شهدت تعاملات المستثمرين الأجانب في أدوات الدين المصرية، اليوم الخميس، مبيعات محدودة بلغت نحو 13.3 مليار جنيه، أي ما يعادل حوالي 250 مليون دولار، وذلك في أول رد فعل على قرار الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة، وسط تباين في تعاملاتهم بين البيع والشراء منذ مطلع الأسبوع.
ويأتي هذا التطور في ظل ترقب الأسواق لمدى انعكاس تشديد السياسة النقدية الأمريكية على جاذبية أدوات الدين المصرية، وما إذا كان رفع الفائدة الأمريكية سيدفع لمزيد من تخارج الأموال الساخنة على غرار ما جرى في 2022، غير أن خبراء يرون أن ارتفاع عوائد أدوات الدين المحلية وتحسن الاحتياطيات ومرونة سعر الصرف قد يحدان من تداعيات القرار على تدفقات المستثمرين الأجانب.
اقرأ أيضًا: الصين تُطلق سندات خزانة خاصة بـ300 مليار يوان لدعم 8 مؤسسات مالية حكومية
ورفع الفيدرالي الأمريكي أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ 3 سنوات، ما أثار مخاوف بشأن الاقتصاد المصري من خروج الأموال الساخنة وزيادة الضغط على الجنيه أمام الدولار، كما حدث في 2022، لكن خبراء استبعدوا تكرار ذلك في ظل تمتع أدوات الدين المحلية بجاذبية وعوائد مرتفعة، متوقعين أن يقتصر تأثير القرار على وقف دورة التيسير النقدي للبنك المركزي والاتجاه نحو تثبيتها.
وأعلن الفيدرالي الأمريكي أول أمس الأربعاء رفع الفائدة الأمريكية على الدولار بنحو ربع نقطة مئوية لتتراوح بين مستويات 3.75% و4.00%، بموافقة جميع أعضائه، بهدف عودة التضخم إلى نطاقه المستهدف البالغ 2%.
وجاء القرار متماشيًا مع توقعات الأسواق العالمية في ظل الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع عوائد السندات الأمريكية طويلة الأجل لأعلى مستوى منذ 2007.
وقال هاني جنينه، رئيس قسم البحوث بالأهلي فاروس، إنه يرى رفع الفائدة الأمريكية أمرًا إيجابيًا للاقتصاد العالمي أكثر منه سلبيًا، حيث سيؤدي إلى تقارب أسعار الفائدة بين أدوات الدين قصيرة وطويلة المدى في سوق السندات الأمريكية، بعد الارتفاعات القياسية التي شهدتها عوائد السندات طويلة الأجل، مما قد يسبب أزمة في سوق السندات إذا استمرت عوائد طويلة الأجل في الارتفاع، بالإضافة إلى أنه سيمنح الدولار الأمريكي قوة عالميًا، مما يخفف من احتمالات العودة إلى مسار تشديد السياسة النقدية لفترة أطول، مما كان سيضغط على الأسواق الناشئة.
وتسبب القرار في مخاوف للاقتصاد المصري من تكرار أزمة خروج الأموال الساخنة في عام 2022، بالتزامن مع بدء الفيدرالي وقتها رفع الفائدة والحرب الروسية الأوكرانية، حيث أدى ذلك إلى تخارج أموال ساخنة بنحو 22 مليار دولار، مما دفع إلى تهاوي قيمة الجنيه مقابل الدولار.
ولكن رأى جنينه أن حتى بعد رفع الفائدة الأمريكية لا خوف من خروج الأموال الساخنة، حيث تتفوق عوائد أذون وسندات الخزانة المحلية مقارنة بعوائد سندات الخزانة الأمريكية، سواء بالقيمة الاسمية أو الحقيقية، بالإضافة إلى استمرار انخفاض معدلات التضخم المحلية، مما يعزز العائد الإيجابي لأذون الخزانة المصرية، مشيرا إلى ان مبيعات الأجانب اليوم في سوق السندات ضعيفة وطبيعة بعد القرار.
وتصل أسعار العائد على أذون وسندات الخزانة المصرية إلى 25% في الوقت الحالي، وفقًا لآخر طرح للبنك المركزي.
وشهدت تحركات الدولار عالميًا ارتفاعات قوية منذ بداية تعاملات الأسبوع، حيث صعد مؤشره بنحو 1% ليصل إلى 100 نقطة، بسبب زيادة أسعار الفائدة التي تمنح الدولار قوة عن باقي العملات.
وبالرغم من ذلك، توقع جنينه أن يستقر سعر صرف الدولار مقابل الجنيه في نطاق عرضي بين 49 و53 جنيهًا حتى نهاية العام، موضحًا أن تلك المستويات هي الأسعار العادلة للجنيه في الوقت الحالي.
وقالت سلمى طه، رئيسة قسم البحوث بشركة النعيم القابضة، إن قرار الفيدرالي يمثل تحولًا في مسار السياسة النقدية الأمريكية، مع استئناف البنك المركزي دورة التشديد النقدي بعد توقف استمر قرابة ثلاث سنوات.
وأوضحت طه أن ارتفاعات الفائدة الأمريكية تؤدي إلى زيادة جاذبية الأصول المقومة بالدولار نسبيًا، مما يجعل أذون وسندات الخزانة المصرية أقل جاذبية، ولكن لا يعني ذلك بالضرورة خروج المستثمرين الأجانب من السوق المصرية، إذ تظل مستويات العائد على أدوات الدين المحلية واستمرار مرونة سعر الصرف هما المؤثرين على قرارهم في المقام الأول.
وأضافت طه: يمكن أن تؤدي أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة وقوة الدولار إلى زيادة الضغوط على الأصول المقومة بالجنيه وتضييق فارق أسعار الفائدة بين مصر والولايات المتحدة، لكن تحسن الاحتياطيات والهوامش الخارجية لمصر، إلى جانب زيادة مرونة سعر الصرف، يوفر قدرًا أكبر من القدرة على استيعاب تشديد الأوضاع النقدية العالمية، متوقعة أن يدفع قرار الاحتياطي الفيدرالي البنك المركزي المصري إلى اتباع وتيرة أكثر تدرجًا في خفض أسعار الفائدة، بدلًا من أن يستدعي بالضرورة العودة إلى دورة تشديد نقدي محلية.
وقال محمود نجلة، المدير التنفيذي لأسواق النقد والدخل الثابت بشركة الأهلي لإدارة الاستثمارات المالية، إن ما يجعل تأثير رفع الفيدرالي الفائدة أقل من عام 2022 هو أنها ليست دورة تشديد نقدي مستدامة، بل مؤقتة واستثنائية بسبب القرارات غير المدروسة من الرئيس دونالد ترامب، التي ضغطت على ارتفاعات التضخم وارتفاع أسعار البترول.
وكان الفيدرالي الأمريكي بدأ دورة تيسير السياسة النقدية في سبتمبر 2024، حيث خفضها من مستويات 5.50% إلى 4% بحلول أكتوبر 2025، قبل أن يتوقف عن خفضها منذ ذلك التوقيت.
وأضاف نجلة أن البنك المركزي كان لديه تحركات مسبقة لقرار رفع أسعار الفائدة الأمريكية، حيث حافظ على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية التي تقدم عائدًا إيجابيًا أعلى من 5% إلى 6% مقارنة بالتضخم، مشيرًا إلى أن أسعار الفائدة الحالية تحافظ على مستويات التضخم وتضمن استمرار جاذبية الأجانب في أدوات الدين المحلية.
وتبلغ أسعار العائد حاليًا مستويات 19% و20% للإيداع والإقراض، وكان البنك المركزي بدأ خفض أسعار الفائدة في أبريل 2025، بعد أن وصلت إلى مستويات 27.25% للإيداع و28.25% للإقراض.
وقال هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن قرار الفيدرالي الأمريكي برفع أسعار الفائدة سيكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد المصري، حيث سيضغط على تخارج الأجانب من أدوات الدين المحلية، أذون وسندات الخزانة، ليتوجهوا إلى وضع أموالهم في البنوك الأمريكية.
وأضاف توفيق: «حتى وإن كان العائد على أذون وسندات الخزانة المصرية أفضل من الفائدة على الدولار بعد رفعها، فإن التوترات الجيوسياسية ترفع نسبة المخاطرة عليها، مما يفضل معه المستثمرون الحفاظ على أموالهم في البنوك الأمريكية وعدم المخاطرة بها».
وأشار توفيق إلى أن تأثر الاقتصاد بخروج الأموال الساخنة سيكون متوقفًا على ما إذا كانت تلك الأموال تمثل جزءًا من الاحتياطي النقدي، كما في السابق، أم لا، مشيرًا إلى أن البنك المركزي، لو أراد الحفاظ على الأموال الساخنة، عليه تحريك سعر الفائدة على الأقل 2%.