الإثنين , 5 سبتمبر 2016 ,6:49 ص , 6:49 ص
بعد 35 عاماً على أشهر حملة اعتقالات فى تاريخ الجمهورية: ماذا تبقى فى ذاكرة المصريين؟ اعتقالات سبتمبر.. حين دخلت مصر الزنزانة
كان مشهداً، عاصفاً ومرتبكاً، قبل خمسة وثلاثين عاماً، حيث قرر الرئيس الراحل أنور السادات أن يجمع كافة المعارضين من كل التيارات فى السجون. أكثر من 1500 شخص من الإسلاميين واليساريين والأقباط والصحفيين ورجال الدين، كانوا ضمن حصيلة حملة الاعتقالات التى هزت مصر فى شهر سبتمبر، وأصبحت علامة فارقة فى ذكراها كل عام.
تفتح "المصرى اليوم" هذا الملف لتسأل: "ماذا تبقى فى ذاكرة المصريين من حملة اعتقالات سبتمبر"؟ كيف يراها المعتقلون من كافة التيارات، ولماذا حدثت؟ وكيف تصاعدت العاصفة فأربكت جميع الحسابات، وأصبحت علامة على احتقان سياسى ومجتمعى عنيف، عبر عنه الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، فى خطاب شهير ألقاه فى البرلمان (مجلس الأمة وقتها)، اعتبر فيه أن حملة الاعتقالات كانت "ضرورية لحماية وحدة الوطن والسلم العام"، وهو الخطاب الذى اعتبره ضحايا هذه الاعتقالات "خطأ كبيراً" وتحركاً طال كل رموز المجتمع والسياسة والصحافة تقريباً، حيث اجتمع فى "سجون سبتمبر" الكاتب الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل، إلى جانب قيادات من حزب الوفد الليبرالى، جنباً إلى جنب مع رموز من التيار الإسلامى، وقيادات اليسار بتنويعاته المختلفة.
فى قلب العاصفة كانت الصحافة المصرية حاضرة وبقوة، فخلف القضبان كان رموز من كبار الصحفيين فى قبضة الأمن، بينما أغلقت الدولة بعض صحف المعارضة، وعلى الجانب الآخر تصدرت قرارات الاعتقال الصحف القومية، فاعتبرتها الجمهورية "ثورة جديدة"، ووصفها الكاتب موسى صبرى، أحد أقرب الصحفيين للسادات، فى جريدة الأخبار بأنها قرارات لـ"ضرب الفتنة"، فيما اعتبرتها الأهرام "ثورة العمل الداخلى".
قصة القبض على معارضى "السادات" خلال 72 ساعة السادت وكارت وبيجن يوقعون على اتفاقية كامب ديفيد(1978)
35 عاماً مرت على ذكرى اعتقالات من 3 إلى 5 سبتمبر 1981، عندما أصدر الرئيس الراحل أنور السادات ، قراراً باعتقال رموز المعارضة، من كتاب وصحفيين وسياسيين وإسلاميين ومسيحيين، وعددهم أكثر من 1500 شخص، تبعها إغلاق بعض الصحف غير الحكومية، بسبب الاعتراض على اتفاقية كامب ديفيد، وتصدر قرار السادات مانشيتات الصحف القومية، حيث وصفته "الجمهورية" بأنه "ثورة جديدة" للرئيس، فى حين اعتبرها الكاتب موسى صبرى فى "الأخبار" أنها قرارات لـ"ضرب الفتنة"، وأطلقت عليها "الأهرام" "ثورة العمل الداخلى".
كان السبب الرئيسى فى شن حملة الاعتقالات وجود الكثير من المعارضين لـ"كامب ديفيد" التى وقعها السادات مع رئيس الوزراء الإسرائيلى وقتها "مناحم بيجن"، يوم 17 سبتمبر 1978، تحت إشراف الرئيس الأمريكى آنذاك "جيمى كارتر"، معتبرين الاتفاقية تحقق "سلاماً وهمياً"، كما أنها لا تحفظ لفلسطين حقها فى استعادة الأرض.
إلا أن مبررات السادات وقتها أنه لا صوت يجب أن يعلو على صوت المعركة، وكان يقصد معركة ترتيبات معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية، لأنه كان يخشى أن تتخذ إسرائيل من هذه الأجواء حجة للتهرب من عدم تنفيذ ما وقعت عليه معه.
بدأت حملة الاعتقالات من 3 سبتمبر 1981، تحت إشراف النبوى إسماعيل، وزير الداخلية، فى ذلك الوقت، وشهدت اعتقال العديد من الشخصيات العامة على رأسهم الكاتب محمد حسنين هيكل، والبابا شنودة الثالث، وفؤاد سراج الدين، والشيخ عبدالحميد كشك، وفريدة النقاش والشيخ أحمد المحلاوى، كما اعتقل عدداً من قيادات جماعة الإخوان على رأسهم المرشد العام للجماعة وقتها عمر التلمسانى، ومحمد حبيب وعبدالمنعم أبوالفتوح، وعدد من الأعضاء الآخرين.
ومن الشخصيات السياسية التى اعتقلها السادات، وظهرت على الساحة السياسية خلال المرحلة الماضية، حمدين صباحى، مؤسس حزب الكرامة، والمرشح الرئاسى السابق، وجابر عصفور، وزير الثقافة السابق.
ومن بين المعتقلين، الراحلون شاهندة مقلد، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان السابق، وأبوالعز الحريرى، عضو سابق بمجلس الشعب، بجانب مصطفى بكرى، عضو البرلمان، والكاتبة نوال السعداوى، والكاتبة صافى ناز كاظم، ومحمد عبدالقدوس عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان.
يقول محمد حسنين هيكل فى كتابه "خريف الغضب": "إن عملية الانقضاض بدأت فجر يوم 3 سبتمبر عقب عودة السادات من واشنطن، وكان الانقضاض من خلال حملة اعتقالات واسعة شملت 3 آلاف شخص، وكانت بعض الاعتقالات بين صفوف الشباب من الطلبة وأعضاء الجماعات الدينية سهلة نسبياً، لكن اعتقالات الساسة والمثقفين وعدد من القيادات الدينية من المسلمين والمسيحيين، جرى تخطيطها بعمليات شبه عسكرية".
السادات وقتها وجه بياناً للشعب، قال فيه "إن هناك (فئة) تحاول إحداث الفتنة الطائفية، وإن الحكومة حاولت نصح تلك الفئة أكثر من مرة، وإن الآونة الأخيرة شهدت أحداثا هددت وحدة الوطن واستغلتها تلك الفئة وسلكت سبيل العنف وتهديد الآمنين، أو حاولت تصعيد الأحداث، الأمر الذى يستلزم إعمال المادة 74 من الدستور، والتى تنص على أن لرئيس الجمهورية إذا قام خطر يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن أداء دورها الدستورى أن يتخذ الإجراءات السريعة لمواجهة هذا الخطر، ويوجه بياناً إلى الشعب ويجرى الاستفتاء على ما اتخذه من إجراءات خلال ستين يوماً من اتخاذها".
لم يكن اعتقال المعارضين هو القرار الوحيد الذى اتخذه السادات، حيث أصدر قراراً بحظر استغلال الدين لتحقيق أهداف سياسية أو حزبية، والتحفظ على بعض الأشخاص المشاركين فى "تهديد سلامة الوطن" باستغلال الأحداث الجارية، والتحفظ على أموال بعض الهيئات والمنظمات والجمعيات التى فعلت الشىء نفسه، وحل جمعيات مشهرة إذا هددت سلامة الوطن، وإلغاء التراخيص الممنوحة بإصدار بعض الصحف والمطبوعات مع التحفظ على أموالها ومقارها، ونقل بعض أعضاء هيئة التدريس والجامعات والمعاهد العليا الذين قامت دلائل جدية على أنهم مارسوا نشاطاً له تأثير ضار فى تكوين الرأى العام، أو تربية الشباب، أو هدد الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى أو سلامة الوطن، ونقلهم إلى الوظائف التى يحددها الوزير، وكذا نقل بعض الصحفيين وغيرهم من العاملين فى المؤسسات الصحفية القومية وبعض العاملين فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون والمجلس الأعلى للثقافة الذين قامت دلائل جدية على أنهم مارسوا العمل نفسه.
"هيكل" فى "طرة".. قصة الأيام المُثيرة من خريف 1981
هيكل
لم يُتَح لصحفى مصرى على مدار تاريخ الصحافة المصرية مدى القُرب والتأثير الذى أُتيح لمحمد حسنين هيكل فى عصر الرئيس المصرى جمال عبدالناصِر، فالمحرر العسكرى الذى رافق ضباط حركة الضباط الأحرار فى ميدان القتال فى حرب فلسطين، أصبح نديم جمال عبدالناصِر والعنصر الإعلامى فى مشروعه الجمهورى، ليحيك بدقة وبلاغة فى آن أهم لحظاته، ويعرف أدق أهم أحداثه التاريخيّة، فهزيمة يونيو "نكسة" لأن "هيكل" رآها كذلك، وخطاب التنحى دفع بالجموع الغفيرة للشارع معارِضةً للقرار ومعفيةً قائدها من بعض المسؤولية، بفضل غيض من فيض قلم "الأستاذ" صائغ الخطاب الشهير.
وكما وهب تقارُب "ناصِر- هيكل" للدولة الناصرية الشىء الكثير من صلابتها وشعبيتها، أهدى هذا التقارُب "الأستاذ" مفاتيح خزانة وثائق تأسيس جمهورية يوليو وكواليسها، يتحكّم فيها منفردًا ويقوم فيما يخُصها بدور "حارس البوابة"، يفرِج عما يراه مناسبًا، ويتحفّظ على ما يراه مضرًا بالأمن القومى، أو لم يأنِ أوانه بعد.
غير أن هيكل ناصِر، مستشاره الأمين، ووزير الإرشاد القومى فى حكومته، ورئيس تحرير المطبوعة الصحفية الأهم فى عهده "الأهرام"، لم يحظَ بالمكانة ذاتها فى جمهورية السادات، فحسب هيكل، فإن آخر مقالات الصحفىّ المُخضرَم فى عهد الرئيس السادات تُنشَر بالأهرام كانت عام 1974، وانتقَد فيها استضافة السادات لـ"كيسنجر" مُطارَد فضيحة "ووترجيت"، بطلاً بمصر، واصفًا إياها بـ"عدم تقدير سياسى من قِبَل السادات»، لم يُتَح لـ"هيكل" الكتابة من بعد نقدها حتى أفول جمهورية السادات باغتياله فى حادث المنصة 6 أكتوبر 1981، كفصل ختامىّ تابعه الصحفىّ الكبير من محبسه فى سجن طُرة بأمر من رئيس الجمهورية، فى حملة اعتقال موسّعة، شملت شخصيّات عامة مصرية، اتُفِق على وصفها يومها بأنها شخصيات تزعزع "وحدة وأمن البلاد"، فيما اصطُلح على تسميته «اعتقالات سبتمبر 1981».
ولطالما أصرّ "الأستاذ" على نفى أى خصومة غير موضوعية بينه وبين السادات، وتأكيد خلُو العلاقة بينهما من أى شائبة كراهية شخصيّة بينه وبين الرجُل، فيما كان ما بينهما محض خلاف فى وجهات النظر، حتى ولو رأت الجماعة العامة غير ذلك.
فى كتابه "خريف الغضب.. قصة بداية ونهاية عهد السادات"، يُبرهِن هيكل على سلامة جانبه تجاه السادات فى بداية عهده بتصريح صحفىّ للرجل نفسه فى المطبوعة الصحفية اللبنانية "مجلة الأسبوع العربى"، بعد أربع سنوات على حُكمه، قال فيه إن هيكل هو أقرب شخص له، فضلاً عن دوره المؤثر كمهندس لحملته الانتخابية ووزير للإرشاد القومىّ، وإسهامه المؤثِر فى وضع الخُطط الإعلامية لحرب أكتوبر. ليُحفِظ الرجُل الأداء الرئاسى إبان مُباحثات السلام، فيقرر، حسبه، الاعتذار عن صوغ المشهد الرئاسى لرجُل يحب الوطن بطريقة غير التى يحبه بها هو الوطن، على الأقل، كمستوى أول لتعارُض وجهات النظر، أودى به أخيرًا ممنوعًا من الكتابة، ومتنحيًا عن تحرير الأهرام، وممنوعًا من السفر، وماثلاً للتحقيق أمام المُدعى العام الاشتراكى أحيانًا، كما حدث فى 1978، فى النصف المتأخِر من مدة حكم السادات.
اعتبر هيكل أن غضبًا أورثه السادات للشارع، وأصبح هو جزءًا منه، كان بداية النهاية للرجُل، بعد استعداء قدرىّ للشارع بدأ باندلاع مظاهرات الطعام 1977، والجماعات الدينية، والكنيسة المصرية، ورموز التيارات السياسية، وانتهى بما سماه هيكل "عقلية الهليكوبتر"، كنايةً عن السمة الغالبة على أداء السادات الرئاسى الخاتم بنزعة ارتجاليّة مُتسرعة وأحاديّة، كان آخر وأبرز مظاهرها حملة اعتقالات سبتمبر، التى اشتملت على 3000 شخصية مصريّة عامة، فى محاولة للقبض على الجمر ووأد الغضب، والتى كان "الأستاذ" أحد أهدافها. فجر الثالث من سبتمبر عام 1981، كان باب منزل محمد حسنين هيكل بالإسكندرية على موعِد مع طرقات "زوار الفجر"، الذين تعاملوا مع الرجل، حسب روايته عن أول وآخر تجربة اعتقال له، بكُل لطف، وأفردوا له 10 دقائق كاملة لحزم متاعه، لرحلة لن تطول لـ"أمن الدولة"، لتتم العملية رقم 9 فى حملة الاعتقال الواسعة بكُل سلاسة، عكس المُتوقع، ويتم ترحيله فى زُمرة من المعتقلين الذين تنوّعت مشاربهُم لتشمَل ألوان الطيف السياسىّ، إلى سجن طرة ، حديث البناء وقتها، فيما وُزع المعتقلون على سجون مصر، وفق خُطة استراتيجية مُحكمة. يروى هيكَل عن ساعاته الأولى فى محبسه بطُرة أنه كان مفردًا فى زنزانة رقم "14"، بعدما تكدّست صُحبته القادمة معه من الإسكندرية، والتى كان قد ارتاح لصُحبتها، فى الزنزانة السابقة عليه رقم "13"، وأن رفقة زنزانة "الأستاذ" اختيرت بعناية من إبراهيم طلعت وكمال أحمد، من قيادات الحركة الناصرية، فضلاً عن مجموعة من شباب التيار الإسلامى، الذين طلبوا إلى إدارة السجن مزاملة "الأستاذ" فى زنزانته لمناقشته فى بعض آرائه فور علمهم بقدومه، لتُخيّره إدارة السجن فى رفقته، ويوافق هو على صحبتهم.
شبه مضرِب عن طعام السجن فى أوائل أيامه فى محبسه، اعتزل "الأستاذ" العسل الأسود وخُبز السجن المقدد، وتقوّت ببضع بيضات وخُبز ريفىّ أتى بها من منزله الريفى، أثناء مصاحبته مأمورية التفتيش إلى هُناك، فيما تنبّه سريعًا لخطورة الإقامة فى الزنزانة المُغلقة قُبيل إتاحة التريض والتجوُل فى أروقة السجن، فيعكُف على ممارسة طقس يومى من التمرينات الرياضيّة التى تناسب المساحة المحدودة المقررة له، حرصًا على صحته، حتى بدأت إدارة السجن فى تحسين ظروف الحبس، بإتاحة الدواء الضرورى، والسماح بانفتاح الزنازين على بعضها، فى خطوة كانت جد سعيدة ومثمرة لـ"الأستاذ".
مُتهمًا ببرودة الأعصاب، انفصل هيكل عن حالة الغضب العارمة التى عمّت جموع الشخصيات العامة التى قيدها الاعتقال، وبدأ فى استعادة عملٍ صحفىّ خالِص افتقده على مدى سنوات من إبعاده عن الكتابة لصُحفٍ مصريّة، يقول هيكل فى كتابه الذى روى فيه "قصة تلك الشهور المثيرة والحافلة من سنة 1981"، على حد تعبيره، إنه منذ اللحظة الأولى أدرك أن المُقامر الكبير قام بآخر لعبة كُبرى، وجازف بأوراقه كلها مرة واحِدة، ليدرك منذ هذه اللحظة أنه «يعيش دراما» سوف تصِل نهايتها فى يومٍ من الأيام.
حوارات ذات طابع استقصائى تحليلى، يتميّز به أسلوب الأستاذ الصحفى، كانت عنوان مدة السجن القصير التى أمضاها فى سجن طُرة، حتى اغتيال السادات، عندما قرر الانسلاخ على حد تعبيره من الأسير إلى الصحفىّ. أقام هيكل حواراته مع عدد كبير من الشخصيات العامة التى زاملها فى اعتقالات سبتمبر، والتى كانت كافية لتكوين 3 مجالس وزارية بحقائبها المختلفة، وأعاد النقاش معها بعد الخروج من الحبس، لمعرفة "لماذا جاءت النهاية على هذا النحو؟"، السؤال الذى شرع "الأستاذ" فى تحقيقه مُباشرةً بعد اغتيال السادات، فى محاولة تأريخ مبكِرة لجذور الغضب، الذى تأجج فى الوادى المصرى، ووصل لذروته، فى ذلك الخريف "سبتمبر وأكتوبر"، من عام 1981.
محمد سلماوى: قرارات الاعتقال كانت استثناءً تاريخيًا ليس من السهل تكرارها (حوار)
السياسة لا يمكن أن تدار ورجالها جميعًا وراء القضبان
محمد سلماوي
قبل 35 عامًا، قرر الرئيس الراحل، محمد أنور السادات، "اعتقال مصر" بقرار واحد، فى وقت احتفت فيه صحف قومية آنذاك، بأفعال "الرئيس المؤمن" ظنًا منها أن البلاد تشهد "ثورة".
الكاتب الكبير، محمد سلماوى ، الذى ورد اسمه ضمن "قائمة سبتمبر" التى طلبها السادات من قيادات صحفية لتنفيذ هدفه- يكشف تفاصيل ما دار فى لقاء الرئيس الراحل مع تلك القيادات، ويعيد قراءة الحدث، فى حواره مع "المصرى اليوم".
ويرى سلماوى أن "الحكم لم يكن من الممكن أن يستمر والحياة السياسية بأكملها معتقلة وراء القبضان"، معتبرًا أن قرار السادات "خطوة متهورة"، وليس من السهل أن تشهد مصر مثل تلك القرارات مرة أخرى.. وإلى نص الحوار:
? لماذا أقدم السادات على "اعتقال مصر" بقرار واحد فى سبتمبر 1981؟
- أى قرار يُتخذ يجب أن ينظر إليه فى ضوء الأوضاع السائدة، فالبلد فى ذلك الوقت كان فى حالة احتقان شديدة، وكانت هناك فتنة طائفية خطيرة وصلت إلى حد حرائق فى الكنائس واعتداءات على المساجد، بالإضافة إلى الأزمة التى ولَّدتها سياسة السادات تجاه إسرائيل، والمعارضة الشديدة التى كانت موجودة لتلك السياسة التى أحدثت انشقاقا فى المنظومة العربية، وهذه الحالة من الاحتقان لم تكن داخلية فقط، وإنما خارجية أيضا، فقد كانت هناك مقاطعة شبه كاملة من العرب لمصر، وكادت مصر تفصل من حركة عدم الانحياز التى أسستها، فى الوقت الذى كانت فيه إسرائيل تماطل فى الانسحاب من الجزء الباقى فى سيناء، وكل هذه العوامل جعلت السادات يشعر بأنه محاصر داخليًا وخارجيًا، فأراد أن يتخلص من هذا الموقف متصورًا أن كل ذلك من صنع المعارضة الداخلية، وأنه باعتقالهم سيتخلص من هذه المشكلات، لكن الحقيقة أن خطوته المتهورة هذه ساهمت فى زيادة الاحتقان الذى تفاقم بعد هذه الاعتقالات ، ووصل الى الانفجار باغتياله بعد ذلك القرار بشهر واحد.
? هل كنت تتوقع أن يتخذ السادات تلك القرارات فى ذلك الوقت؟
- لا، لأن السادات بنى شرعيته أمام العالم على أنه رجل الديمقراطية والحريات، بعد أن وصف حقبة عبدالناصر بالديكتاتورية والاستبداد، ولم يكن من المتصور أن يلجأ- حين يجد نفسه فى مأزق- لمثل هذه الإجراءات التى كان ينتقدها، فهى تعصف بكل ما كان يروج له نظامه، لكن الحقيقة أن السادات لم يكن يؤمن أصلًا بالديمقراطية، بل كان يستخدم شعاراتها للتقرب إلى الغرب، وأذكر وقتها أن منصور حسن، وزير الثقافة والإعلام ورئاسة الجمهورية، والذى كان قريبا من السادات قال لى: "إن السادات انتهى عهده تمامًا بالديمقراطية، ولن يعود إليها ثانية".
? لماذا كنت ضمن قائمة الاعتقال بقرار من السادات؟
- أنا اعتقلت فى أحداث يناير 1977، أما فى سبتمبر 1981 فقد ورد اسمى ضمن الصحفيين الذين فصلوا من عملهم، ولم يتم اعتقالى لأننى كنت فى مهمة صحفية بأستراليا، وذهبت بعدها فى زيارة إلى نيوزيلاندا، وكان سفيرنا هناك هو المرحوم عبدالرحمن مرعى، زوج شقيقتى، وحين عدت إلى مصر كانت الأمور قد هدأت قليلًا، وما هى إلا أيام، وتم اغتيال السادات.
ولم يكن خافيًا على أحد أننى مثل معظم الرأى العام من المثقفين والصحفيين والمفكرين فى ذلك الوقت، كنت معارضًا لسياسات السادات برمتها، من "انفتاح السداح مداح"، كما سماه أحمد بهاء الدين، إلى السخرية من القومية العربية، والتخلى عن دور مصر القيادى فى العالم الثالث، بالإضافة إلى محاباة إسرائيل والولايات المتحدة على حساب بقية علاقات مصر الدولية، وكنت أرى فى سياساته محاولة لصنع شرعية جديدة قائمة على هدم ثورة 23 يوليو والإنجازات التى حققها جمال عبدالناصر، رغم أن حرب أكتوبر المجيدة كانت كفيلة وحدها بمنحه تلك الشرعية، ولم يكن بحاجة لهذا العداء السافر لنظام يوليو، وقد خسر السادات كثيرًا بموقفه هذا، لأنه حكم يوليو بزعامة عبدالناصر يظل هو أقرب الأنظمة إلى قلوب الشعب المصرى وحتى يومنا هذا،
ولم يكن من قبيل المصادفة أن ثورتى 25 يناير و30 يونيو خرج المشاركون فيها رافعين صورة عبدالناصر بعد وفاته بأكثر من 40 عامًا.
وأرى أن السادات أراد فى ذلك الوقت أن يخرس كل أصوات المعارضة من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار باعتقالهم، ثم دعا القيادات الصحفية بالصحف القومية الى اجتماع طارئ وطلب منهم إضافة الأسماء التى ربما تكون قد سقطت من قوائم الاعتقالات، وفى هذا الاجتماع أضاف اسمى رئيس مجلس إدارة الأهرام، آنذاك، المرحوم عبدالله عبدالبارى، وصمت رئيس التحرير إبراهيم نافع، بينما دافع عنى مكرم محمد أحمد، رغم أنه كان رئيس مجلس إدارة دار الهلال، ووزير الإعلام وقتها منصور حسن الذى قال إنه يعرفنى شخصيًا، لكن السادات نهر مكرم يومها، وقال له: "أنا أطلب إضافة أسماء وليس إلغاء أسماء"، وقد علمت بتفاصيل هذا اللقاء من منصور حسن نفسه بعد اغتيال السادات، وعجبت من موقف عبدالله عبدالبارى، الذى لم يكن يلقانى قبل هذا الموقف أو بعده إلا بالترحاب الشديد والمبالغ فيه.
? ما تعليقك على معالجة الصحف القومية لقرارات السادات فى سبتمبر؟
- الحقيقة أن الصحف القومية كانت فى واد، والبلد كله فى واد آخر، فالسادات كان أعلن فى فبراير 1974 إلغاء الرقابة على الصحف، بعد أن أخرج الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل من الأهرام، وكأن هيكل كان هو العقبة أمام حرية الصحافة، لكن كل هذا كان جزءًا من تمثيلية الديمقراطية التى لم يصدقها أحد، لذلك استمر مكتب الرقابة على الصحف، التابع لوزارة الإعلام فى أداء مهمته كما هو بتوجيه الصحف لما عليها أن تنشره وما عليها أن تمتنع عن نشره، وكل ما هنالك أن الاسم تغير من مكتب الرقابة على الصحف إلى مكتب الصحافة، وكنا نتندر فيما بيننا ونسميه مكتب حرية الصحافة.
لذلك لم تكن معالجة الصحف القومية فى ذلك الوقت، ولا فى أى وقت آخر، تحت حكم السادات- معبرة عن الواقع المصرى، ولا ينبغى الرجوع إليها كمرجع موثوق به إلا كدليل على عدم وجود حرية صحافة.
? فى رأيك هل كانت قرارات السادات فى سبتمبر هى السبب فى كتابة مشهد النهاية لفترة حكمه؟
- لا شك فى هذا، لأن أى حكم من بين أدواته رجال السياسة الذين يملأون المشهد السياسى، والحكمة السياسية تقتضى معرفة كيف يدار هذا المشهد لصالح النظام القائم، لا أن يدخل النظام فى صدام سافر ومباشر مع المشهد السياسى كله.
فقد ضمت القائمة القيادات الدينية، جنبًا إلى جنب مع أقطاب الليبرالية، وقيادات اليسار والمستقلين، ولم تترك اتجاهًا سياسيًا واحدًا فى البلد إلا اعتقلته، لذلك كان أول ما قام به الرئيس الأسبق مبارك بمجرد أن خلف السادات هو الإفراج عن المعتقلين، لأنه بذلك كان يفرج عن الحياة السياسية المصرية.
فالسياسة والحياة السياسية بأكملها لا يمكن أن تدار ورجالها جميعًا وراء القضبان، وهذا هو الخطأ التراجيدى الأكبر الذى جاءت معه النهاية المأساوية للسادات كما فى المآسى الإغريقية.
? هل تتوقع أن تشهد مصر نفس اجراءات السادات فى سبتمبر 1981؟ ولماذا؟
- لا اعتقد ذلك، لأن مشهد سبتمبر 1981 كان استثنائيًا فى التاريخ السياسى المصرى، وليس من السهل استنساخه من جديد.
سياسيون: قرارات الاعتقالات خطأ.. وتكرار المشهد محتمل
"الزاهد": العصر الحالى يشهد تراجعًا في الحريات.. و"الوفد": لا توجد معارضة سياسية للرئيس
حسام الخولي
قال سياسيون إن الرئيس أنور السادات وقع فى خطأ كبير عندما قام باعتقالات سبتمبر 1981، التى مهدت لسقوطه، لأنه وحد بين جميع القوى السياسية المتباينة فى الرؤى وقتها، بينما أشار آخرون إلى أن تكرار المشهد الذى وقع وقتئذ أمر محتمل وقوعه فى الوقت الراهن للتشابه بين الأزمات التى تعرضت لها البلاد وقتها وما نعيشه حالياً، وعلى رأسها تراجع الحريات، وتزايد الأعباء الاقتصادية على المواطنين، وأزمة تيران وصنافير، فيما اعترض وفديون على وجهة النظر معللين ذلك بعدم وجود معارضة.
وقال كمال حبيب، الباحث فى شئون الحركات الإسلامية، إن التيارات الإسلامية اعتبرت الرئيس السادات وقتها رئيساً غير شرعى من الناحية الدينية، بسبب تقاربه مع إسرائيل، وتحديداً بعد زيارته لتل أبيب وإبرام معاهدة السلام، وهو ما عجل بالصدام وتطوره بين الطرفين، مشيرًا إلى أن القدرة التنظيمية وتعبئة الشباب الرافض لتحركات السادات وتقاربه مع الكيان الصهيونى، هى الأمور التى أنجحت محاولة اغتياله.
وأضاف "حبيب"، لـ"المصرى اليوم"، أن اعتقالات سبتمبر كانت عاملاً فجّر مجموعة من التراكمات السلبية خلفتها سياسات السادات، فى مقدمتها التراجع عن الديمقراطية والتعددية الحزبية والتضييق على المعارضة، وهو ما جعل القوى السياسية تجتمع على معارضته، موضحاً أن السادات وضع البلاد على فوهة بركان بتلك القرارات ما أدى إلى الانفجار، وهو الأمر الذى يتشابه مع الظروف التى نعيشها، فهناك تراكم أزمات تشبه تلك التى كانت فى عهد السادات، ومن بينها التقارب المصرى- الإسرائيلى، وما يبدو للبعض أنه تفريط فى جزر تيران وصنافير، وتهديد الأمن القومى عن طريق إثيوبيا، وإقبال الدولة على سياسات اقتصادية يتضرر منها المواطن البسيط بسبب شروط صندوق النقد الدولى، وتفشى الفساد بدرجة واسعة يظهر الدولة وكأنها عاجزة عن مواجهته أو متورطه فى حمايته، مؤكدًا أن هذه العوامل قد تؤدى إلى انفجار مجتمعى إذا ما توفر العامل المفجر فى المستقبل.
واتفق مع وجهة النظر السابقة مدحت الزاهد، القائم بأعمال رئيس حزب التحالف الشعبى الاشتراكى، الذى يرى أن النظام الحالى يتشابه ونظام السادات فى الاصطدام بفئات سياسية متنوعة، حيث يعادى الرئيس عبدالفتاح السيسى قوى التيار الديمقراطى، والتيار اليسارى، والإسلام السياسى، وهو ما يجعل الأطراف السياسية فى خصومة مع الرئيس، مشيرًا إلى أن الرئيس لا يجد الفرصة لتكرار ما قام به السادات، لأنه قام مسبقًا بسلسلة إجراءات أدت إلى تراجع كبير فى ملف الحريات.
وأوضح "الزاهد" أن الرئيس السادات استطاع أن ينتقل بالتجربة المصرية من أحادية النظام السياسى إلى التعددية الحزبية، وعندما تراجع عن دعم الديمقراطية واعتقل معارضيه وقع الانفجار المجتمعى، فى حين أغلق الرئيس السيسى المجال السياسى من البداية ولم يسمح بوجود معارضة حقيقية ومرونة سياسية فى البلاد، وذلك يهدد بانفجار مجتمعى أو ما يشبه الانتفاضة، ووقتها سينفذ النظام سلسلة اعتقالات مشابهة لما قام بها السادات.
وشدد على أن هناك أزمات يعيشها الشارع المصرى فى الفترة الحالية تقترن ومثيلاتها فى عهد السادات مثل أزمة تيران وصنافير، وتزايد شكاوى المواطنين من أداء الحكومة الاقتصادى وتراجع كبير على مستوى الحريات، لافتًا إلى أن السادات أخطأ خطأ كبيرًا وقتها نستفيد منه اليوم.
المهندس حسام الخولى، نائب رئيس حزب الوفد، اختلف مع الرأيين السابقين، ورفض الربط بين ما وقع فى سبتمبر وما نعيشه اليوم، موضحًا أن السادات واجه معارضة سياسية قوية، بسبب خطيئته الكبيرة التى وحدت كل الأطراف ضده، عندما اعتقل جميع القوى السياسية، وجعل الأعداء أصدقاء داخل الزنازين، فلك أن تتخيل أن عمر التلمسانى مرشد الإخوان يجلس ويتعامل مع فؤاد سراج الدين فى سجن واحد.
وشدد "الخولى" على أن القوى السياسية فى هذه الفترة لا تتربص بالرئيس ولا تنتظر فرصة للانقضاض عليه كما كان الوضع مع السادات، فضلًا عن عدم وجود معارضة تهدف للصدام، بل المعارضة المصرية تعمل من أجل الدعم والمساعدة فقط، مشيراً إلى أن السبب الرئيسى فى سقوط السادات كان تعامله مع كل الأطراف السياسية والمجتمعية بنفس الأسلوب، فسجن رأس الليبرالية، ورأس الشيوعية، وقمة الإسلاميين، وقمة الأقباط، فى تصرف غريب جداً من رجل كان أذكى من الجميع وسابقاً لعصره، وقرأ ما لا لم نعرفه إلا بعد سنوات طويلة.
رفعت السعيد عن اعتقالات سبتمبر 1981: الدولة اعتقلت كل قيادات "التجمع" باستثناء 4
رفعت السعيد
قال الدكتور رفعت السعيد ، رئيس المجلس الاستشارى لحزب التجمع، إنه عقب واقعة اغتيال الرئيس أنور السادات دعا الرئيس الليبى الراحل معمر القذافى، خالد محيى الدين، زعيم حزب التجمع، باعتباره من قيادات ثورة 23 يوليو، للنهوض واستلام السلطة وتحريك الجماهير، وهو ما علق "السعيد" عليه آنذاك، بأنه "كلام صادر من غير مسئول".
وأوضح "السعيد"، أن النظام لم يكن يحمى رئيسه والدليل على ذلك التحركات لاغتيال السادات، كاشفا أن أحد الشباب جاء إلى "محيى الدين"، وكان وقتها طالبا فى كلية الطب، ورفض ذكر اسمه، وقال له إن لديه معلومة باغتيال السادات فى المنصة وبالفعل أبلغ "محيى الدين" أجهزة الأمن لكنها لم تتحرك.
وأكد أن السادات اعتقد أن انتفاضة 19،18 يناير 1977 وما تلاها تستوجب إقصاء كل المعارضين، فيما ساند جماعة الإخوان وساندته هى الأخرى، وتابع: السادات اصطدم مع المعارضة بعد اتفاقية كامب ديفيد، فعندما طلب من "محيى الدين" أن يسافر معه إلى القدس ورفض، أبلغنى زميل صحفى، أن هناك عضوا بمجلس الأمة عن حزب التجمع سيسافر مع السادات فى الطائرة، وكان عضوا عن محافظة الفيوم، وساعده فى ذلك يوسف والى، ووقتها أعلن الحزب فصل العضو، ووصل الخبر إلى السادات على الطائرة وقمت بإبلاغ مراسل "الأسوشيتد برس" فى القاهرة فانتشر الخبر باللغتين العربية والإنجليزية.
وأشار إلى أن السادات اعتقل كل قيادات "التجمع" ما عدا 4 منهم محيى الدين، وقال "أريد أن أكسر أنيابهم ويبقوا أحياء حتى لا يقال إننى أتعرض للحياة الحزبية"، وعقب ذلك حدث ارتباك فى الحزب، فتم تصعيد قيادات أخرى لفترة مؤقتة لحين خروج المعتقلين.
وأضاف: "الأنظمة لم تستوعب الدرس، كما أن الأجيال تتغير بالتغير الزمنى، والسادات ارتمى فى حضن الإخوان ولم يدرك أن من يربى الثعابين فى بيته حتما ستدلغه".
وقال حسين عبدالرازق، عضو المكتب السياسى لحزب التجمع، إن حملة الاعتقالات التى سبقت اغتيال السادات شملت 1536 معتقلا، فى الفترة من 2 إلى 5 سبتمبر، واتهم الرئيس الراحل الأحزاب والقوى السياسية والجماعات الإسلامية والمسيحية بالتآمر على الوطن، وأجرى استفتاء شعبيا "مزورا" - بحسب قوله- وجاءت النتيجة بالموافقة على جميع القرارات بما فيها قرار الاعتقال.
وتابع: "التجمع اعتقل من أعضائه 23 منهم 15 عضوا من الأمانة العامة و3 من اللجنة المركزية و5 من المؤتمر العام"، مشيرا إلى أن زوجته الكاتبة الصحفية فريدة النقاش صدر لها جواب اعتقال رغم أنها كانت مقبوضا عليها فى مارس من نفس العام بتهمة الانضمام إلى الحزب الشيوعى المصرى.
"السادات" و"البابا شنودة".. علاقة متوترة انتهت بالتحفظ البابا شنودة
لم تكن العلاقة بين الرئيس السادات والبابا شنودة الثالث على ما يرام، وسرعان ما قرر السادات التحفظ عليه فى دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون، وإلغاء قرار تعيينه، وتشكيل لجنة لإدارة الكنيسة.
وبتولى حسنى مبارك مقاليد الحكم فى 14 أكتوبر 1981 خلفاً للسادات بعد اغتياله، أجرى عددًا من الزيارات الخارجية، فأوفد البابا شنودة بعض الأساقفة لأبناء الكنيسة من المتواجدين بالمهجر لتهدئة الأجواء وضرورة الترحيب بالرئيس حفاظًا على صورة مصر، وكانت هناك عدة محاولات لإلغاء تحديد إقامة البابا، إلى أن قام مبارك فى 3 يناير 1985 بإصدار قرار جمهورى بإلغاء قرار السادات، وإعادة تعيين الأنبا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية.
وضمّت قائمة الاعتقالات 1536 مفكرًا وسياسيًا ورجل دين وتم تشكيل لجنة للقيام بالمهام البابوية ضمت خمسة أساقفة هم الأنبا مكسيموس، أسقف القليوبية، والأنبا صموئيل، أسقف الخدمات، والأنبا جريجوريوس، أسقف البحث العلمى، والأنبا أثناسيوس، أسقف بنى سويف، والأنبا يوأنس، أسقف الغربية، وشملت قرارات التحفظ 8 أساقفة بسجن المرج هم الأنبا أمونيوس، أسقف الأقصر، والأنبا بمواك، والأنبا بنيامين، أسقف المنوفية، والأنبا بيشوى، أسقف دمياط، والأنبا بيمن، أسقف ملوى، والأنبا تادرس، أسقف بورسعيد، والأنبا فام، أسقف طما، والأنبا ويصا، أسقف البلينا، بالإضافةً إلى 24 قسيسًا منهم القمص إبراهيم عبده والقمص بولس باسيلى والقمص بيشوى يسى والقمص عبدالمسيح بسيط أبوالخير، وكان وقتها خادمًا فى الكنيسة، وتمت مصادرة عدد من الصحف من بينها الكرازة ووطنى، ووجُهّت اتهامات لهم بالتعصب وتعريض الوحدة الوطنية للخطر، كما وجهت للبابا تهمة الحض على كراهية النظام وإضفاء الصبغة السياسية على منصب البطريرك.
الكاتب والمفكر كمال زاخر قال إن العلاقة بين الرئيس السادات والبابا شنودة بدأت متوترة، حيث شهدت منطقة الخانكة حادثا طائفيًا فى نوفمبر عام 1972، وأضرم متشددون النيران فى الكنيسة ومنازل ومحال لأقباط، وهو ما دفع الكهنة للمرة الأولى للخروج فى مسيرة والإصرار على الصلاة على أنقاض الكنيسة المحترقة، وهو ما اعتبره السادات تهديداً من البابا شنودة.
أضاف: "بعد فترة قليلة زار الرئيس السادات الكاتدرائية، بالعباسية، وظل يومًا كاملًا مع البابا شنودة يتحدثان سويًا، ما خفف من حدة التوجس الذى استحوذ على السادات إزاء الواقعة، ثم توترت العلاقة مرة أخرى عقب زيارة البابا للولايات المتحدة الأمريكية"، وتابع: "دخل طرف ثالث فى العلاقة بين الرئيس والبابا وهو الخليج والسعودية التى كانت تريد تغيير هوية مصر، ما انتهى بالتحفظ على البابا فى دير الأنبا بيشوى بعد أحداث الخانكة،
وتمت مصادرة صحف ومجلات كنسية".
اعتقالات سبتمبر 1981.. حين اجتمع "الإسلامى" و"الشيوعى" فى الزنزانة عمر التلمساني
اعتقالات سبتمبر التى لم تفرق بين أجنحة خصوم الرئيس السادات المختلفة، جمعت بين اثنين من ألد الأعداء داخل الزنازين، ووحدت اتهاماتهم رغم اختلاف الأيديولوجيا التوجهات، وهما الإسلاميون واليسار الشيوعى الذين كانوا عماد حركة الاعتقالات الأبرز فى تاريخ مصر الحديث.
طالت اعتقالات السادات 1536 شخصًا، حسب الرقم الرسمى المعلن، أو أضعاف ذلك كما يؤكد عدد من معاصرى المرحلة، على رأسهم الكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل، أحد أبرز معتقلى سبتمبر 1981، ورغم أن الاعتقالات طالت مختلف ألوان الطيف السياسى فى مصر وقتها، إلا أنها استهدفت للمرة الأولى نقيضى معادلة قلما اجتمعا فى معسكر واحد، خاصة فى عهد السادات الذى كان أشهر من استخدم ثنائية الإسلاميين واليسار لتحقيق توازن سياسى يضمن هيمنته على السلطة، لتضم زنازين سجن طرة أقطاب التيارين المتضادين من الرجال، فيما اختص سجن القناطر بالنساء، فضلًا عن سجن أبى زعبل الذى خُصص لرجال الدين المسيحى من القساوسة والرهبان.
جاورت اعتقالات سبتمبر بين مرشد جماعة الإخوان المسلمين عمر التلمسانى والكاتب الصحفى محمد حسنين هيكل، إلى جانب المفكر والمحامى اليسارى البارز أحمد نبيل الهلالى، وبين مجموعة من أبرز كوادر التيار الإسلامى لاحقًا مثل عبدالمنعم أبوالفتوح، ومحمد حبيب، وأحمد المحلاوى، وعبدالحميد كشك، ومحمد عبدالقدوس، وآخرين، ونقيضهم مثل أبوالعز الحريرى، وحمدين صباحى، وآخرين، فى سابقة تاريخية جمعت خصوما فرقتهم الأيديولوجيا وجمعتهم زنازين السادات.
صحفيون فى "اعتقالات سبتمبر": هيكل وصباحى وحلمى مراد "عبدالقدوس": طعاملونا فى السجن أفضل من الإسلاميين".. وعواطف عبدالرحمن: "صليت شكرًا لله بعد الاغتيال" محمد عبد القدوس
"المعاملة كانت حسنة لكن الإسلاميين كانوا بيتعذبوا".. بتلك الكلمات بدأ الصحفى محمد عبدالقدوس شهادته عن اعتقاله ضمن ما لا يقل عن 1500 شخص شملتهم حملة اعتقالات بأوامر الرئيس الراحل محمد أنور السادات ، فى سبتمبر 1981 انتهت باغتياله وتولى محمد حسنى مبارك حكم البلاد.
صحفيون عدة شملتهم كشوف تضمنت أوامر الاعتقال، فى أعقاب اعتراض الرأى العام المصرى على اتفاقية السلام مع إسرائيل، واصفًا قرارات الاعتقال بـ"التحفظ"، مبررًا إياها بأنها صدرت بحق "أشخاص توافرت قبلهم دلائل جدية على أنهم قد ارتكبوا أو شاركوا أو جندوا أو استغلوا على أى صورة كانت الأحداث التى هددت الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى أو سلامة الوطن".
وتضمنت القرارات العشرة التى ألقاها السادات فى بيان للشعب نقل بعض الصحفيين وغيرهم من العاملين فى المؤسسات الصحفية القومية، وبعض العاملين فى اتحاد الإذاعة والتليفزيون والمجلس الأعلى للثقافة الذين أثبتت دلائل جدية ممارستهم نشاطاً له تأثير ضار فى تكوين الرأى العام، أو هدد الوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى أو سلامة الوطن، وتم نقلهم إلى هيئة الاستعلامات أو غيرها من الجهات الحكومية التى يحددها رئيس مجلس الوزراء.
محمد حسنين هيكل، حمدين صباحى، محمد عبدالقدوس، فريدة النقاش، عواطف عبدالرحمن، فتحى رضوان، حلمى مراد، صافيناز كاظم، وغيرهم تم اعتقالهم ضمن مجموعة من الصحفيين عارضوا قرارات السادات، فانتهى الأمر بهم داخل السجون.
رغم قتامة الوضع آنذاك إلا أن "عبدالقدوس" قال لـ"المصرى اليوم" إنه استفاد من تلك التجربة، خصوصًا أنه زامل عددا من المفكرين والكتاب والشخصيات العامة فى السجن، وعلى رأسهم فؤاد سراج الدين، الذى كان معه فى نفس الزنزانة، موضحًا أنه كان يعامل معاملة حسنة طوال الفترة التى قضاها وراء القضبان.
وعن الأوضاع داخل السجن، مازال "عبدالقدوس" يتذكر مناقشاته السياسية مع "هيكل" و"سراج الدين"، وغيرهما من أقطاب الفكر فى مصر، مؤكدًا أنه لم يكن يأمل فى الخروج مبكرًا، خصوصًا أن أوضاعه ومن معه كانت أكثر "آدمية" من أوضاع الإسلاميين، الذين تعرضوا لأسوأ أنواع التعذيب فى سجن الاستقبال، على حد قوله.
فريقان من المعتقلين، الأول مجموعة الإسلاميين الذين ذهبوا إلى سجن الاستقبال، وتم تعذيبهم وقُتل منهم كمال السنانيرى جراء التعذيب، والثانى عدد من المثقفين ذهبوا إلى سجن المزرعة، كانت معاملتهم أفضل بكثير، وفقًا لشهادة "عبدالقدوس"، موضحًا أنهم كانوا يعرفون الأخبار عن طريق إذاعة خارجية تبث الأخبار فى أرجاء السجن.
الأستاذة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، عواطف عبدالرحمن، أدلت بشهادتها فى كتابها "صفصافة" بالقول: "فى أغسطس 1981، ذهبت إلى برلين الشرقية للمشاركة فى المؤتمر الدولى للأمم المتحدة التى تحدثت فيه عن حق الشعب فى جنوب أفريقيا وحق الشعب الفلسطينى، وبعد الانتهاء من المؤتمر ذهبت إلى بودابست للقاء رضوى عاشور ومريد البرغوثى واستمعنا إلى خطاب السادات الذى أعلن فيه اعتقال 1365 مواطنًا من المعارضة وكان اسمى ضمن قائمة المطلوبين".
وأصرت الأستاذة، المعروفة بميولها الشيوعية، على العودة للوطن، وتم ترحيلها إلى سجن القناطر بمجرد وصولها بتهمة تدبير مؤامرة لقلب نظام الحكم وبث الفتنة الطائفية، بينما كان السبب الحقيقى معارضتها لاتفاقية السلام والذهاب للقدس والذى أدى إلى تصفية المشروع القومى العربى، وفقًا لقولها.
100 يوم قضتها "عبدالرحمن" بجانب أخريات فى السجن على رأسهن لطيفة الزيات ونوال السعداوى وأمينة رشيد وصافيناز كاظم، مازالت تذكر الأوضاع حينها، وتفخر بمعارضتها للسادات وقراراته، ولا تنسى فرحتها بعد سماعها خبر اغتيال السادات، مؤكدة أنها صلت مع أصدقائها المعتقلات السياسيات صلاة شكر لله.
"المعتقلون الآن أضعاف معتقلى عهد السادات"، يقول "عبدالقدوس" رأيه فى الوضع السياسى الحالى، والفرق بينه وبين عهد السادات، موضحًا أن الأمور أصبحت الآن أسوأ مما كانت عليه فى الماضى، مختتماً حديثه: "مصر لم تتقدم خطوة إلى الأمام".
يوميات نسائية فى سجن "السادات".. كفاح توفير "الخبز الملكى" خلف أسوار القناطر
صافيناز كاظم
"نعم! لقد كنت واحدة من الذين تم ترويعهم فى ذلك الفجر الخميس 3/9/1981، ورأيت فى طريقى إلى السجن عمائم الشيوخ والقساوسة تُساق إلى الإهانة والبُهتان".. بهذه الكلمات ذيّلت الأديبة والكاتبة صافيناز كاظم شهادة نشرتها فى 2008 عن اعتقالات سبتمبر 1981، فى فاصلٍ من الحمد والشكر على مصير مُحتمَل كان بانتظار أعداد تقدر بالآلاف، ألقى القبط عليهم فى حملة تحفّظ موسعة شملت "عناصر تهدد وحدة وأمن البلاد"، كما وصفتهم مانشيتات الصُحف حينئذ، ليُصبح مصير كمذبحة القلعة مُحتملاً فى حقهم.
توزّعت غنيمة حملة التحفُظ واسعة النطاق التى انطلقت شارتها فى فجر الثالث من سبتمبر عام 1981 على السجون المصريّة، فكان رجال دين مسيحيون قساوسة ورُهبانًا من نصيب زنازين سجن أبى زعبل، فيما أُرسل أقطاب التيارات السياسية والأكاديمية المُختلفة من الرجال إلى سجن طُرة، ومُلحق طُرة، بينما أُرسل القسم النسائى من حملة التحفُظ إلى سجن "القناطر".
شملت قائمة التحفُظ النسائية عددًا من الوجوه البارزة، تُعدد كاظِم من رأتهم فى مرة السجن تلك التى لم تكُن الأولى بالنسبة لها: فريدة النقاش، وشاهندة مقلد، والدكتورة نوال السعداوى، والدكتورة أمينة رشيد، والدكتورة عواطف عبدالرحمن، والدكتورة لطيفة الزيّات.
فى ليلة السجن الأولى، أفادت كاظم كثيرًا من تجربتى السجن السابقتين فى السبعينات خاصتها، لتستخلص حيلة خاصة للذود عن جسدها ضد الصراصير المنتشرة بكثافة فى عنبر سجناء الرأى بمستشفى السجن الذى قضت فيه ليلتها الأولى، عن طريق ترك الأنوار مُضاءة لطرد الحشرات التى تأنس بالظلام، الأمر الذى رفضته فريدة النقاش تمامًا وقتها، إذ أبت إلا أن تنام فى الظلام كما اعتادت. استعادت كاظم هذه الساعات من الليلة الأولى الموحشة للاعتقال بعد ما يزيد على العشرين عامًا فى شهادتها المنشورة بمقال بالشرق الأوسط، فى خفة هذه المرة، منزوعة المرارة مازحة مع شاهندة مقلِد "ويقولوا ما فيش تعذيب.. ما اسم السجن مع فريدة إذن؟".
لم تدُم أيام المزاح ورفقة صافيناز وشاهندة طويلاً، والتى كللتها أمسيات إذاعية من مذياع أخذته فريدة النقاش من عنبر سجينات المخدرات المجاور على سبيل الإعارة، حيث جاءت أوامر إدارة السجن بنقل صافيناز وأمينة رشيد إلى عنبر المتسولات، كضرب من "التكدير"، حيث يُعرف عنه انتشار الحشرات والأمراض الجلدية كالجرب بين نزيلاته.
فى عنبر المتسوّلات، كانت الدكتورة نوال السعداوى والدكتورة عواطِف عبدالرحمن من الوافدات المتأخِرات، ضجّ العنبر الذى اشتمل على أربع عشرة امرأة وفتاة من سجينات الرأى، وسجينات التسوُل، كما تستعيد السعداوى فى كتابها المنشور بعد الأحداث بسنوات ثمان "مذكراتى فى سجن النساء"، بروايات القبض على رموز الحركة النسائية المصرية، باختلاف الظروف. ففيما تأخر القبض على عواطف عبدالرحمن، أستاذة الصحافة والإعلام بجامعة القاهرة حتى عودتها من الخارج، ليتم تلقفها وأسرها من مطار القاهرة الدولى، تذمّرت نوال السعداوى، الطبيبة والمحاضرة بكلية الطب وقتها، أن قطع رجال التحفُظ عليها فقرة إبداع أدبى، بطرقٍ مزعج على باب منزلها، رفضت الامتثال إليه حيث لم يحمل الزوار "إذن نيابة" ليضطروا لكسر باب شقتها.
لم تكد السعداوى تتجاوز صدمة اقتحام شقتها، والقبض عليها، حتى بدأت خريطة العنبر السياسية ترسم، لتسبقها مواقفها السياسية والاجتماعية، فى نقاشات خلافية حامية، ما لبث العنبر برمته تخطيها، بتنظيم الصفوف، وتحديد المطالب والأولويات، كتطهير العنبر والمراحيض من الحشرات، واستكمال بناء السور بين العنبر، وبين عنبر الأمهات السجينات المجاور، فضلاً عن التحصُل على "خُبز ملكى" أخلى من الحشرات والسوس وأكثر آدمية من "الخبز الميرى"، المطالب التى نجح التنظيم النسائى داخل العنبر فى الدفع بها لإدارة السجن والتحصُل على معظمها.
"الطبنجة أهون عندى من الورقة والقلم فى العنبر"، عبارة أثارت الطبيبة الكاتبة الحبيسة وزميلاتها عند طلبهن أوراقا وأقلاما ليقمن بالكتابة لذويهن، الأمر الذى قررت السعداوى التمرُد عليه فى طور من أطوار وجودها داخل السِجن، عن طريق الانفتاح على نزيلات العنابر التهم الأخرى، لتعينها "فتحيّة القتّالة" على تهريب وتلقى خطابات إلى زوجها وأولادها، بواسِطة صديقة لم تكن الوحيدة، حيث صادقها بدورهن: اعتدال وبدور وفوقية وزوبة.
عن طريق مذياع مُهرّب آخر، أدارت السعداوى بوصلته تجاه إذاعة لندن، تأكد لدى السجينات خبر وفاة السادات ، الأمر الذى آذن بأمل الخروج، والذى لم يتِم للسعداوى، التى واجهت من المدعى العام الاشتراكى تهمًا تمسّ سمعتها الوطنية، تقدمها التخابر مع الجانب الروسى، قبل الثالث والعشرين من نوفمبر عام 1981، لتكون ضمن 30 التقوا بالرئيس الجديد بعد إخلاء سبيلهم، بأمل فى جمهورية جديدة "لا يساق فيها الإنسان للسجن لأنه ولد بعقلٍ يفكر"، حسب تعبيرها، فى مقدمة كتابها "مذكراتى فى سجن النساء".
علا غانم تفكر في عرض حياتها الشخصية في...
ماذا قال الفنان نضال الشافعي عن جنسيته...
شاهد بالصور بطل فيلم "امبراطورية ميم"...
لأول مرة صورة نادرة للفنانة الراحلة دلال...
حقيقة الصورة المتداولة لنجل الفنان أحمد...
صورة لياسمين صبري على مائدة أبو هشيمة...
ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية