العالم السري للشيعة في النجف وكربلاء

الإثنين , 3 أكتوبر 2016 ,3:16 ص , 3:16 ص



ماذا لو أتيحت لك فرصة للذهاب إلى العراق الآن؟ قد تنتابك المخاوف والظنون، وقد تواجه بالعديد من الاتهامات. أنا لم أشغل بالى بذلك، عندما تلقيت دعوة لحضور مهرجان الغدير الإعلامى بمدينة النجف كل ما دار بعقلى هو المغامرة، دخول العراق ومعايشة الخطر الذى نراه على شاشات التلفاز، أن أزور المدينة التى تعد قبلة الشيعة، وأتعرف على ثقافتهم حيث لا مجال لأى نوع من أنواع التقية، لم يكن أمامى كثير من الوقت للتفكير، وسريعا بدأت الرحلة التى رغم مدتها القصيرة، إلا أنها كانت حافلة بالأحداث التى لا تخلو من دلالة وبسردها نستطيع تكوين صورة كاملة واضحة عن واقع العراق الآن. 



العالم السري للشيعة
هنا النجف الأشرف
خرجنا من مطار بغداد فى اتجاه محافظة النجف، ولمن لا يعرف كثيرا عنها، فهى واحدة من أهم المدن العراقية لوجود مرقد على بن أبى طالب أول الأئمة عند الشيعة ورابع الخلفاء الراشدين عند السنة علاوة على كونها مركزًا للحوزة العلمية الشيعية فى العراق. 
أولى الصدمات التى تلقيناها عند وصولنا للنجف، كانت عدم السماح لأى سيدة من الوفد بالجلوس بجوار السائق حتى نستطيع العبور من على «السيطرات» أو الأكمنة الأمنية على الطريق، ورافقتنا سيارة صغيرة بها مسئول الوفد المصرى.. على «السيطرات» كانت كلمة السر لعبورنا دون تفتيش هى «مصر» بمجرد أن يقال إننا مصريون تفتح المعابر مع وابل من عبارات الترحيب والمحبة.
بعد سويعات قليلة خلدنا فيها للراحة، قرر صديقنا العراقى «كرار» اصطحابنا فى جولة سياحية صغيرة إلى أهم معالم النجف، المدينة أقرب إلى الصور التى ترصد أحوال قرى مصر فى القرن التاسع عشر، من حيث الأبنية والبيوت الفقيرة، قال مرافقنا إن ثمة تغييرًا جذريًا حدث فى المدنية التى كانت مهملة طيلة فترة حكم «صدام حسين» وتعد مقبرة كبيرة لما تحوى من مقابر الكثير من شيعة أهل البيت، بل تعتبر النجف من أكبر مقابر العالم، حيث يطلب شيعة العالم الدفن بها.
ورغم أن فيها مزارات دينية مهمة جدًا كمرقد الإمام على ومرقد الحسين ومرقد مسلم بن عقيل ومرقد التمار بجانب الكوفة ومسجدها الكبير مما يجعلها تعد من أغنى المحافظات العراقية لكن كان يتم إهمالها عمدًا من قبل حكومة صدام.
الآن طرأ علي المدينة تغيير كبير، إذ يتم البناء فيها بشكل كبير خاصة أنها مزار سياحى ودينى مهم للغاية ويزورها ما يقرب من 20 مليون شيعى.
الأراضى مرتفعة الثمن للغاية هنا، فمساحة لا تزيد على 300 متر مربع فقط تتعدى قيمتها ثمانية ملايين دولار أمريكى، أغلب أصحاب الفنادق اشتروا قطعة أو ورثوها ليشيدوا عليها فندقًا، وهم يعرفون جيدا أنهم سيحققون أرباحًا خيالية فى فترة قصيرة، نسبة لعدد زائريها الهائل للأماكن المقدسة. 
مرافقنا أكد لنا أن العراقيين قبل 2005 لم يكونوا يعرفون التفرقة بين المذاهب والطوائف والأعراق، فكلهم عراقيون، وعندما سأل والده ما الفرق بينى وبين السنى قال له هو الفرق بينك وبين إخوتك.
40? من سكان النجف مهجرون من بغداد وأغلبهم سنة، فالسنة لا يخافون العيش بسلام مع الشيعة رغم خوف الشيعة من العيش فى مناطق السنة، فتح أهل النجف بيوتهم لإخوانهم الفارين من جحيم داعش والمنظمات الإرهابية، دون تفرقة.
على جانبى الطريق تنتشر لافتات تحمل كلمة «الكفيل»، وهو ما أثار انتباهنا، قال «كرار» إن لكل مرقد من المراقد صندوقًا أو صناديق للهبات والعطايا التى يضعها الزائرون للأيتام والفقراء، وتكون رأسمال لعمل مشروعات لتشغيل الفقراء والعاطلين، مثلا «مطعم كفيل الإمام علي»، «كفيل الحسين»، أى أن رأس المال من صناديق الهبات والعطايا التابعة لكل مرقد.
تعتبر النجف من أقل المناطق تعرضًا للإرهاب أو أى أعمال عنف مقارنة ببغداد والموصل، فطيلة العشر سنوات الماضية طالها 4 تفجيرات فقط، تستطيع التحرك فى النجف دون خوف من تفجير أو خطف كما فى بغداد فالبلدة تعيش فى سلام كامل.


العالم السري للشيعة
ضفاف الفرات الحزين
وصلنا نهر الفرات، مساحة كبيرة من الأرض تحد جانبى النهر الحزين، نتيجة الإهمال الذى طاله، استغلت تركيا الحروب التى دخلتها العراق، لتقيم السدود على الأنهار قبل أن تصل الأراضى العراقية مرورا بالخليج العربى، فبدا النهر عجوزا يرفض الجريان، لم نستطع أن نراه من على شاطئه بل اضطررنا إلى عبور نقطة إسعاف موجودة على الشاطئ لنخبره بأننا مصريون نريد أن نأخذ صورا تذكارية مع النهر، فتحت كلمة السر الأبواب أمامنا، لنقف محزونين على باقى النهر الذى نجزم أننا نستطيع رؤية قاعه دون عناء، الصغار يتسلقون الأسوار ليطفئوا لهيب حرارة العراق الواصلة إلى 45 درجة فى شهر سبتمبر، نسبة التلوث فى المياه عالية للغاية لا يستطيع أحد فى بلاد النهرين أن يشرب منها، يشترون زجاجات المياه المعدنية للشراب ولطهو الطعام.
استمرت جولتنا الحرة لنذهب إلى مسجد الكوفة، طلب منا «كرار» أن نضع غطاء للرأس «حجاب» حتى ندخل إلى الساحة، تركنا السيارة مترجلين إلى الساحة المؤدية للمسجد عبر ممر صغير به بعض الباعة يفترشون الأرض، ملابسنا تشى بأننا أغراب وسنة، فالشيعة يعرفون قدسية المدينة ونساؤهم يلبسن العباءات السوداء التى تغطى الرأس حتى لا تصف جسد المرأة «الشادور»، واجهنا أنا وزميلتى نظرات شرسة للغاية من النساء وعبارات الاستعاذة والاستغفار من الرجال، وكأننا فعلنا ما نستحق عليه عقاب السماء الفورى.


العالم السري للشيعة
مرقد الإمام علي 
فى اليوم التالى توجهنا إلى مرقد الإمام على، إجراءات أمنية مشددة، تصاريح كثيرة حتى نستطيع الدخول إلى أقرب مكان بالسيارات، ملابسنا محتشمة بأكمام، ومع ذلك لم نسلم من الهمز واللمز والاستعاذة والاستغفار منا، مررنا من عدة نقاط للتفتيش مع السؤال: لم أتينا؟ وهل هى زيارة خالصة للإمام والمراقد والعتبات المقدسة أم تحمل هدفًا آخر؟، التساؤلات والنظرات المفزعة لنا والتى تحمل تساؤلات عديدة، جعلتنا نصمت مع آخر نقاط التفتيش قبل دخولنا إلى ساحة المسجد.
أعطونا «الشادور» أو العباءة الإسلامية كما يطلقون عليها، مع التقاط كل صورة تذكارية نواجه بالمنع ومحاولات خطف الهواتف من أيدينا، فالتصوير هنا ممنوع تمامًا، فى البداية قالوا لنا كرامة للإمام، وفى النهاية عرفنا أن القائمين على الأضرحة والعتبات المقدسة يبيعون الصور والفيديوهات التى تصور بكاميرات المقام بمبالغ كبيرة.
ساحة كبيرة مغطاة بالسجاجيد الفاخرة، الأبواب مطعمة بالذهب الخالص، الجدران مغطاة بالرخام، الثريات الفخمة تملأ المسجد، فقراء يطلبون من الإمام قضاء حوائجهم، والتى تبدأ بتقبيل أرض الضريح مرورًا بالجدران، وانتهاء بالتعلق بالمقام وهو مصنوع من الذهب الخالص ويمتلئ بالأموال والذهب، من قبل النساء الطامعات فى قضاء حوائجهن.
«تبرع لدعم الحشد الشعبي».. هى العبارة السحرية الحالية لجمع التبرعات من خلال الصناديق التى تملأ المقام، ما يزيد علي الثلاثين صندوقا، ولعلنى لم أتمكن من رؤية الجميع، مقابل صندوق أو اثنين للفقراء والمساكين، أموال طائلة تجمع باسم الإمام والفقراء والأيتام والتى تكاد تقارب ميزانية دولة تذهب لكبار العمائم، ممن يمتلكون المليارات والسيارات والبيوت الفارهة الفخمة، ويتركون الفقراء يتضرعون للإمام لسد جوعهم.


العالم السري للشيعة
نار الطافية
«أنتِ جاية لزيارة الإمام على بس ولا جاية ليه؟» «أنتِ سنية» كان سؤال جواد البائع العراقى، والذى أكد أنه مجرد سؤال ليعرف حقيقة زيارتى للعتبات المقدسة فى النجف، وأكد أنهم لم يعرفوا الفرق بين الشيعى والسنى إلا بعد الاحتلال الأمريكى لبلاده وظل طيلة ثلاثين عامًا هو وجيرانه من السنة بينهم كل الحب والود، حتى جاء أصحاب المصالح إلى سدة الحكم ونشروا الطائفية اللعينة فى البلاد، أعطانى هدية ورقم هاتفه وأوصانى بأن أتصل به إذا احتجت شيئا فى مدينة النجف، وأنه سيكون سعيدًا إذا جاء باقى المصريين لنكون ضيوفه فى الدار، فهو يحب مصر والمصريين كثيرا وصديقه المصرى الذى غادر بعد الاحتلال الأمريكى ما زال يراسله.
فى اليوم التالى بدأت فعاليات المهرجان، والذى شهد تناقضًا من جانب المنظمين. فبعد وصلة من المدح فى مصر الوسطية والأزهر الشريف والتضامن وقلب العروبة النابض، شن هجوم حاد على نقلها لخبر الحج بكربلاء بدلًا من مكة المكرمة ولم يتم نفيه بل هجوم فقط، انتهت الفعاليات وتحركت الوفود إلى المطعم لتناول الغداء، وعندما سألت عن صلاة الجمعة والتى لم تؤد، تعلقت الأنظار بى، ورد أحد المشاركين من جنوب لبنان «نحنا بنصلى الضهر فقط أختي»، أشار إلى البعض بغلق الباب وعدم المناقشة فى مذهبهم الذى ينكر صلاة الجمعة المذكورة فى القرآن الكريم.
حاولنا بعد الغداء أن نقوم بجولة حرة، التعليمات كانت واضحة لا خروج بدون مرافق، ظللنا أغلب الوقت فى الفندق، وكأننا فى معسكر أو رحلة مدرسية نخرج مع المشرفين فقط، فى المساء وبعد صعود الجميع قررنا العصيان والخروج إلى أحد المقاهى القريبة، كانت الساعة اقتربت من الثانية عشرة، ومرت سيارة شرطة تطلب من أصحاب المقهى غلق الأبواب، قلنا له نحن ضيوف وغرباء عن البلدة ونريد الجلوس قليلًا بعد سيل الترحيب بنا وكلمات الحب والترحاب بمصر وأهلها، سمح بفتح المقهى خصيصًا لنا لمدة ساعة إضافية وهو ما يعد مستحيلًا فى النجف.
فى اليوم الثانى للمهرجان الإعلامى نشبت مشادات عنيفة بيننا وبين إدارة المهرجان من أجل إجبارنا على ارتداء الحجاب عقب هجوم عنيف ضدنا وضدهم من قبل بعض الإعلاميين والصحفيين هناك الذين رفعوا شعار «فى غديرك انتهكت مدينتك يا علي» عقب نشر صورنا دون حجاب، وأمام إصرارنا على موقفنا رضخوا أو هكذا فهمنا وانتهى اليوم الثانى من المؤتمر.


العالم السري للشيعة
20 مليون سائح إلى كربلاء شهريا
برنامج الرحلة كان يحمل زيارة لكربلاء، والتى تبعد عن النجف مسافة 90 كيلومترًا يمشيها الزائرون فى عاشوراء على أقدامهم تيمنًا بالسيدة زينب التى مشت من الشام إلى كربلاء لاستلام جثة «الحسين»، وهناك أناس يمشون مسافة 600 كيلومتر من البصرة إلى كربلاء، لزيادة الثواب والتبرك والتقرب من الله.
على جانبى الطريق الكثير من الاستراحات التى شيدها مواطنون عاديون لخدمة زوار الإمام الحسين، الطريق مهمل مليء بالمطبات ولا توجد به إنارة على الإطلاق سوى أضواء «المواكب» كما يطلقون عليها الآتية من بعيد، والمواكب هى المضايف الموجودة على جانبى الطريق لخدمة زوار كربلاء الذين يتعدون العشرين مليون زائر شهريًا، الشعب هو من يقوم بكل شيء حبًا وكرامة للحسين وآل البيت.
شتان بين كربلاء والنجف، المدينة جميلة نظيفة تشبه حى الحسين بالقاهرة من مبانٍ قديمة وأثرية ونظيفة، تهبط إلى قلب المدينة عبر جسر دائرى مزين بالأضواء الجميلة، والتى قيل لنا إنها تتغير إلى الأسود فى ذكرى عاشوراء، حيث تتشح المدينة بالسواد حدادًا على استشهاد الحسين وعترة النبى صلى الله عليه وسلم، على جانبي الطريق إلى مسجد ومرقد الحسين تجد الكثير من الحسينيات وهى أماكن للعلم وللضيافة.
قبل تحركنا إلى كربلاء قررنا ارتداء عباءات سوداء حتى لا نرى نظرات الاستهجان مرة أخرى، وكى لا نظهر كغرباء ولكن هيهات، بعض الكلمات تشى بكوننا مصريات فينقسم الوضع بين الترحاب الشديد والتساؤل عن سبب وجودنا هنا، وسط كل الظروف المحيطة ولأننا سنة أى لا يوجد سبب حقيقى يدفعنا للزيارة، نجيب بأننا فى مهمة عمل رسمية وأتينا لرؤية العتبات المقدسة.
نقاط تفتيش كثيرة ومشادات من أجل إجبارنا على لبس «الشادور». لم نلق لها بالًا، وعبرنا النقاط حتى وصلنا إلى باب الدخول، أخبرنا الواقف أننا لن ندخل سوى بها وقبل الدخول فى مشادات قال لنا «عشان خاطر الحسين»، لم تختلف فخامة مقام الحسين عن مقام الإمام على، ولربما زاد عليه اتساعًا، المقام مزين بزخارف مذهبة والأبواب مرصعة بالذهب والأحجار الكريمة، ممرات وساحات من الرخام وفقراء يستغيثون بالإمام وصناديق الحشد الشعبى تتصدر المشهد.
المقام الثانى كان لأبوالفضل العباسي، أو كما يطلق عليه قمر بنى هاشم، الأخ غير الشقيق للإمام الحسين، والذى قطعت أطرافه وقتل أثناء حصار «الحسين» ومحاولة إدخال الماء له، يقولون من يطلب من أبوالفضل فطلبه لا يرد، عند الباب واجهنا أسوأ أشكال التطرف الدينى. فأفراد الأمن رفضوا دخولنا لأننا بدون «جوارب» وسندنس المقام الطاهر، مشادة وصراخ، ولم ندخل، هرع رئيس الطاقم ومجموعة معه حفاة خلفنا يدعوننا للدخول لأننا «مصريات»، وبالتأكيد لا نعرف القواعد، أنهينا الزيارة المشحونة بالتوتر والمشادات فقط، لأننا مختلفون عنهم.
اليوم الختامى للمهرجان تم منع غير المحجبات من الدخول، سلك الطاقم الطريق الأسهل وتحركوا دوننا، حتى لا تحدث مشادات كما هو الحال دائما، حاولنا الوصول إليهم فنحن غرباء ولا نعرف الأماكن بالتحديد، أحد الزملاء قال لنا: الحفل الختامى أوشك على الانتهاء وقربنا على الوصول ابقوا فى الفندق.
عند وصول الوفود فهمنا أنه تم غلق أجنحتنا بالمهرجان، وكانت هناك تعليمات صادرة لنا بالمنع من الدخول لأننا «سافرات» وتم تسليم الجوائز وشهادات التكريم لزملائنا الرجال، وجمعنا أغراضنا للتحرك إلى بغداد حيث سنبيت ليلتنا لنغادر إلى القاهرة فى الصباح، طيلة 4 أيام لم نفلح فى الخروج من النجف، حاولنا مرارًا ولكن التعليمات صارمة لا للذهاب إلى العاصمة، وحتى قبل تحركنا بعدة دقائق من الموعد المحدد لنا، تم إلغاؤه لولا إصرارنا على الذهاب وقيل لنا ستكون الزيارة على مسئوليتكم الشخصية.

المصدر | البوابة نيوز

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية