لافتة بسيطة في البدايات «مصرية» أحياناً ومضحكة في زمن أقرب إلينا

Saturday , 1 أكتوبر 2016 ,4:00 م , 4:00 م



نعم يوجد في المغرب سينما جمهور، وكانت هذه السينما موجودة منذ البداية في شكل جنيني، ثم تذبذب حضورها من سنة ?خرى لتنحصر في انتاجات معينة لمخرجين معينين. ولم تكن كلها رديئة و? سيئة وإن بدت تبسيطية التناول ساذجته أحياناً. هي مسألة بضعة أفلام تكاثر عددها على مدى سنوات. وكان أصحابها يراهنون ولا يزالون، على فرضها، وإن في شكل غير مباشر وأحياناً غير واع، في كل مرة على تأسيسها كتيار عماده خلق صناعة حرفية من دون خلفية إيديولوجية و? أفق رسالي يرتكز على الخطاب والتعبير. لكنها لم تحظ قط بالحضور المستمر الملفت كما بالقبول النقدي. والملاحظ أنها بدأت في ذات الفترة التي شرعت فيها السينما المغربية تبدع أفلاماً ملفتة بخطابها وتوجهها الفني والسجالي الغارق في الهمّ العام والانخراط في سؤال الوجود من وجهة نظر مغربية.

 

الميلودرامي الغنائي

لكن كانت محاو?ت في اختبار قابلية القاعات السينمائية لمنتوجها ومراودة شباك التذاكر بمغازلة الجيوب عبر المعطى الفني الذي يتغيى التسلية. واللافت للنظر أن أول فيلم مغربي منتج وحرفي كان بكل هذه المواصفات، ويتعلق ا?مر بـ «الحياة كفاح» للمخرجين أحمد المسناوي ومحمد التازي، وذلك عام 1968. ويظهر الأمر كما لو أن تلك السينما المغربية قد وجدت نموذجاً سينمائياً جاهزاً ومقبولاً من لدن الشرائح الاجتماعية المكونة لجمهور قاعات العرض المظلمة. فهو فيلم يقلد حرفياً السينما المصرية من حيث إسناد البطولة إلى المطرب الشهير عبد الوهاب الدكالي، ومن حيث الحدوتة الميلودرامية المضمخة بجل توابل العاطفة والدموع. البطل يعيش قصة حب، ويريد تحقيق أمنية ممارسة الغناء بكل حرية. ما أقرب الأمر لما عرف عن أفلام البطولات الشهيرة لكل من فريد الأطرش وعبد الحليم حافظ، على رغم اختلاف الظروف المؤسسة لهذا النوع السينمائي العربي مصرياً، والتي لم تكن تشبه البتة ما كان كانت عليه البيئة الثقافية المغربية بعامة، على رغم وحدة اللغة والتاريخ والجغرافيا. لكن حينها لم يكن السؤال هذا ممكن التحقق.

والحق أن السينما المصرية كانت نموذجاً مطروحاً للنجاح الجماهيري التجاري السينمائي. فإضافة إلى جاذبية عامل الوحدة، يوجد جانب برمجة هذه السينما في القاعات السينمائية في كل المدن المغربية المعروفة وتوافرها على قدر كبير من المتابعة. وأبرز من جرب هذه التوصيفة المشرقية العربية كان المخرج عبدالله المصباحي الذي تربطه بمصر علاقات وطيدة حيث أقام فيها مدة طويلة وربطته بالميدان السينمائي بها مصالح تصوير وإنتاج وتعاون لصيق، لكن في جانبه الجماهيري التجاري الشائع انعكس على منتجه الفيلمي. وهكذا أخرج فيلمه الأول «الصمت اتجاه ممنوع» عام 1973، وقام بدور البطولة فيه المطرب الشهير الثاني والمنافس الفني للمطرب الذي ذكرناه آنفاً، المطرب عبد الهادي بلخياط، وقد شاركت التمثيل فيه شحرورة الغناء المغربية نعيمة سميح. وليس لموضوع الشريط أهمية إلا كحكاية فيلمية من دون رهان فني خاص أو ادعاء ثقافي معين. أما ما يميزه فهو وجود المطربين معاً ما يجعل المشاهد الغنائية منفصلة عن بقية الفيلم عبارة عن وثائق لمرحلة طربية سواء بالنسبة إليهما أو بالنسبة إلى المجال الطربي المغربي في منحاه العصري.

والملاحظات ذاتها يمكننا إيرادها من دون تردد بخصوص أفلام المصباحي اللاحقة مثل شريط «غداً لن تتبدل الأرض» الذي أخرجه عام 1975، وشريط «أين تخبئون الشمس» عام 1978، وفيلم «سأكتب اسمك على الرمال» عام 1980 الذي تلعب فبه المغنية المعروفة سميرة سعيد. وهي أعمال سينمائية وصل بها التأثر بالسينما المصرية حد التحدث بلهجة مصر المعروفة، والتوسل التقني بأستديواتها وفنييها. وهو ما يجعلها أكثر، أفلاماً مصرية من إخراج مغربي وبمشاركة مغربية على مستوى ما يمكن أن يمنحها نجاحاً في البلدين معاً، أي مساهمة المغنين المعروفين في الطرف الأقصى من العالم العربي من جهة والحرفية المصرية من جهة ثانية. وليس في هذا ما يعيب، فسينما عبدالله المصباحي تشكل تجربة فنية لها ما لها وعليها ما عليها، كأي تجربة تحاول أن تؤسس لها انتشاراً ضمن تجارب عديدة أخرى. وما يحسب لها أنها حاولت خلق «صناعة» سينمائية وإن في شكل فردي حالم، بتوظيف معطى وجود سينماتوغرافية راسخة سابقة وموجودة، مع الهدف في خلق الربح المادي بطبيعة الحال. ولم يتمكن هذا الإنتاج السينمائي من «الخلود» والتأثير بفعل منطلقه الذي لم يكن ثقافياً بالأساس، بخاصة أن الحقبة التي ظهر فيها كانت متسمة مغربياً بوجود زخم سياسي وثقافي عنوانه الصراع والتحديث والتقدمية، أي سنوات الثمانينات.

بعد تلك المرحلة لم تظهر إلا محاولات متفرقة غير ذات أهمية، حتى خروج فيلم «دموع الندم» الناجح قبل أواسط الثمانينات. وهو للمخرج وكاتب الكلمات المعروف حسن المفتي. وقد لعب الفيلم في فكرته الإخراجية على النوع المذكور آنفاً وهو الميلودراما الغنائية. لكن حسن المفتي قدم عملاً غنائياً مغربياً خالصاً. وقد استند في إنجاحه على المطرب الرومانسي الشهير المرحوم محمد الحياني. موضوع الشريط يلعب على ذات الحدوتة المبنية على الصراع الفردي نحو تحقق الذات الفنية ضداً على المعوقات العديدة التي يضعها المجتمع غير المتفهم في الطريق. عرف الشريط نجاحاً جماهيرياً كبيراً على رغم بساطته، لكنه لم يخلق له كما كان منتظراً حضوراً فنياً يذكر، إلا ما أتى متعلقاً بتوثيق غنائي لمرور المطرب المعروف، تماماً كما حصل مع أفلام عبدالله المصباحي المذكورة.

 

الاجتماعي الكوميدي

بعد ذلك، لم تعرف السينما المغربية أفلاماً بالسمات ذاتها، بل عرفت في المقابل إنتاج أعمال تراوح ما بين الفيلم الفني المُبْدَع وفق رؤية إخراحية متفردة، وأفلام «عادية»، بعضها لقي قبولاً في قاعات العرض، وبعضها لم ينتج أثراً ذا بال. وما بينهما ظهرت أفلام استغلّت معين الإضحاك والسخرية الخفيفة والنكتة والمفارقة والتقليد للأنواع السينمائية المعروفة، وذاك بهدف خلق الجماهيرية والربح التجاري، عن قصد أو بغيره. وأبرزها وأولها، شريط «البحث عن زوج امرأتي» لمحمد عبد الرحمان التازي، أواسط التسعينات من القرن الماضي، الذي وظف مسألة تزويج الزوجة لشخص آخر بعد الحلف بالطلاق بالثلاثة في قالب فكاهي. ومرة أخرى، لم يخلق الفيلم كظاهرة ناجحة من حيث شباك التذاكر، تياراً جماهيرياً يعتمد ذات المواصفات والاختيارات. ما يؤكد فردانية التجارب السينمائية المغربية المرتبطة أصلاً بالمخرجين والظروف وليس بوجود بيئة انتاجية تتلقف النجاح كي تستثمر فيه بتكرار أسبابه.

لكن المنزع الكوميدي سيختط حيزاً مهماً في الكم الفيلمي منذ سنوات قليلة. وتم تكرار تجارب فيلمية بتواتر ملحوظ عمادها النكتة والضحك. ويلتقي مع التيار الأول الذي ذكرناه في كونه لا يروم أساساً التعبير، بل التسلية وزرع بوادر سينما جماهيرية وتجارية. وفي رأينا يعود نجاحها في جعل الجمهور يجنح إلى القاعات، إلى التأثير الممارس من طرف المسلسلات التلفزيونية ونجاحها في رفع «الأوديما» أو نسبة المتابعة. بخاصة أن العديد من مخرجي هذه الأعمال لهم مشوار تلفزيوني سابق، كممثلين ومخرجين. وهنا لا بد من ذكر، على سبيل المثال لا الحصر، فيلم « الطريق إلى كابول» لإبراهيم الشكيري، وأفلام الكوميدي سعيد الناصيري، كـ «الحمالة» و»مروكي في باريس» و»عبدو عند الموحدين»، ناهيك بـ «كاريان بوليوود» لياسين فنان و «دالاس» لعلي المجبوذ... إلخ. هي أفلام يتكاثر عددها وتحتل ملصقات القاعات السينمائية التي تقاوم كي لا تقفل بفضل مداخيلها. هي سينما أخرى تحاول أن تجد لها موطئ قدم في مشهد يعيش على الدعم العمومي كي يستمر وليس على الإنتاج الخاص، فهل سيمكنها أن تخلق حالة متواصلة؟


المصدر | الحياة

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية