سعوديون والتواصل الاجتماعي: حراك وصراع..وحوار لم يثمر

الجمعة , 5 أغسطس 2016 ,12:32 ص , 12:32 ص



رافق ثورة موقع التواصل "تويتر" قبل نحو خمسة أعوام، حضور المجتمع السعودي في مختلف المواقف والمشاهد الدولية والمحلية، وطفت على السطح شخصيات أضحت تسمّى بقادة الرأي، لما لها من تأثير قوي في تحريك الآراء والمشاعر وتأجيجها، في ضوء المتابعة والاهتمام الكبيرين .

فتراهم تارة يجتمعون لشن هجوم على شخص بذاته، وطوراً تبدأ الفكرة بمناقشة وتنتهي بصراع، فضلاً عن أن النوايا تلوح بإسقاط الآخر، مدافعاً كل منهما عن تياره بين ليبيرالي ومتشدد، إلى أن يصل التراشق إلى العنصرية والقبلية والطائفية، والضحية الوحيدة هي الجمهور الضائع بينهما .

وزادت حدة الصراع أخيراً مع المشهد الدولي والأحداث الدامية التي طاولت الجميع، في شتى المستويات، ولا يزال السعودي متصدّراً الموقف دائماً، بين تحليل ورؤية بعيدة المدى، وبين ما يسميه بعضهم "تدخّلاً في شؤون الآخرين"، حتى إن لم تمس القضية شخصه أو وطنه، ليتساءل البعض الآخر عن سبب شدة دفاعه عن تلك القضية، فيما علت أصوات في جوانب دولية وانخفضت في تلك الوطنية .

ولعل محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا كشفت عن كثير من التشاحن، ومحاولة نيل كل طرف من الآخر، ليصل بعضهم إلى إجراء استفتاء عبر "تويتر" عما إذا كان مخططو الانقلاب يستحقون الإعدام أم لا. ويأتي الآخر ليبرز دور مسرحية مفتعلة لهذا الانقلاب، وتبدأ التحليلات والمناقشات، التي يجدها بعضهم جيدة على اعتبار أن السعودي يحلل ويناقش ويعبّر عن رأيه الخاص. ولكن الواقع يناقض ذلك، إذ إن النقاش يتحوّل إلى صراع، وتشكيك في الوطنية، والتبعية للتنظيمات الإرهابية، ليفرحوا ويغضبوا للانقلاب ولفشله، لتُحكى قصة الفرح ويُنحر الجمال ابتهاجاً. ويدخل الهاتف الخلوي الذي توجّه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بواسطته إلى الرأي العام في حراجٍ للشراء. وتنتهي القصة بأن يغيّر أحدهم اسم ابنه إلى "أردوغان"، ويبلغ السيل الزبى، حتى يخرج الأتراك ويقولوا للمتدخّلين "دعونا وشأننا ".

 

شخصنة الأفكار والآراء

ويرى رئيس "جمعية علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية" الدكتور إبراهيم الزبن أن "حوار المجتمع السعودي في الآونة الأخيرة حول الأحداث الدولية، تحوّل إلى جدل وخلاف وشخصنة للأفكار والآراء، وأصبح وسيلة لزيادة الخلافات وتعميقها بين أبناء المجتمع، والتحزّب، والفئوية، والتصنيف وتبادل الاتهامات"، وقال لـ "الحياة": "في ظل التطورات اليومية في قضايا دولية كثيرة، أصبح التواصل الفكري والثقافي والاجتماعي بين الناس في المجتمعات المختلفة وسيلة لتنمية قدرة الأفراد على التفكير والتحليل والتواصل مع الآخرين عبر الحوار والمناقشة. فهو من أهم أسس الحياة في عصر مجتمع المعرفة والثورة العلمية بتطبيقاتها الثقافية والتقنية المختلفة"، وزاد: "الحوار عملية تتضمّن المحادثة بين أفراد أو مجتمعات على اختلاف توجهاتها وأفكارها، وهو من ضرورات الحياة الاجتماعية باعتباره وسيلة للتعبير عن أفكار الناس وحاجاتهم وتجاربهم، وتهيئتهم للمشاركة والتواصل والتفاعل مع الآخرين. كما أن الاختلاف في الحوار حول القضايا الدولية أمر طبيعي، وغالباً ما يساعد النقاش في الخروج برؤية مشتركة أو على الأقل تفهّم الرأي الآخر ".

واعتبر الزبن أن "الحوار في المجتمع السعودي بأشكاله المختلفة، الثقافية والسياسية والفكرية والإجتماعية، يعدّ مطلباً أساسياً تمليه طبيعة الحياة الاجتماعية، وتتأكد الحاجة إليه لفهم قضايا محلية ودولية معاصرة كثيرة في شتى المجالات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية"، ولاحظ "أن الحوار حول الأحداث الدولية في المجتمع السعودي تحوّل في الآونة الأخيرة إلى جدل وخلاف وشخصنة للأفكار والآراء، وبالتالي أضحى وسيلة لزيادة الخلافات بين أبناء المجتمع وتبادل الاتهامات، بسبب عوامل عدة، منها غياب ثقافة الحوار على مستوى مؤسسات المجتمع، كالأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والحي، وعدم الالتفات إلى أهمية إعداد أفراد المجتمع خصوصاً الشباب منهم، للمشاركة المجتمعية والثقافية والاقتصادية، لا سيما في ظل توافر مواقع التواصل الاجتماعي التي تفسح مجالاً واسعاً للنقاش والفوضوية في الطرح، من دون وجود رقابة مجتمعية وضعف التهيئة لاستخدامها في شكل فاعل ".

وعدد الزبن أمثلة عدة في هذا الإطار، منها "أن قضايا دولية كثيرة مطروحة للنقاش، يتم تداولها بناء على الخلفية الثقافية للأفراد، من دون ربطها بمحيطها المجتمعي وسياقها الثقافي والسياسي. وعلى المستوى الإعلامي هناك إقصاء لأراء الجمهور وتهميشها، إضافة إلى غياب الحوار في البيئة التعليمية، وضعف المشاركة المجتمعية ".

 

تراشق بالألفاظ

وللتغلب على هذه المشكلة، يرى الزين أن "الهدف من مناقشة القضايا هو الوصول إلى الحقائق وفهم الواقع، والابتعاد عن الشخصنة والعدائية للمخالفين والتحزّب للآراء والأفكار، إضافة إلى أهمية التدريب على الموضوعية في الطرح باستخدام المعلومات والحقائق والأدلة ".

ويرى الباحث في الشبكات الاجتماعية أستاذ علم الحاسوب عصام الوقيت، أن "نظام مكافحة الجرائم الإلكترونية قاصر في قضية الصراع وتحوّله إلى تراشق بالألفاظ العنصرية وغيرها. ويحتاج إلى مراجعة مواده وتفصيل أوضح فيها". ويوضح: "يحتدم النقاش ويخرج عن أخلاقيات وآداب الموجودة في ديننا وعاداتنا. وساعدت طبيعة الإنترنت والشبكات الاجتماعية والخصوصية، التي تمنحها للمستخدمين وتحديداً من يعتمدون أسماء مستعارة، بذلك في شكل كبير"، معرباً عن شكه "في أن من يدوّن الكلام على صفحته في شبكات التواصل سيتلفظ بالعبارات ذاتها لو كان حواره مع الطرف الآخر وجهاً لوجه. وهذه المشكلة غير محصورة في مجتمعنا، بل هي موجودة في مجتمعات أخرى أيضاً". ويجد الوقيت أن نظام مكافحة الجرائم الإلكترونية: "قاصر، فالوثيقة الخاصة به لا تتعدّى ثلاث صفحات. والكثير من مضمونها قابل للتأويل والتفسير بطرق عدة. وتذكّر الوثيقة في مادتها الثانية وفي لائحة الأهداف بحماية المصلحة العامة، والأخلاق، والآداب العامة، وكذلك في المادة الثالثة، فقرة 5 (التشهير بالآخرين وإلحاق الضرر بهم) إذ لا تزيد عقوبتها السجنية عن عام ولا تتجاوز غرامتها المالية 500 ألف ريال. لذا أعتقد أن النظام قاصر جداً في هذه القضية وغيرها، ويحتاج إلى مراجعة مواده وتفصيلها في شكل أوضح، وإلى متابعة وتفعيل، فالنظام إن لم يطبق سيبقى مجرّد حبر على ورق ".


الرياض - عبدالله الضعيان

المصدر | الحياة

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية