الحكومة تعمل ضد "الرئيس"

الثلاثاء , 18 أكتوبر 2016 ,12:23 م , 12:23 م



رغم كل الجهود التي يبذلها الرئيس عبدالفتاح السيسي لإصلاح الاقتصاد وعلاج أخطاء وأوزار الحكومة، إلا أن الأخيرة تبدو لعامة الشعب انها تعمل ضد الرئيس، كما تبدو وكأنها تعمل في جزر منعزلة، أو تغرد وحدها خارج السرب، بعيدًا من رؤية وأهداف الرئيس.

ففي الوقت الذي يطالب فيه السيسي برفع المعاناة عن الشعب إلا أن الأجهزة الرقابية للحكومة لا  تتحرك ولا تتابع وتترك المافيا تتحكم في الاسواق، فلا تعاقب تاجرا جشعا ولا محتكرا ولا حتي تدعم أي حملات إعلامية أو اجتماعية أو  اليكترونية تستهدف خفض الأسعار.

ورغم الضجيج الاعلامي الذي واكب مبادرة الشعب  يأمر، إلا أن الحكومة لم  تتفاعل معها بالشكل المطلوب علي أرض الواقع، واكتفت بتصعيدها اعلاميا الأمر الذي جعلها  تشبه «الأوكازيونات»  السنوية التي  اعتاد عليها الشعب المصري في المواسم والأعياد.

فلصالح من تعمل الحكومة ضد الرئيس، وهل آن الأوان لتغيير رئيسها وأعضائها الفاشلين بعد أن أصبح ارتفاع الأسعار لغزا كبيرا عجز الشعب عن معرفة مبرر واحد سليم لقفزها بهذا الشكل المجنون؟!
 
الأسعار فى مصر لغز كبير عجز الجميع عن حله، ترتفع كل يوم دون سبب، وفجأة يدعو أحد المسئولين أو الإعلاميين لتخفيضها فتنخفض، فبعد معاناة لأشهر طويلة منها ضج المصريون خلالها بالشكوى كل يوم ولا مجيب، فجأة دعا الإعلامى عمرو أديب إلى مبادرة اختار لها اسم «الشعب يأمر»، لتخفيض الأسعار، شاركت فيها حوالى 30 شركة إنتاجية وسلسلة تجارية لتنخفض أسعار بعض السلع لما يتراوح بين 20% إلى 25%، بعد أن كانت أسعار هذه المنتجات قد شهدت ارتفاعًا كبيرًا خلال الفترة الماضية، وأصبحت التساؤلات تدور فى أذهان الجميع: هل هذه الشركات والسلاسل التجارية قررت أن تخسر قيمة هذا التخفيض، أم أن الارتفاع السابق فى الأسعار كان مبالغًا فيه، أم أن السوق المصرى يحتاج لضبط ايقاع لحماية الشعب المصرى من الاستغلال؟

لا حديث للشارع المصرى سوى مبادرة «الشعب يأمر» التى أدت لانخفاض الأسعار فى بعض المحال التجارية بنسبة 20%، ورغم ان المبادرة لم تطبق فى كل مكان، ولم يشعر بها الكثير من المصريين، إلا أن الحديث لا يتوقف عنها فى وسائل التواصل الاجتماعى، حيث حقق «هاشتاج الشعب يأمر» أعلى عدد متابعين على «تويتر»، ولا حديث لـ«الفيس بوك» سوى عنها، ما بين مؤيد للمبادرة على اعتبار أنها حققت انخفاضًا ولو بسيطًا فى أسعار بعض السلع بعد أن كانت قد ارتفعت خلال الفترة الماضية بشكل كبير، وما بين معارض لها حيث أكد البعض أن ما حدث ما هو إلا خدعة حيث إن أسعار السلع كانت قد شهدت ارتفاعًا غير مبرر فى الفترة السابقة، وهذا التخفيض ما هو إلا لعبة للشركات لتحقيق نسبة مبيعات أكبر.

وبغض النظر عن آراء المؤيدين والمعارضين، فالحقيقية الثابتة أن هناك بعض السلع قد انخفضت أسعارها بنسبة معينة من خلال المبادرة، وهو ما يعنى أن الشركات يمكنها تخفيض الأسعار فلماذا لا يتم هذا باستمرار ودون مبادرات، خاصة أن هذه التجربة قد تكررت من قبل حينما أعلن خالد حنفى وزير التموين السابق عن حملة مشابهة فى العام الماضى لتخفيض الأسعار بنفس النسبة (20%) فى المجمعات الاستهلاكية وشارك فيها عدد من السلاسل الغذائية أيضًا، وما هى إلا أيام قليلة حتى عادت الأسعار لنفس معدلاتها، بل إن الأشهر القليلة الماضية شهدت ارتفاعًا كبيرًا فى أسعار كافة السلع وصل إلى معدلات غير مسبوقة، وأرجع البعض السبب فى ذلك إلى أزمة اختفاء الدولار من البنوك وارتفاع سعره فى السوق السوداء ليصل إلى 15 جنيهًا، بالإضافة إلى رفع قيمة الجمارك على عدد من الواردات منذ عدة أشهر، وتطبيق ضريبة القيمة المضافة، وفى ظل هذا الارتفاع الرهيب فى الأسعار جاءت المبادرة الثانية التى أطلقها عمرو أديب فى برنامجه «كل يوم» لتبدأ بعض الشركات والسلاسل التجارية الكبرى فى تخفيض الأسعار، فهل الأمر يحتاج لمبادرة لتنخفض الأسعار أم أن هناك مبالغة فى الأسعار فى مصر، لذلك فلا ضابط لها ومن ثم ترتفع وتنخفض حسب أهواء التجار والمنتجين؟

 تجيب عن هذه التساؤلات الدكتورة سعاد الديب رئيس الاتحاد النوعى لجمعيات حماية المستهلك، مشيرة إلى أنه لا توجد آلية للسيطرة على الأسعار فى مصر، فالدولة ليس لها دور فى تحديد الأسعار، انما الأمر متروك فى يد القطاع الخاص الذى أصبح هو المتحكم الوحيد فى الأسعار، فمنذ سنوات طويلة والدولة تعتمد على عدد محدود من المستوردين لتغطية احتياجات السوق من معظم السلع، ولذلك فمع ارتفاع أسعار الدولار ومنع استيراد سلع بعينها أصبح المعروض من السلع قليلاً، ولذلك لجأ التجار إلى رفع الأسعار، وبما أنه لا توجد تسعيرة لأى سلعة أصبح كل شخص يبيع بالسعر الذى يحلو له، ولذلك تلقى هذه المبادرات مشاركة لأن هامش الربح تحدده كل شركة أو بائع بالكيفية التى تحلو له، ومن ثم ترتفع الأسعار ثم تنخفض ثم تعود للارتفاع دون أى ضوابط.

وتطالب الدكتورة سعاد بضرورة وجود أسعار استرشادية تعتمد على تكلفة الانتاج مع وضع هامش ربح لتجار الجملة والتجزئة دون مبالغة، وهذا هو دور الدولة بعدها يمكن للجهات الرقابية سواء كانت حكومية كجهاز حماية المستهلك ومفتشى التموين أو أهلية كجمعيات حماية المستهلك أن تقوم بدورها فى مراقبة الأسواق لحماية الشعب المصرى من الاستغلال، وأكدت ضرورة وضع استراتيجية لزيادة الإنتاج وفتح مجالات جديدة للاستثمار فى المجالات التى يحتاجها المواطن المصرى، وتحسين المنتج المصرى ومنع الممارسات الاحتكارية فهذه الوسائل جميعًا من شأنها انخفاض الأسعار وضمان ثباتها دون الحاجة لمبادرات إعلامية أو حكومية.

تعليمات الرئيس لم تنفذ
منذ توليه المسئولية تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى مرارًا مطالبًا الحكومة بالتدخل لرفع المعاناة عن الشعب المصرى، مؤكد أن الشعب المصرى يريد من يحنو عليه، ومع ذلك فقد عجزت كل الحكومات عن منحه هذه الحنية ورفع المعاناة عنه، بل تركته فريسة لغول الأسعار الذى طال كل شيء، حتى زادت معاناة الشعب المصرى وشعر أن الدولة بكل أجهزتها تركته فريسة سهلة لهذا الغول الذى يفتك به يوميًا، فوزارة التموين التى اتخذت من كلمات «حماية، رقابة، تنمية» شعارًا لها لم تفلح بكل أجهزتها فى توفير الحماية للشعب المصرى من الأسعار والتجار الذين يتلاعبون بقوته، كذلك لم تستطع أن تفرض الرقابة الكاملة على السوق الذى أصبح مرتعًا لكل من يريد أن يحقق الثراء السريع من التجار والمنتجين، وحتى جهاز حماية المستهلك التابع لها لم يقم بدوره، إلا أن اللواء عاطف يعقوب رئيس الجهاز كان له رأى آخر، ففى بداية حديثه لـ«الوفد» أشار إلى وجود تلاعب فى الأسعار من بعض التجار، ولذلك تم عقد اجتماع ضم ممثلين من الجهاز ووزارات التموين والصناعة وشركات تجارة الجملة والتجزئة لضبط السوق، وتم عمل خطة طويلة الأجل وأخرى قصيرة الأجل لمنع تسرب السلع التموينية ومتابعتها منذ خروجها من منافذ الشركات وحتى وصولها لأيدى المستهلكين، على أن يقوم مفتشو الجهاز بمتابعة عمليات التوزيع داخل منافذ البيع نفسها، كما سيتم تشكيل حملات مشتركة من التموين والجهاز لضمان عدم التلاعب فى الأسعار.

وأكد أن الرئيس السيسى حينما أكد فى خطابه أنه سيتم السيطرة على الأسعار خلال شهرين فإن هذا أصبح خطة عمل ستبدأ كل الجهات المعنية فى تنفيذها فورًا حتى يمكن السيطرة على الأسعار خلال هذه الفترة.
 
فى مصر فن رفيع أبدع فيه البعض وباقى الشعب يدفع ثمنه كل يوم، ألا وهو فن صناعة الأزمات، فكل يوم تطالعنا ازمة تخنق الشعب المصرى، يكتوى بنارها أيامًا وشهورًا، وفى كل مرة تكتفى الحكومة بالجلوس فى مقاعد المتفرجين تشاهد حرب تكسير العظام بين شعب أعزل فقير لا يملك سوى الصبر، وبين عدد من التجار والمستوردين الذين يستعرضون عضلاتهم فى طحن الشعب المصرى تحت عجلة الأزمات المستمرة، فبين أزمات الخبز إلى أنابيب الغاز إلى الأرز ثم الزيت وأخيرا السكر يعيش الشعب المصرى، تنتقل به الأيام من أزمة إلى أخرى، وبمجرد انتهاء واحدة تبدأ الأخرى وكأنهم يعيشونها مواسم والحكومة تقف عاجزة لا تستطيع ان تفعل شيئًا.

الواقع يؤكد أن المصريين دائمًا يعيشون فى أزمات، فما أن انتهت أزمة الخبز التى راح ضحيتها عشرات المواطنين خلال الفترة من عام 2010 وحتى عام 2014 بتطبيق منظومة الخبز الجديدة، التى قضت على الطوابير والمشاجرات التى كانت تصل لحد القتل، حتى ظهرت ازمات اخرى أشد فتكًا، مثل أزمة انابيب البوتجاز التى تظهر كل فترة والتى يصل فيها سعر الأنبوبة إلى 50 و70 جنيهًا فى بعض المحافظات، فى حين تختفى الأنابيب التى تباع بالسعر الرسمى البالغ 8 جنيهات داخل المستودعات، ويعانى سكان المحافظات سواء فى الوجه القبلى أو البحرى من هذه الأزمة كل فترة، فرغم انها كانت مرتبطة بفصل الشتاء دائمًا إلا أنها كثيرا ما تظهر الآن فى باقى فصول السنة ولا يوجد لها سبب واضح.

 كذلك تشهد البلاد الآن ازمة طاحنة فى السكر حتى وصل سعره إلى 9 جنيهات للكيلو، ولا احد يعرف السبب فحتى أيام قليلة مضت كانت تصريحات وزارة التموين تؤكد على توافر مخزون من السكر يكفى لـ6 أشهر، وفجأة ظهرت الأزمة رغم أن انتاج مصر من السكر يقدر ب 2. 2 مليون طن تغطى حوالى 77% من الاستهلاك المحلى، الذى يقدر ب 3. 1 مليون طن، أى أن الفجوة فى الاستهلاك تقدر ب 900 ألف طن فقط يتم استيرادها من الخارج، وبغض النظر عن الأسباب التى نشرت فى بعض الصحف من قيام بعض الشركات الحكومية ببيع المخزون الموجود لديها لتوفير سيولة نقدية، أو الاحتكار او ارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه فكل هذه الأسباب تؤكد أن الحكومة فى ازمة أكبر لأنها لم تدرس تداعيات المشاكل التى تحيط بها.

كذلك فقد شهدت الأسواق أزمة مماثلة منذ عدة اشهر حينما اختفى الأرز من الأسواق وقلت الكميات المعروضة حتى وصل سعره إلى 10 جنيهات للكيلو، وقتها أرجع البعض الأسباب إلى فتح باب التصدير خاصة ان الانتاج المحلى من الأرز يكفى الاستهلاك ويفيض، حيث تنتج مصر 4.4 مليون طن أرز، فى حين أنها تستهلك حوالى 3 ملايين طن سنويا، وفائض الانتاج يقدر بـ 30% إلا أن الحكومة تفتح باب التصدير حتى يقل المعروض فى السوق فتلجأ لإجراء غريب بفتح باب الاستيراد لصالح هيئة السلع التموينية لتغطية احتياجات البطاقات التموينية البالغ عددها 20 مليون بطاقة، أى اننا نصدر الأرز المصرى الممتاز لنستورد أرز أقل من المستوى من الهند والفلبين لحل أزمة مفتعلة فى سلعة يغطى انتاجها الاستهلاك المحلى ويفيض!!
أما أزمات الزيوت فحدث ولا حرج ففى دولة تستورد 95% من استهلاكها من الزيوت لابد أن تحدث أزمات خاصة أن الحكومة لا تتحرك إلا بعد وقوع الأزمة، وتؤكد الإحصاءات أن مصر تستورد 1.8 مليون طن من الزيوت سنويا ولا تنتج إلا 150 ألف طن فقط تمثل 5% فقط من استهلاكها، خاصة بعد انهيار زراعة القطن، لذلك تشهد الأسواق أزمات متتالية فى الزيوت بالاضافة غلى الارتفاع المستمر فى أسعارها نتيجة ارتفاع أسعار الدولار.

أما الأزمة التى ستشهدها البلاد خلال الأيام القادمة فهى ازمة المواد البترولية التى بدأ التلميح إليها من خلال الحديث عن وقف شركة أرامكو السعودية إمداداتها لمصر خلال شهر اكتوبر الجارى، ورغم تأكيدات حمدى عبدالعزيز المتحدث باسم وزارة البترول أن هذا التوقف لن يحدث أزمة فى السوق المصرى وأن الوزارة لجأت لدول أخرى للاستيراد منها لتوفير احتياجات مصر من المواد البترولية، إلا أنه من المتوقع ان يختلق المستفيدون أزمة فى حين ستقف الحكومة كعادتها متفرجة لا تحرك ساكنًا.

جدير بالذكر أن مصر تستهلك حوالى 72 مليون طن من المواد البترولية سنويا تستورد منها ما يعادل 35% إلى 40%، حيث تستورد 500 ألف طن سولار شهريا، و160 الف طن بنزين، و220 ألف طن مازوت، وقد شهدت مصر عدة أزمات فى المواد البترولية منذ ثورة 25 يناير وحتى الآن، وكان تهريب السولار هو السبب الرئيسى فى معظمها وما أن استقرت الأسواق حتى جاءت مشكلة الشركة السعودية لتمنح للمتلاعبين فرصة لخلق أزمة جديدة فى هذا المجال.

هذه الأزمات وتواليها بهذا الشكل أكد أن هناك خلل فى أداء الحكومات فى مصر، وهو ما أكده الدكتور جودة عبدالخالق أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق والذى أشار إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن فى غياب الحكومة، ففى بلد لا توجد فيه حكومة فمنطقى أن تتوالى الأزمات عليها بهذا الشكل، فالحكومة موجودة بالسم ولكنها لا تفعل شيئا ولا تستفيد من أخطائها، فدائما عمل الحكومة ينحصر فى عقد اجتماعات والخروج بقرارات على الورق لا تنفذ، وبالتالى لا يحدث شيء، وطالب عبدالخالق بضرورة تغيير الحكومة الفاشلة التى فشلت فى علاج كل أزمات مصرفى كل المجالات.

بينما تطالب الدكتورة ابتهال يوسف مستشارة التنمية البشرية بضرورة وجود وزارة لادارة الأزمات فى مصر، فتكرار الأزمات بهذا الشكل يؤكد أن كل شيء فى مصر يسير «بالقدرة « لا يوجد تخطيط ولا فكر فى ادارة أى أزمة، وهذا ناتج عن عدم وجود متخصصين فى الحكومة لعلاج الأزمات، لذلك فبعد تكرار الأزمات بهذا الشكل لابد من وزارة أو على الأقل لجنة لإدارة الأزمات المختلفة التى تحدث كل يوم، يكون دورها دراسة أسباب الأزمة وكيفية حلها ودراسة القرارات التى سبق اتخاذها وهل هى مفيدة فى مواجهة الأزمة ام لا، على أن تقوم الوزارة أو اللجنة بوضع خطط لمواجهة الأزمات الأخرى التى قد تحدث فى المستقبل.

المصدر | الوفد

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية