ الفائض الأولي 4.9% في السنة المالية 2025/2026، إلا أن الفائدة الحالية تتجاوز معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي بنحو 500 نقطة أساس، فيما تستحوذ مدفوعات الفائدة على نحو 60% من إيرادات الحكومة المركزية.
بدوره، قال مصطفى شفيع، رئيس قسم البحوث في شركة أسطول القابضة، إن سيناريو التثبيت هو الأرجح حاليًا لإتاحة دراسة الأوضاع الاقتصادية، خاصة أن العالم يشهد اضطرابًا وضبابية بفعل تصاعد التوترات الجيوسياسية، سواء الحرب الأمريكية الإيرانية أو ضربات الحوثيين في السعودية أو الحرب الروسية الأوكرانية وتأثيرها على سلاسل الإمداد عبر البحر الأسود.
وأضاف شفيع أن هذه التوترات انعكست بحدة على أسواق السلع الأساسية والطاقة، إذ ارتفع خام برنت إلى ما بين 111 و112 دولارًا للبرميل، وبلغ سعر الغاز الطبيعي المسال نحو 30 دولارًا لكل مليون وحدة حرارية. وانعكس ذلك على معدلات التضخم في الولايات المتحدة، ما يعزز التوقعات بتشديد السياسة النقدية من جانب الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، إما بالإبقاء على الفائدة في الاجتماع المقبل ثم رفعها في الاجتماع الأخير، وإما برفعها في الاجتماعين المتبقيين هذا العام.
وأشار إلى أنه رغم انحسار معدلات التضخم محليًا مؤخرًا، فمن المتوقع أن تتسارع في الفترات المقبلة مع تحركات سعر الصرف وانخفاض الجنيه إلى مستوى 55 جنيهًا، إضافة إلى ترقب نتائج مراجعة أسعار المحروقات.
وتابع: «لذلك، أرجح التثبيت خلال الاجتماع المقبل، ولكن احتمالات الرفع أو التثبيت في الاجتماع الأخير للعام تظل متساوية، ومرهونة بمدى استجابة معدلات التضخم لتطورات أسعار الطاقة وسعر الصرف».
وتوقعت إسراء أحمد، الاقتصادية الأولى في وحدة بحوث رامبل بشركة ثاندر لتداول الأوراق المالية، تثبيت أسعار الفائدة، في ظل الضغوط الشديدة الناتجة عن التوترات الجيوسياسية والحروب في المنطقة، التي لا تترك مجالًا للخفض.
وأضافت أن معدلات الفائدة الحقيقية ما زالت مرتفعة مقارنة بمعدلات التضخم التي تتسم باستقرار نسبي، خاصة مع إعلان تثبيت أسعار المحروقات للربع الحالي. ولذلك لا ترى داعيًا للتعجل في رفع الفائدة، ولا ضغوطًا كبيرة تستدعي ذلك بشكل ملح، خاصة مع أرقام السيولة الدولارية الجيدة نسبيًا.
واتفقت معها نعمة الله شكري، متوقعة تثبيت سعر الفائدة في اجتماع لجنة السياسة النقدية المقبل، بسبب استمرار عدم استقرار الأوضاع الجيوسياسية في المنطقة.
وعلى الجانب الآخر، توقع الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن يرفع البنك المركزي المصري أسعار الفائدة بنحو 100 نقطة أساس في الاجتماع المقبل، بهدف وقف نزيف تخارج استثمارات الأموال الساخنة، وتعويض قفزات التضخم الشهري وارتدادات صدمة أسعار الطاقة.