Saturday , 1 أكتوبر 2016 ,3:10 م , 3:10 م
هناك صراع سياسي مفتوح في الغرب، خصوصاً في الولايات المتحدة وأوروبا، بين الأحزاب المعادية للهجرة، التي تدّعي حماية مصالح الأكثرية الثقافية المهيمنة (nativists أي «الأكثريون» إذا صح التعبير)، والليبراليين المتساهلين مع الهجرة، المؤيدين لاختلاط الثقافات ومشاركتها في الحياة السياسية. هذه المواجهة طغت، في الحوار السياسي، على المواجهات السياسية التقليدية العقائدية، خلال الانتخابات القائمة في تلك الدول. فالجدل السياسي في الانتخابات الأوروبية والأميركية، الذي كان يركّز في الماضي على أمور تتعلق بالنظام السياسي، وبالسياسات الاقتصادية والاجتماعية، يركّز اليوم، في شكل رئيسي، على قضايا الهجرة، وذلك بالنسبة إلى الأحزاب اليمينية واليسارية، من محافظين ووسطيين وشيوعيين، وهو يزداد عنصريةً مع ازدياد شعبية الأحزاب «الأكثرية».
الأحزاب المناوئة للهجرة تختلف عن بعضها الآخر في شيء واحد على الأقل: الفئة غير المرغوب في هجرتها إلى البلد. فبالنسبة إلى دول أوروبا القارّية، هجرة المسلمين من الشرق الأوسط هي الخطر الأكبر. يصف فيكتور أوربان، رئيس وزراء هنغاريا مثلاً، المليون مهاجر مسلم بـ «جحافل تهدد الطبيعة المسيحية لأوروبا» البالغ عدد سكانها حوالى 750 مليون نسمة. بالنسبة إلى إنكلترا، من جهة أخرى، السبب الرئيسي لنجاح البريكزت، أي استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي، هو هجرة الأوروبيين الشرقيين إليها، بما في ذلك المهاجرين المجريين والبولونيين.
هذه الفوبيا الأوروبية، أكانت إسلاموفوبيا (الخوف من الإسلام) أم أوروفوبيا (الخوف من الأوروبيين) تختلف عما هو حاصل في الولايات المتحدة، وإن كانت العنصرية تبقى قاسماً مشتركاً. فالفوبيا هي حالة خوف نفسية لا ترتكز على الواقع، بينما خسارة الأكثرية البيضاء لهيمنتها السياسية التقليدية في أميركا هي حقيقة بدأت تظهر معالمها جليّاً على أرض الواقع. فنسبة البيض من مجموع السكان الأميركيين، وفق مكتب الإحصاء الأميركي، انخفضت، بسبب الهجرة، وإلى حد ما بسبب الفارق في النمو الطبيعي، من 90 في المئة سنة 1950 إلى 62 في المئة في الوقت الحاضر، وتشير الإسقاطات الرسمية إلى أن غير البيض، أي السود، والآسيويين، واللاتين (من أصول تعود إلى أميركا اللاتينية) سيصبحون أكثرية خلال الـ25 سنة المقبلة. الأكثر إثارةً للقلق بالنسبة إلى معظم البيض الأميركيين، هو التراجع الكبير في قوتهم السياسية بسبب انخفاض عديدهم من جهة، والمشاركة المتزايدة لغير البيض في الانتخابات التشريعية والرئاسية. فأوباما نجح في انتخابات سنة 2008 على رغم أنه لم يحصل سوى على 43 في المئة من أصوات البيض كما نجح في انتخابات سنة 2012 على رغم أنه لم يحصل سوى على 39 في المئة من أصواتهم فقط، وهذا أمر غير مسبوق تاريخياً في الانتخابات الأميركية. ومنذ ذلك الحين، ازداد عدد الناخبين السود 6 في المئة، وعدد الآسيويين 16 في المئة وعدد اللاتين 17 في المئة، مقابل 2 في المئة فقط في عدد البيض، ما سيظهر حتماً في الانتخابات المقبلة في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل.
كثير من الأحزاب الأوروبية المعادية للهجرة انبثقت نتيجة هجرة اليد العاملة من المناطق الأقل نمواً إلى دول أوروبا، بدعوة من هذه الدول وتشجيعها، للمساعدة في إعادة إعمارها بعد الحرب العالمية الثانية (من أفريقيا الشمالية إلى فرنسا ومن تركيا إلى ألمانيا ومن بلدان الكومونولث إلى إنكلترا وغيرها من الهجرات). غير أن شعبية هذه الأحزاب بقيت، حتى سنين قليلة خلت، محدودة،ً إلى أن وصلت الموجة الجديدة من الهجرة بدءاً من سنة 2014. فحزب «الجبهة الوطنية» في فرنسا، الذي تأسس في أوائل السبعينات، والأكثر عداءً للمهاجرين بين الأحزاب الفرنسية، لم يكن يحصل على أكثر من 12 في المئة من الأصوات في الانتخابات النيابية أو الرئاسية، لكن أسهمه ارتفعت، في السنوات الأخيرة، إذ نال ما يقارب 25 في المئة من الأصوات في انتخابات البرلمان الأوروبي سنة 2014 و28 في المئة من الأصوات في الجولة الأولى من الانتخابات المحلية التي جرت في آخر سنة 2015، أكثر من أي حزب آخر. في ألمانيا، تأسس حزب «البديل لألمانيا» المعادي للهجرة سنة 2013، وخاض السنة نفسها الانتخابات النيابية الوطنية، لكنه لم يحصل على أكثر من 4,7 في المئة من الأصوات. لكنه نال في الانتخابات الأخيرة هذه السنة في 3 ولايات ما بين 12.5 و24 في المئة، وفقاً لكلّ ولاية. في هنغاريا وبولندا، بالمقابل، أصبح الحكم فعلاً في يد الأحزاب المعادية للهجرة. أما في الولايات المتحدة فإن صعود دونالد ترامب، ونجاحه في الوصول إلى تمثيل الحزب الجمهوري في الانتخابات الرئاسية المقبلة، دليل على مدى انتشار العداء للمهاجرين الجدد من غير البيض. فشعبية ترامب تعتمد على خططه المعلنة لطرد مليوني لاتيني وبناء جدار فاصل مع المكسيك وتقييد دخول المسلمين وما شاكل، وفي المقابل تشجيع هجرة الأوروبيين البيض إلى الولايات المتحدة.
يعزو بعض كبار الاقتصاديين هذا الصعود وهذه الشعبية الجديدة التي تحظى بها الأحزاب اليمينية المتطرفة إلى استياء شريحة من الشعب، تخطاها النمو الاقتصادي، فلم تحظ بثمار العولمة الاقتصادية، ما جعلها تعارض بشدة وجود أشخاص ينافسونها على الوظيفة ولقمة العيش. غير أن أتباع ترامب مثلاً، وإن كان 90 في المئة منهم من البيض، وفق مقال صدر حديثاً في مجلة «أتلانتيك» الأميركية، ليسوا جميعاً من المحرومين بل هناك بينهم ميسورون وأغنياء، وفق دراسة شاملة قامت بها شركة غالوب أخيراً. الحال هي نفسها بالنسبة إلى أتباع الأحزاب المعادية للهجرة في البلدان الأوروبية.
إن هذا الصعود القوي والمفاجئ للأحزاب المعادية للهجرة، والعنصرية التي تتسم بها، هو العولمة الاجتماعية في شكل رئيسي، أي الاختلاط السريع والمتزايد بين الثقافات والأجناس والأديان، الذي جاء نتيجة الهجرة المكثفة والمتصاعدة. فالمواجهة لم تعد عن بعد كما كانت في الماضي، بل أصبحت داخل الدول المستقبلة للمهاجرين، والازدياد السريع في أعدادهم لم تستوعبه بعد بعض الشعوب الموجودة في هذه الدول. هذه العولمة الاجتماعية جاءت طبعاً نتيجة التقدم السريع الذي حصل، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في مجالي الاتصالات والمواصلات الذي صغّر حجم الكرة الأرضية، وصغّر المسافات بين الدول، وفتح الآفاق الفكرية بينها، ما جعل الحدود الجغرافية أقل حصانةً في منع انتقال الناس والأفكار. ففي عهد الاستعمار، كانت دول أوروبا تخمد الانتفاضات بأرضها فلا تنتشر إلى دول أخرى أو على الأقل إلى الدولة المستعمرة. خلق الغرب إسرائيل، مسبباً أكثر من مليوني لاجئ، ولم تشعر بهم لا أوروبا ولا أميركا. لكن الأمور تغيّرت اليوم، فالحروب التي أشعلها أو غذّاها الغرب في الشرق الأوسط ، نتجت عنها هجرة كبيرة إلى أوروبا. والإرهاب الذي ظهر نتيجة هذه الحروب انتشر في أوروبا وصولاً إلى أميركا. الحدود الجغرافية تذوب وكذلك الحدود الفكرية. فانتشار الفكر الداعشي مثلاً يحصل في شكل كبير من خلال الإنترنت، وتجنيد المقاتلين غالباً ما يحصل من خلال برامج التواصل الاجتماعي.
الصراع السياسي بين الأحزاب الغربية «الأكثرية» من جهة، والأحزاب الليبرالية من جهة أخرى، هو إذاً بسبب المواجهة المتزايدة بين الثقافات والأديان والإثنيات، نتيجةً للعولمة الاجتماعية. ومما لا شك فيه، أن الأحزاب الليبرالية هي اليوم في تراجع أمام الأحزاب «الأكثرية»، ليس فقط في الانتخابات الأخيرة كما ذكرنا، بل هناك تحوّل، نتيجة الضغوط السياسية والانتخابية، في مواقف الليبراليين أنفسهم نحو طروحات المتطرفين، كما حصل أخيراً بالنسبة إلى أفكار بطلة الليبراليين الأوروبيين، أنغيلا مركل. لكن السؤال الكبير هو من سيربح هذه المواجهة في النهاية؟ هل سيحكم أوروبا وأميركا أمثال مارين لوبن ودونالد ترامب فتشتد المقاومة لهجرة المسلمين إلى أوروبا، والمسلمين وغير البيض إلى أميركا، وتشتد معها العنصرية، أم أن القيادات المعتدلة ستنجح في النهاية في ردع المتطرفين، لتتعامل مع الهجرة برشد وعقلانية؟
يكتسب هذا السؤال أهميةً خاصة، لأن العولمة الاجتماعية ستكمل طريقها على كل حال. فتكنولوجيا المواصلات والاتصالات لن تتوقف بل ستتطور، أردنا أم لم نرد، ما سيجعل العالم ينكمش أكثر، والحدود الجغرافية أقل حصانة، والتبادل الفكري أكثر سهولة، واختلاط الثقافات داخل الدول قاعدة المستقبل. لذلك فمقاومو هذا الاختلاط لا بد أن يفشلوا في النهاية لأنهم يقفون في الجانب الخاطئ من التاريخ، وفي وجه حتميته.
هذا في الأمد الطويل. أما في الأمد القصير فلا شك في أن الحوار العنصري سيزداد كثافةً في الأدبيات السياسية الغربية، حتى إن لم ينجح «الأكثريون» في الوصول إلى الحكم في شكل واسع. فاختلاط الثقافات والأديان والإثنيات لا بد أن يأخذ بعض الوقت لتتأقلم معه الشعوب المضيفة وتتصالح مع حتميته. ولكن باستطاعة المتطرفين، إذا طالت المدة، أن يسببوا أضراراً كبيرة في العلاقة بين الثقافات والأديان والإثنيات، قد تتطلب وقتاً طويلاً وصعباً لإصلاحها.
علا غانم تفكر في عرض حياتها الشخصية في...
ماذا قال الفنان نضال الشافعي عن جنسيته...
شاهد بالصور بطل فيلم "امبراطورية ميم"...
لأول مرة صورة نادرة للفنانة الراحلة دلال...
حقيقة الصورة المتداولة لنجل الفنان أحمد...
صورة لياسمين صبري على مائدة أبو هشيمة...
ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية