الخميس 6 أغسطس 2026 — القاهرة

جفاف الراين يُنذر بشلل صناعي في قلب أوروبا

جفاف الراين يُنذر بشلل صناعي في قلب أوروبا

بعد الاضطرابات التي شهدتها حركة الملاحة في ثلاثة ممرات مائية عالمية كبرى، وهي مضيق هرمز وموانئ البحر الأسود ومضيق باب المندب، يلوح في الأفق تهديد جديد يضرب ممراً رابعاً حيوياً، ألا وهو نهر الراين. ورغم أن هذا النهر الذي يخترق شمال غرب أوروبا لا يحظى بنفس القدر من الاهتمام الجيوسياسي الذي تحظى به الممرات الأخرى، إلا أن أهميته الاقتصادية لا تقل عنها، حيث يشكل شرياناً حيوياً يربط بين مصانع الكيماويات ومصافي النفط ومسابك الصلب ومحطات الطاقة التي تعمل بالفحم في كل من سويسرا وألمانيا وفرنسا، وصولاً إلى الموانئ الهولندية.

وتذهب شركة «باسف» الألمانية، العملاقة في مجال الكيماويات، إلى أبعد من ذلك في توصيف أهمية هذا النهر، مؤكدة أنه «من دون نهر الراين، سينهار الإنتاج الصناعي في أوروبا الغربية».

ويُعتبر الراين من أكثر الممرات المائية ازدحاماً في العالم، إذ يشهد يومياً مرور نحو 6900 سفينة وباخرة شحن، تنقل البضائع في الاتجاهين على امتداد مجراه الذي يبلغ طوله حوالي 800 ميل. لكن التحدي الذي يواجهه الآن ليس ناتجاً عن حرب أو صراع، بل عن شحّ في الأمطار، حيث أدى الجفاف الشديد، الذي يُرجَّح أن تغير المناخ فاقم من حدته، إلى انخفاض منسوب المياه لمستويات خطيرة، مما كاد يشل حركة نقل البضائع عبر الصنادل.

ولم تكن هذه المرة الأولى التي يعاني فيها النهر من انخفاض منسوب مياهه، فقد شهد ذلك في أعوام 1947 و1959 و1964 و1976، بالإضافة إلى موجة الجفاف التاريخية في عام 2018، والتي أجبرت العديد من المنشآت الصناعية على ضفافه على تعليق عملياتها، وكبّدت الاقتصاد الألماني خسائر تمثلت في خفض معدل نموه عدة أجزاء من النقطة المئوية. وإذا لم تسرع الأمطار في الهطول، فإن أزمة العام الحالي تتجه لأن تضاهي أزمة 2018 على الأقل، مع مخاوف كبيرة من أن تكون أشد وطأة، خاصة وأن شهري أغسطس وسبتمبر، وهما الأكثر جفافاً بالنسبة للنهر، لم يحلا بعد.

وفي حال انخفاض منسوب المياه إلى مستوى يتسبب في توقف الملاحة تماماً، فإن التداعيات ستنتشر بسرعة إلى المناطق الداخلية. فقد تضطر سويسرا خلال أسابيع إلى استخدام احتياطياتها الاستراتيجية من النفط، نظراً لصعوبة حصولها على المنتجات المكررة مثل الديزل من مركز التكرير في منطقة أنتويرب–روتردام–أمستردام، والذي كانت تعتمد على الصنادل للوصول إليه.

كما قد تضطر مصانع البتروكيماويات ومسابك الصلب في ألمانيا إلى تقليص إنتاجها بسبب نقص المواد الخام القادمة من موانئ بحر الشمال، وقد تشهد البلاد نقصاً محلياً في الوقود. وتأتي هذه الأزمة في وقت بالغ السوء، حيث أدت الارتفاعات الحادة في الأسعار الناجمة عن الحرب الإيرانية إلى قيام العديد من الشركات بشراء الحد الأدنى من الوقود خلال الأشهر الماضية، مما جعلها تعتمد على مخزونات محدودة للغاية وتدير احتياجاتها بشكل يومي.

وأصبح تجار السلع الذين يركزون على الأسواق الأوروبية الداخلية يتابعون بدقة توقعات هطول الأمطار، بنفس القدر من القلق الذي يتابع به نظراؤهم في الشرق الأوسط تحركات الطائرات المسيّرة والصواريخ. وتتركز الأنظار بشكل خاص على بلدة كاوب، الواقعة جنوب مدينة كولونيا، والتي تمثل أهم نقطة اختناق على النهر، وهي بلدة تتميز بجمالها الطبيعي وتحيط بها قلاع تعود للعصور الوسطى.

ويبلغ منسوب المياه في هذه البلدة عادة حوالي 200 سنتيمتر في هذا الوقت من العام، بينما يقع الحد الحرج عند 78 سنتيمتراً، حيث تضطر معظم الصنادل عند انخفاض المنسوب عن هذا المستوى إلى تقليل حمولتها لتجنب الجنوح أو الارتطام بقاع النهر. وقد شهد مقياس المياه انخفاضاً حاداً يوم الثلاثاء قبل الماضي، حيث وصل إلى 27 سنتيمتراً فقط، وهو أدنى مستوى يُسجل في التاريخ الحديث في وقت مبكر كهذا من فصل الصيف. ومع غياب أي مؤشرات على هطول أمطار قريبة، يتوقع تجار السلع أن ينخفض المنسوب خلال هذا الأسبوع إلى ما دون المستوى القياسي المتدني البالغ 25 سنتيمتراً، والذي تم تسجيله في أكتوبر 2018، ليصل إلى أدنى مستوى له منذ 36 عاماً على الأقل.

وكما هي الحال في مضيق هرمز أو باب المندب، توجد بدائل لهذا الممر المائي، لكنها ليست سهلة أو منخفضة التكلفة. ويتمثل خط الدفاع الأول في جيل جديد من الصنادل صُمم خصيصاً للعمل في ظروف انخفاض المياه الشديد، وذلك كاستجابة لأزمة عام 2018، ولا تزال هذه السفن قادرة حالياً على الإبحار فوق قاع النهر الصخري عند نقطة الاختناق في كاوب. لكن هذه القدرة تأتي على حساب كبير في الطاقة الاستيعابية، حيث تم تخفيض الحمولة بشكل كبير للحفاظ على ارتفاع السفن فوق سطح الماء، وقد انخفض متوسط الحمولة خلال الأسبوع الماضي إلى 800 طن فقط، مقارنة بالمعدل الطبيعي البالغ 5100 طن.

وإذا استمر المنسوب في الانخفاض كما هو متوقع، فقد تصل هذه الصنادل بحلول نهاية الأسبوع إلى نقطة لا تستطيع فيها نقل كميات مجدية اقتصادياً، مما قد يوقف تشغيلها تماماً. وقد بدأت تكاليف الشحن بالفعل في الارتفاع بشكل حاد بسبب الحاجة إلى عدد أكبر من الصنادل لنقل الكمية نفسها من البضائع، حيث بلغت تكلفة نقل الطن المتري الواحد من روتردام إلى الوجهات الواقعة جنوب كاوب حوالي 150 يورو، أي ما يعادل 171 دولاراً، وهو مستوى قياسي، مقارنة بحوالي 20 يورو للطن في الظروف العادية.

أما الخيار الثاني فيتمثل في نقل البضائع عبر السكك الحديدية، إلا أن هذا الخيار يواجه مشكلة أخرى، حيث تجري ألمانيا حالياً أعمال تحديث لخط سكك حديدية يمتد بمحاذاة النهر خلال فصل الصيف، ويشمل الجزء المتأثر من الخط، الممتد من ترويسدورف إلى فيسبادن، منطقة الاختناق في كاوب، ومن غير المقرر إعادة فتح هذا الخط قبل ديسمبر. ورغم وجود خطوط سكك حديدية بديلة، فإن استخدامها يتطلب إعادة توجيه مسارات النقل بشكل كبير، مما يزيد التكاليف والوقت ويقلل الطاقة الاستيعابية.

ويبقى الخيار الأخير هو الشاحنات، لكنه خيار صعب للغاية، إذ يتطلب استبدال حمولة صندل واحد استخدام ما لا يقل عن 100 شاحنة، ولذلك لا يُستخدم هذا الخيار إلا في الحالات الحرجة. وقد بدأت الشركات الصناعية بالفعل في وضع خطط طوارئ لمواجهة هذه الأزمة، خاصة وأن ضفاف النهر تضم منشآت صناعية عملاقة، من بينها أكبر مصنع للكيماويات في العالم، والذي تديره شركة «باسف» في مدينة لودفيغسهافن، جنوب كاوب، بالإضافة إلى مصانع كبيرة لشركات مثل «دايملر»، و«روبرت بوش»، و«باير»، و«تيسنكروب».

ويرى مسؤولون ألمان أن موجات الجفاف التاريخية التي تضرب نهر الراين، مثل تلك التي حدثت في 2018 وتتكرر هذا العام، أصبحت تشكل نمطاً متكرراً، حيث قد تتكرر كل 10 أو 20 عاماً بدلاً من حدوثها مرة كل 60 عاماً. وبينما ذكّرت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران العالم بأن الممرات المائية معرضة لمخاطر الحروب، فإن أزمة نهر الراين تذكرنا بأن ارتفاع حرارة الأرض يمكن أن يلحق ضرراً مماثلاً بالملاحة النهرية.

أخبار متعلقة