الأربعاء 5 أغسطس 2026 — القاهرة

سبتة... اختبار جديد لزعيم إسباني تعوّد النهوض من الرماد

سبتة... اختبار جديد لزعيم إسباني تعوّد النهوض من الرماد

في حكايات الأساطير القديمة، لا يفنى طائر العنقاء كما تفنى الكائنات الأخرى، بل يلتهمه اللهيب ليتحول إلى جمر، ثم يعود للحياة أقوى وأكثر قدرة على التحليق. وفي مسار التاريخ السياسي، قلّما تجسّدت هذه الصورة في زعيم كما تجسّدت في رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيث. ففي كل مرة ظنّ فيها خصومه أن نهايته السياسية قد حانت، عاد إليهم أقوى مما كان، محوّلًا المحن إلى منافع، ومستثمرًا في تبعاتها بعد أن كادت تقضي عليه. فمنذ إبعاده عن قيادة الحزب الاشتراكي في 2016، مرورًا بعودته المدوية عبر انتخابات القواعد، ثم اعتلائه سدة الحكم في 2018، بدا سانشيث وكأنه يعيد صياغة قواعد البقاء في السلطة داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات الأوروبية تعقيدًا.

واجه الرجل سلسلة من التحديات، كل واحد منها كان قادرًا على إسقاط أي حكومة: أزمة إقليم كتالونيا، وباء كوفيد-19، وانعكاسات الحرب في أوكرانيا، وتصاعد التضخم، والانقسام السياسي الشديد، وملفات فساد طالت أشخاصًا قريبين منه، ثم المواجهة السياسية والدبلوماسية مع حكومة بنيامين نتنياهو بسبب موقف مدريد غير المسبوق من الحرب على غزة، وصولًا إلى التوتر الإقليمي بعد المواجهة مع إيران. ومع كل أزمة، كانت التكهنات تتجدد بأن أيامه في الحكم أصبحت معدودة، لكنه كان يخرج منها ممسكًا بزمام السلطة، بل وأكثر حضورًا وتأثيرًا على الصعيدين الإسباني والأوروبي.

واليوم، يقف سانشيث أمام اختبار يبدو مختلفًا عن كل ما سبقه. فأزمة سبتة ليست مجرد موجة هجرة غير نظامية، بل أزمة تمس الأمن القومي الإسباني، والعلاقة الاستراتيجية مع المغرب، ومستقبل سياسة الهجرة الأوروبية، كما تمنح اليمين الإسباني، وفي مقدمته حزب «فوكس»، فرصة لتوجيه أقسى هجوم سياسي على الحكومة منذ سنوات. وهنا يطرح السؤال نفسه: هل ينجح طائر «العنقاء» الاشتراكي في النهوض مجددًا من تحت الرماد، أم أن سبتة ستكون الأزمة التي يعجز عن تجاوزها؟

في الأول من أكتوبر 2016، بدا أن المسيرة السياسية لبيدرو سانشيث قد بلغت نهايتها. فبعد صراع مرير داخل الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، أُجبر على الاستقالة من منصب الأمين العام، وفقد دعم معظم القيادات التاريخية للحزب، في وقت كانت فيه إسبانيا تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا منذ الأزمة المالية العالمية. فقد كانت البلاد لا تزال تعاني آثار الركود الاقتصادي، وتواجه أزمة سياسية غير مسبوقة بسبب تصاعد النزعة الانفصالية في كتالونيا، بينما كانت تداعيات عقود من الإرهاب الذي مارسته منظمة «إيتا» لا تزال تلقي بظلالها على الحياة السياسية، رغم إعلانها وقف العمل المسلح.

لكن سانشيث رفض أن تكون تلك النهاية. فبدلًا من الانسحاب من الحياة العامة، اختار العودة إلى قواعد الحزب، متنقلًا بسيارته بين المدن والقرى الإسبانية، مستمعًا إلى الأعضاء والناخبين، ومراهنًا على أن شرعيته الحقيقية تأتي من القواعد لا من القيادات التقليدية. وفي مايو 2017، حقق واحدة من أكثر المفاجآت السياسية في تاريخ إسبانيا الحديث، عندما فاز مجددًا بزعامة الحزب الاشتراكي، في عودة شبّهها كثيرون بطائر «العنقاء» الذي ينهض من تحت الرماد.

ولم تمض سوى أشهر قليلة حتى انتقل من مقاعد المعارضة إلى رئاسة الحكومة، إثر نجاحه في حجب الثقة عن حكومة زعيم الحزب الشعبي المحافظ ماريانو راخوي عام 2018. ومنذ ذلك الحين، دخل سانشيث في اختبارات متواصلة لقدرته على الحكم، ليس فقط بالحفاظ على السلطة، بل بإدارة أزمات متلاحقة، وتحقيق نتائج جعلت حتى خصومه يعترفون بأنه أحد أكثر السياسيين الأوروبيين قدرة على البقاء وإعادة بناء موقعه في كل مرة بدا فيه أنه على وشك السقوط.

عندما وصل بيدرو سانشيث إلى رئاسة الحكومة في يونيو 2018، لم يكن يرث مجرد سلطة، بل تركة ثقيلة خلفتها سنوات الأزمة المالية وسياسات التقشف والاستقطاب السياسي. ورغم أن الاقتصاد الإسباني كان قد بدأ يتعافى تدريجيًا، فإن البطالة ظلت من بين الأعلى في أوروبا، بينما كانت الأزمة الكتالونية تهدد وحدة الدولة، والثقة بالمؤسسات تتراجع، في وقت كانت فيه الأحزاب التقليدية تفقد جزءًا كبيرًا من رصيدها الشعبي.

خلال السنوات التالية، راهنت الحكومة الاشتراكية على نموذج مختلف يقوم على توسيع الحماية الاجتماعية، ورفع الحد الأدنى للأجور، وإصلاح سوق العمل، وتعزيز الاستثمار، بدلًا من الاكتفاء بسياسات التقشف. وبين عامي 2018 و2025، ارتفع عدد العاملين إلى أكثر من 22 مليون شخص، وهو أعلى مستوى في تاريخ إسبانيا، فيما تراجع معدل البطالة من نحو 15% إلى قرابة 10%، وهو أدنى مستوى يسجل منذ ما قبل الأزمة المالية العالمية. كما أصبح الاقتصاد الإسباني من أسرع اقتصادات منطقة اليورو نموًا خلال عامي 2023 و2024، متجاوزًا متوسط النمو الأوروبي، ومدعومًا بانتعاش السياحة والاستثمارات وصادرات الخدمات.

ولم تقتصر التحولات على الاقتصاد. فقد تمكنت حكومة سانشيث من احتواء أخطر أزمة سياسية شهدتها البلاد منذ التحول الديمقراطي، عبر استبدال نهج المواجهة مع تيار دعاة استقلال إقليم كتالونيا، بالحوار والعفو عن عدد من قادتها، وهو خيار أثار انقسامًا داخليًا حادًا، لكنه أسهم في تهدئة التوتر وإعادة الأزمة إلى المسار السياسي. كما عززت الحكومة حقوق المرأة، ووسعت سياسات المساواة والحماية الاجتماعية، وأدخلت إصلاحات لتسهيل اندماج المهاجرين وسد احتياجات سوق العمل، انطلاقًا من قناعة بأن الهجرة المنظمة تمثل ضرورة اقتصادية وديموغرافية لإسبانيا، التي تواجه، مثل بقية أوروبا، تحديات الشيخوخة وتراجع معدلات المواليد.

لم تعد الهجرة في أوروبا مجرد قضية إنسانية أو ملف لإدارة الحدود، بل تحولت خلال العقد الأخير إلى القضية الأكثر تأثيرًا في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للقارة. فمنذ موجة اللجوء الكبرى عام 2015، أصبحت الهجرة محورًا رئيسيًا في خطاب اليمين القومي والمتطرف، الذي نجح في تحويلها إلى مقياس للحكم على أداء الحكومات، وربطها بقضايا الأمن والهوية الوطنية والإرهاب والضغوط على الخدمات العامة، وهو ما منحه مكاسب انتخابية متتالية في عدد من الدول الأوروبية.

وقد أسهم هذا الخطاب في صعود قوى اليمين إلى السلطة أو تعزيز حضورها في أكثر من دولة. ففي إيطاليا قادت جورجيا ميلوني تحالفًا أوصلها إلى رئاسة الحكومة مستندًا إلى برنامج متشدد في الهجرة، وفي هولندا تصدر جيرت فيلدرز الانتخابات بخطاب مشابه، بينما عزز حزب «البديل من أجل ألمانيا» موقعه في المشهد السياسي الألماني، وواصلت مارين لوبان ترسيخ مكانة اليمين القومي في فرنسا حتى بات منافسًا دائمًا على السلطة.

وسط هذا المشهد، سلكت حكومة بيدرو سانشيث طريقًا مختلفًا. فهي لم تتبنَّ سياسة «الباب المفتوح» التي ارتبطت بالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال أزمة اللاجئين القادمين من سوريا وغيرها من منطقة الشرق الأوسط بسبب الصراعات، كما لم تنجرّ إلى خطاب اليمين القائم على تجريم الهجرة أو تصويرها باعتبارها الخطر الأكبر الذي يهدد الدولة الوطنية. وبدلًا من ذلك، سعت إلى الموازنة بين حماية الحدود، وتوسيع قنوات الهجرة النظامية، وتسوية أوضاع مئات الآلاف من العمال الأجانب، وتعزيز سياسات الإدماج، بالتوازي مع تعاون وثيق مع المغرب والاتحاد الأوروبي لمكافحة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر.

وانطلقت هذه المقاربة من إدراك أن إسبانيا، شأنها شأن معظم الدول الأوروبية، تواجه تحديات ديموغرافية تتمثل في شيخوخة السكان وتراجع معدلات المواليد، وما يترتب على ذلك من نقص في اليد العاملة في قطاعات حيوية. لذلك نظرت الحكومة إلى الهجرة المنظمة بوصفها جزءًا من الحل الاقتصادي، لا مجرد تحدٍ أمني.

غير أن هذا التوازن ظل هشًا، لأن أي موجة هجرة واسعة كانت كفيلة بإعادة الملف إلى صدارة المشهد السياسي، ومنح اليمين فرصة لتجديد هجومه على الحكومة. ومن هنا جاءت أزمة سبتة لتجمع في لحظة واحدة كل عناصر الصراع: الأمن والسيادة والعلاقة مع المغرب، وسياسة الهجرة الأوروبية، والمواجهة المحتدمة بين المشروع التقدمي الذي يمثله سانشيث والخطاب القومي الذي يتبناه اليمين المتطرف. ولم تعد الأزمة مجرد اختبار لقدرة الحكومة على ضبط الحدود، بل اختبارًا لقدرتها على الدفاع عن النموذج السياسي الذي تبنته طوال سنوات حكمها.

لم يقتصر تميز حكومة بيدرو سانشيث على إدارة الملفات الداخلية، بل امتد إلى إعادة صياغة الدور الإسباني في السياسة الدولية. فمنذ وصوله إلى الحكم، سعت مدريد إلى استعادة حضورها الدبلوماسي بوصفها قوة متوسطة قادرة على التأثير في قضايا البحر المتوسط والشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية، مع تبني سياسة خارجية أكثر استقلالًا داخل الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي.

وبرز هذا التوجه بوضوح في العلاقة مع الولايات المتحدة، ولا سيما خلال عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض. فبينما ضغطت واشنطن على حلفائها الأوروبيين لزيادة الإنفاق العسكري وتبني مواقف أكثر تشددًا في عدد من الملفات الدولية، تمسك سانشيث بإعطاء الأولوية للإنفاق الاجتماعي والاستثمار في النمو الاقتصادي، رافضًا أن تتحول موازنات الدفاع إلى بديل عن دولة الرفاه. وقد أدى ذلك إلى توترات سياسية متكررة بين مدريد وواشنطن، وأظهر إسبانيا باعتبارها واحدة من أقل الحكومات الأوروبية استعدادًا للانخراط في منطق التصعيد العسكري.

وفي الشرق الأوسط، اتخذت حكومة سانشيث مواقف غير مألوفة في السياق الأوروبي. فقد كانت من أوائل الحكومات الغربية التي رفعت سقف انتقاداتها للحرب الإسرائيلية على غزة، كما اعترفت رسميًا بالدولة الفلسطينية، وطالبت باحترام القانون الدولي ووقف العمليات العسكرية، ما أدخلها في مواجهة سياسية ودبلوماسية مفتوحة مع حكومة بنيامين نتنياهو المتطرفة. كما دعت إلى احتواء المواجهة مع إيران عبر الحلول الدبلوماسية، محذرة من أن توسيع رقعة الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

هذه المواقف منحت إسبانيا حضورًا لافتًا في العالم العربي، حيث حظيت بإشادة واسعة في وسائل الإعلام والرأي العام، كما عززت صورة سانشيث داخل الأوساط التقدمية واليسارية في أوروبا باعتباره أحد أبرز الأصوات الداعية إلى تغليب القانون الدولي والحلول السياسية على منطق القوة. لكنها، في المقابل، جعلته هدفًا لانتقادات متواصلة من اليمين الإسباني، ومن بعض الأوساط المحافظة في أوروبا والولايات المتحدة، التي رأت في سياساته ابتعادًا عن التوافق الغربي التقليدي في قضايا الأمن والدفاع.

ومن هنا، جاءت أزمة سبتة في لحظة بالغة الحساسية. فلم تكن الحكومة تواجه تحديًا حدوديًا فحسب، بل كانت تخوض في الوقت نفسه مواجهة سياسية داخلية مع معارضة تتهمها باللين في ملفات الهجرة، وضغوطًا خارجية بسبب مواقفها من غزة وإيران، وتباينات مع إدارة ترامب بشأن أولويات الأمن الأوروبي. ولذلك، لم تعد سبتة مجرد أزمة محلية، بل تحولت إلى اختبار لقدرة سانشيث على الحفاظ على توازن مشروعه السياسي في الداخل والخارج معًا.

ورغم أن أزمة سبتة وفّرت مادة سياسية دسمة لخصوم الحكومة التقدمية الاشتراكية، الذين سارع بعضهم إلى تحميل المغرب مسؤولية ما جرى والمطالبة باتخاذ مواقف أكثر تشددًا تجاه الرباط، فإن سانشيث اختار مسارًا مختلفًا. فمنذ الساعات الأولى، تجنب توجيه اتهامات مباشرة إلى المغرب، ورفض الانجرار إلى خطاب التصعيد الذي روّج له اليمين، مؤكدًا أن ما حدث يرتبط أساسًا باستغلال شبكات تهريب البشر للوضع القائم ونشرها معلومات مضللة شجعت آلاف المهاجرين على محاولة العبور.

وفي أكثر من مناسبة، شدد رئيس الحكومة الإسبانية على أن المغرب يظل شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه في إدارة ملف الهجرة، وأن التعاون الأمني بين البلدين كان، ولا يزال، عنصرًا أساسيًا في الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية ومكافحة شبكات الاتجار بالبشر. كما أشاد بسرعة التنسيق بين سلطات البلدين، التي أسهمت في إعادة عشرات الآلاف من المهاجرين خلال أيام قليلة، معتبرًا أن مواجهة مثل هذه الأزمات لا يمكن أن تتم عبر تبادل الاتهامات، وإنما من خلال تعزيز التعاون الثنائي والتنسيق مع الاتحاد الأوروبي.

ولم يكن هذا الموقف وليد الأزمة، بل امتدادًا للمسار الذي انتهجته حكومة سانشيث منذ طي الخلاف الدبلوماسي مع الرباط عام 2022، عندما اختارت مدريد إعادة بناء الثقة مع المغرب انطلاقًا من قناعة بأن أمن البلدين واستقرارهما مترابطان، وأن قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة لا يمكن إدارتها إلا في إطار شراكة استراتيجية، مهما بلغت حدة الخلافات السياسية.

ولهذا، بدا سانشيث حريصًا على ألا تتحول أزمة سبتة إلى أزمة دبلوماسية مع المغرب، رغم الضغوط الداخلية الهائلة. ففي الوقت الذي كان فيه اليمين يسعى إلى تصوير ما جرى باعتباره فشلًا للحكومة أو نتيجة مباشرة لسياستها تجاه الرباط، تمسك رئيس الحكومة الاشتراكي بخطاب يدعو إلى التهدئة، ويُحمّل المسؤولية لشبكات الاتجار بالبشر، ويؤكد أن الحل لا يكمن في التصعيد، بل في تعميق التعاون مع الجار الجنوبي والاتحاد الأوروبي.

لا تزال الأيام الأولى لأزمة سبتة تجعل من المبكر الجزم بمآلاتها السياسية. فالسيناريو الأول يتمثل في أن ينجح بيدرو سانشيث، كما فعل في محطات سابقة، في احتواء الأزمة عبر تعزيز التعاون مع المغرب والاتحاد الأوروبي، وتجفيف منابع الهجرة غير النظامية، وتحويل التحدي إلى فرصة لإعادة صياغة سياسة أوروبية أكثر توازنًا تجاه الهجرة والحدود الجنوبية. وإذا تحقق ذلك، فسيضيف انتصارًا جديدًا إلى سجل سياسي حافل بالأزمات التي خرج منها أكثر قوة، وسيؤكد مرة أخرى قدرته الاستثنائية على تحويل لحظات الضعف إلى مصادر جديدة للشرعية السياسية.

أما السيناريو الآخر، فيقوم على أن تتحول سبتة إلى نقطة تحول في المشهد السياسي الإسباني إذا طال أمد الأزمة، أو تجددت موجات الهجرة، أو تراجعت الثقة الشعبية في قدرة الحكومة على حماية الحدود. عندئذٍ قد يجد اليمين، وفي مقدمته حزب «فوكس»، الفرصة التي انتظرها طويلًا لتحويل ملف الهجرة إلى محور الانتخابات المقبلة، مستفيدًا من موجة أوروبية أوسع أعادت الهجرة إلى صدارة النقاش السياسي في القارة.

لكن تجربة العقد الماضي تدعو إلى قدر من الحذر قبل إعلان النهاية. فمنذ إقصائه من قيادة الحزب الاشتراكي عام 2016، كُتب أكثر من مرة أن المسيرة السياسية لبيدرو سانشيث قد انتهت؛ بعد أزمة كتالونيا، وخلال جائحة كوفيد، ومع تداعيات الحرب في أوكرانيا، وفي خضم قضايا الفساد، ثم إثر مواقفه من الحرب على غزة وخلافاته مع إدارة ترامب وبعض شركائه في حلف شمال الأطلسي. وفي كل مرة، بدا وكأن الرجل يقترب من السقوط، لكنه كان يجد طريقًا جديدًا للعودة.

ولعل هذا ما يجعل أزمة سبتة مختلفة، لكنها ليست بالضرورة حاسمة. فهي لا تختبر فقط قدرة رئيس الحكومة على إدارة الحدود، بل تختبر أيضًا مستقبل نموذج سياسي حاول، طوال سنوات، أن يوازن بين الأمن والإنسانية، وبين المصالح الوطنية والتعاون مع الجوار، وبين الانتماء إلى الغرب والتمسك باستقلالية القرار السياسي.

في الأساطير، لا ينجو طائر العنقاء لأنه يتجنب النار، بل لأنه يعبرها. ويبقى السؤال مفتوحًا: هل ستكون سبتة حريقًا جديدًا يعيد ميلاد بيدرو سانشيث للمرة الأخيرة، أم أنها النار التي ستطوي واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في إسبانيا الديمقراطية؟

أخبار متعلقة