بنى دونالد ترامب جزءًا من حملته للعودة إلى البيت الأبيض على مهاجمة ما وصفه بـ«نظام الرقابة» الذي تبنته إدارة جو بايدن، بعد أن تواصل مسؤولون في تلك الإدارة مرارًا مع منصات التواصل الاجتماعي، محيلين إليها منشورات اعتبروها مضللة بشأن جائحة كورونا واللقاحات وانتخابات 2020، وحاثين إياها على تقييد انتشار المحتوى المخالف لسياساتها أو حذفه.
خلال خطاب تنصيبه في 20 يناير 2025، تعهد ترامب بـ«وقف كل رقابة حكومية فورًا وإعادة حرية التعبير إلى أمريكا»، وأصدر في اليوم نفسه أمرًا تنفيذيًا حمل عنوان «استعادة حرية التعبير وإنهاء الرقابة الفيدرالية»، موجّهًا الوكالات والموظفين الحكوميين إلى عدم استخدام سلطاتهم لتقييد الكلام المحمي دستوريًا.
حمل هذا الوعد مفارقة مبكرة بالنظر إلى سجل ترامب الصدامي مع الصحافة والرأي المخالف في ولايته الأولى؛ ففي نوفمبر 2018، سحب البيت الأبيض اعتماد مراسل شبكة «سي إن إن» جيم أكوستا بعد مواجهة حادة مع الرئيس خلال مؤتمر صحفي، قبل أن يأمر قاضٍ اتحادي بإعادة الاعتماد مؤقتًا، ثم تراجع البيت الأبيض لاحقًا عن قرار السحب نهائيًا.
من هذه المسافة بين الشعار والممارسة تنطلق مراجعة موسعة أجرتها وكالة رويترز؛ فالرئيس الذي عاد إلى السلطة متعهدًا بإنهاء الرقابة الحكومية، واجه خلال نحو 18 شهرًا 75 حكمًا من قضاة اتحاديين خلصوا إلى أن إدارته انتهكت حقوقًا يكفلها التعديل الأول للدستور، بما يشمل حرية التعبير والصحافة والدين وتكوين الجمعيات.
تتوزع هذه الأحكام على قضايا تبدو متباعدة، تمتد من الطلاب والجامعات إلى الصحفيين ومكاتب المحاماة والنقابات والمؤسسات البحثية، لكنها تلتقي عند اتهام واحد: «استخدام الإدارة أدوات الدولة، مثل التأشيرات والمنح والعقود والتصاريح الأمنية واعتمادات الصحفيين، للضغط على أشخاص ومؤسسات تبنت آراء أو مواقف يعارضها الرئيس».
راجعت رويترز سجلات المحاكم الاتحادية وقاعدة «ويستلو» للأبحاث القانونية، وحددت 93 قضية ناقش فيها قضاة المحاكم الأدنى ادعاءات متعلقة بالتعديل الأول خلال ولاية ترامب الثانية، وانتهت 75 منها إلى أحكام ضد الإدارة.
تعاملت الوكالة مع الدعاوى المتشابهة التي دمجتها المحاكم باعتبارها قضية واحدة، ولم تكرر احتساب الأحكام المتعددة الصادرة داخل الدعوى نفسها، واستبعدت القضايا التي أقامها أصحابها من دون محامين.
بعض الأحكام التي أحصتها أولية أو مؤقتة، صدرت لمنع تنفيذ السياسات إلى حين نظر موضوع الدعوى كاملًا، ولذلك يعبر الرقم عن حجم الاعتراض القضائي على سياسات الإدارة، ولا يعني صدور 75 حكمًا نهائيًا باتًا.
تكشف المقارنة التي أجرتها رويترز مع إدارة جو بايدن عن اتساع غير معتاد للمواجهة؛ إذ وجدت الوكالة 27 قضية فقط تناولت اعتراضات مرتبطة بالتعديل الأول خلال ولاية بايدن، وخسرت إدارته 13 منها، وكان معظمها متعلقًا باعتراضات دينية على إلزام العاملين بتلقي لقاحات كورونا.
تظل المقارنة محكومة باختلاف السياسات والظروف والمرحلة الإجرائية لكل قضية، لكنها توضح أن الصدام في ولاية ترامب الثانية تجاوز خلافًا منفردًا حول قرار بعينه.
ظهرت الفكرة بوضوح داخل الجامعات، حيث ربطت الإدارة بين التأشيرات والتمويل الفيدرالي وبين مواقف المؤسسات والطلاب من قضايا مثل الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين وبرامج التنوع والمساواة والشمول.
في سبتمبر 2025، خلص القاضي وليام يونج إلى أن الإدارة استهدفت طلابًا وأساتذة أجانب بسبب نشاطهم المؤيد للفلسطينيين، من خلال الاعتقال أو الترحيل أو إلغاء التأشيرات، معتبرًا أن هذه الإجراءات لم تؤثر في الأشخاص المستهدفين وحدهم، بل دفعت آخرين إلى الصمت خشية التعرض للعقاب نفسه.
دافعت الإدارة عن تحركاتها باعتبارها إجراءات مرتبطة بالهجرة والأمن القومي، بينما رأى القاضي أن استخدام هذه السلطات للانتقام من نشاط سياسي محمي يخرق التعديل الأول.
تكرر المنطق نفسه في النزاعات الخاصة بالمنح الجامعية؛ إذ رأت محاكم أن الإدارة لم تكتف بتحديد أولويات إنفاق المال العام، لكنها أوقفت تمويلًا عن جامعات ومؤسسات بحثية لأنها رفضت تعديل برامجها أو خطابها بما يتوافق مع توجهات البيت الأبيض، خصوصًا في ملفات التنوع والهوية الجندرية والاحتجاجات الجامعية.
بحسب رويترز، أيدت محكمة الاستئناف بالدائرة التاسعة في مايو 2026 حكمًا اعتبر إنهاء منح لباحثين في جامعة كاليفورنيا، ضمن حملة الإدارة ضد برامج التنوع، تمييزًا قائمًا على وجهة النظر.
يقوم الفارق القانوني هنا على أن الحكومة تستطيع اختيار المجالات التي تمولها، لكنها لا تستطيع استخدام المنحة لمعاقبة مؤسسة على رأي تتبناه في قضايا عامة.
امتد استخدام أدوات السلطة إلى مكاتب المحاماة التي سبق أن عملت مع خصوم ترامب أو شاركت في قضايا تعارض سياساته، فأصدرت الإدارة أوامر شملت تعليق التصاريح الأمنية لمحامين، وتقييد دخولهم إلى منشآت حكومية، ومراجعة العقود المرتبطة بمكاتبهم وعملائهم.
في مايو 2025، أبطلت القاضية بيريل هاول الأمر التنفيذي الخاص بمكتب «بيركنز كوي»، وخلصت إلى أنه استهدف المكتب بسبب عمله السابق لمصلحة خصوم سياسيين للرئيس ومشاركته في دعاوى لا ترضى عنها الإدارة.
كتبت أن تسوية الخصومات الشخصية عبر توجيه إجراءات حكومية عقابية إلى شركة أو فرد مكروه لا تمثل استخدامًا مشروعًا لسلطات الحكومة أو الرئيس.
رأت المحكمة أن القضية تتجاوز الخلاف بين ترامب ومكتب بعينه؛ لأن قدرة المحامي على اختيار عملائه وتقديم حججهم أمام القضاء جزء من حرية التعبير وتكوين الجمعيات، واستخدام العقود والتصاريح والمباني الحكومية لمعاقبته بسبب هذا النشاط يبعث برسالة إلى بقية المكاتب مفادها أن تمثيل خصوم الإدارة قد تكون له كلفة.
ظهر النمط ذاته في العلاقة مع وسائل الإعلام؛ فقد لجأت وكالة أسوشيتد برس ونيويورك تايمز إلى القضاء بسبب قيود فرضتها الإدارة على تغطيتهما للبيت الأبيض ووزارة الدفاع، وحققتا انتصارات في المحاكم الابتدائية، قبل تعليق بعض الأحكام أو تعديلها خلال الاستئناف.
في النزاع مع أسوشيتد برس، ارتبط تقييد الوصول برفض الوكالة تبني تسمية ترامب لـ«خليج المكسيك» باسم «خليج أمريكا»، بما حول اختيارًا تحريريًا إلى معيار للحصول على امتيازات التغطية.
أما في وزارة الدفاع، فاعترضت نيويورك تايمز على قواعد تسمح بسحب اعتماد الصحفي الذي يسعى إلى معلومات لم تصرح الوزارة بنشرها، حتى عندما تكون غير سرية؛ ورأى قاضٍ اتحادي أن السياسة تمنح البنتاجون مساحة واسعة لمعاقبة العمل الصحفي، قبل أن تحقق الإدارة انتصارًا لاحقًا في الاستئناف بشأن جانب من قيود الدخول والمرافقة داخل مقر الوزارة.
استأنفت إدارة ترامب أحكامًا في نحو ثلثي القضايا التي خسرتها، ونجحت في 15 من أصل 75 قضية في إلغاء حكم ابتدائي أو تعليق تنفيذه، بينما تركت أحكامًا أخرى من دون طعن، بينها قرارات منعتها من التدخل في موضوعات النقاش داخل الفصول الدراسية أو إلغاء منح قديمة لمؤسسات قانونية وطبية عارضت أجندتها.
ألغت محاكم استئناف قرارات أدت إلى الإفراج عن الناشطين المؤيدين للفلسطينيين محمود خليل ومحسن مهداوي، لكنها استندت إلى عدم اختصاص المحاكم الأدنى بنظر القضايا، من دون حسم الاتهامات المتعلقة بحرية التعبير.
في قضية أخرى، سمحت محكمة استئناف للإدارة بحرمان مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين من التفاوض الجماعي، بعدما رأت أن القرار كان سيصدر حتى في غياب رغبة مزعومة في الانتقام من النقابات.
لذلك لا يقدم الرقم حكمًا نهائيًا على كل سياسة، قدرما يكشف اتجاهًا متكررًا في ممارسة السلطة؛ فقد بدأت الإدارة ولايتها بإعلان أن الحكومة لن تقيد الكلام، ثم واجهت عشرات الأحكام التي رأت أنها استخدمت قدرة الحكومة على التمويل والتعاقد والمنح والدخول والإقامة لمعاقبة أصحاب الكلام الذي لا ترضى عنه.
وهنا تكمن المفارقة التي تجمع القضايا كلها: حرية التعبير التي وعد ترامب باستعادتها خضعت، في التطبيق، لاختبار موقف المتحدث من الرئيس وسياساته، بينما أعاد القضاء التذكير بأن الحماية الدستورية تبدأ تحديدًا عند النقطة التي يصبح فيها الكلام مزعجًا للسلطة.