بلاها منصورة جديدة

كتب عبد الناصر سلامة | الاحد , 27 أغسطس 2017 ,1:28 ص , 1:28 ص



إنه فى يوم الأربعاء 29 سبتمبر 2009 نشرت جريدة «الأهرام» على لسان محافظ الدقهلية آنذاك، اللواء سمير سلام، تحت عنوان (أجريوم جديدة تهدد مستقبل 5.8 مليون مواطن بالدقهلية) النص الآتى: (وحول مدينة المنصورة الجديدة أو المدينة المليونية كما هو مخطط لها، يفجر السيد سمير سلام المفاجأة بحسرة وألم بالغين قائلا: انتهت الهيئة العامة للتخطيط العمرانى من تخطيط الموقع المزمع إقامة المدينة عليه، وتبلغ مساحته 110 آلاف فدان، فى المنطقة بين شاطئ جمصة وحدود المحافظة مع محافظة كفرالشيخ، بطول 23 كلم على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، إلا أننا فوجئنا بتصرف غريب، حيث أبرمت الشركة القابضة لتنمية جنوب الوادى والساحل الشمالى والغربى عام 2004 عقد بيع 1800 فدان من مساحة المدينة لشركة بتروكيماويات بالمخالفة لاختصاصاتها التى أنشئت من أجلها بموجب القرار الجمهورى رقم 25 لسنة 2004).

معلومة.. الشركة القابضة المشار إليها أنشئت عام 2002 وباعت الأرض عام 2004 وتم إلغاء الشركة عام 2007، وكان القرار الجمهورى قد حدد دورها فى تنمية الساحل وليس التصرف فى الأراضى إلا أنها تجاوزت القرار وباعت ما لا تملك!.

بعد ذلك بأربعة أيام، وتحديداً يوم الأحد 3 أكتوبر، كان اجتماع الرئيس مبارك بمجلس المحافظين، وفوجئ اللواء سمير سلام بالرئيس مبارك يقول نصاً: (إيه يا سمير اللى انت قلته فى الأهرام ده بخصوص المنصورة الجديدة، عموماً أنا ألغيت القرار بتاع التخصيص لشركة البتروكيماويات، وشوف ها تعمل إيه بقى، ممكن تبدأ تشتغل)، وهنا بدت السعادة البالغة على وجه سمير سلام، الذى ما إن انتهى الاجتماع حتى زف الخبر السار لأبناء الدقهلية، ومنهم العبد لله، ذلك أننى الذى كتبتُ التصريح الذى نُشر بالأهرام، وفى اليوم التالى 4 أكتوبر، كتبتُ الخبر الجديد، الذى نُشر بالصفحة الأولى تحت عنوان (مبارك ينتصر للمنصورة الجديدة)، بعدها بدأ سمير سلام فى الاستعانة بالرسوم الهندسية وتمهيد الأرض، إلى غير ذلك من إجراءات، إلى أن كان ما كان من أحداث 25 يناير 2011 التى أوقفت نمو الأخضر واليابس معا.

أرى أن تلك الواقعة يمكن أن نخرج منها بمجموعة من الملاحظات، أهمها المتابعة الجيدة لما ينشر والاستجابة الفورية، إلا أن ما يعنينى هنا هو القرار الجمهورى رقم 378 لسنة 2017 الذى أصدره أخيراً الرئيس عبدالفتاح السيسى بإنشاء المدينة على مساحة 5104 أفدنة، بعد أن كانت 110 آلاف فدان، ليس ذلك فقط، بل وتبعيتها كما نص القرار لهيئة المجتمعات العمرانية، بعد أن كانت لمحافظة الدقهلية حسب القرار السابق، ليس ذلك فقط أيضاً، بل وتخصيص خمسة مواقع داخل المدينة للقوات المسلحة، بمساحة إجمالية تبلغ 159.5 فدان، أيضاً ليس ذلك فقط، بل وعودة الـ1800 فدان إلى وزارة البترول!!

نحن هنا نتحدث عن مدينة مليونية، أى كان مقرراً أن يقطنها مليون مواطن، ذلك أن محافظة الدقهلية الأكثر اكتظاظاً بالسكان بعد محافظة القاهرة (6.5) مليون نسمة، كان المفترض أن تضم مدينة طبية، ومدينة للصناعات التكنولوجية، ومشروعات استثمارية، وأحياء إدارية، وتعليمية، ورياضية، وأنشطة سياحية وترفيهية، ذلك أنها تقع على شاطئ البحر المتوسط، إلى غير ذلك من كثير يضاهى المدن الجديدة فى العالم المتحضر، إلا أن تقليص المساحة إلى ما يزيد على خمسة آلاف فدان بقليل أطاح بهذا الحلم الدقهلاوى المصرى تماماً، لأسباب غامضة، وكأننا بصدد إنشاء قرية، وهو الأمر الذى أثار استياءً شعبياً فى أنحاء المحافظة، لم يجد من يدافع عنه سوى المحافظ الحالى، الذى وضع حجر أساس المدينة الثلاثاء الماضى مع وزير الإسكان، على الرغم من اعتراض كل المحافظين السابقين على مثل هذه الإجراءات مسبقاً. ما أود الإشارة إليه هو غياب الحوار المجتمعى من حياتنا، حتى فيما يتعلق بأمور ومصالح المواطنين المباشرة، ذلك أنه فى هذه المرحلة لا توجد مجالس شعبية محلية، كما لا يوجد برلمان حقيقى يمكن أن يعترض على قرارات السلطة التنفيذية أو على الأقل يعمل على تقويمها، كما لا يوجد إعلام على المستوى الذى يمكن أن يتصدى لمثل هذه القضايا، وبالتالى لم تترك الحكومة للشعب باباً للنفاذ منه أو للتعبير من خلاله سوى القضاء الإدارى، الذى يلجأ إليه المواطنون الآن فى كل كبيرة وصغيرة، ما جعله مكتظاً بعشرات الآلاف من القضايا على مدار العام، وهو ما أشاع حالة من السخط العام لم نكن أبداً فى حاجة إليها.

على أى حال، مازلت آمل فى العدول عن قرار السيد رئيس الجمهورية، بالعودة إلى الوضع السابق لإنشاء المدينة، سواء من حيث المساحة، أو التبعية، أو التخصيص لبعض الجهات السيادية، أو ذلك التخصيص المؤذى لوزارة البترول، مع الأخذ فى الاعتبار أن إنشاء هذه المدينة لا يستهدف تخفيف الضغط على مدن وقرى الدقهلية فقط، إنما بالدرجة الأولى تخفيف ضغط التعديات على الأراضى الزراعية، خاصةً إذا أخذنا فى الاعتبار طبيعة المحافظة الأكثر إنتاجاً للقمح والقطن والأرز على مستوى المحروسة، وهو ما لا يدركه المحافظ «الطبيب» القادم من خارج المحافظة، أما إذا كان لا يمكن تدارك الأمر فيمكن القول: بلاها منصورة جديدة، لسنا فى حاجة إلى مزيد من الفشل.

المصدر | المصرى اليوم

مواضيع ذات صلة

التهريج .. والفن
منذ 3085 يوم
الأهرام
المثليون !
منذ 3085 يوم
الأهرام
لا حرية للشواذ
منذ 3085 يوم
الأهرام
أمس فقط لا غير
منذ 3087 يوم
الأهرام
قانون لا يليق
منذ 3087 يوم
الأهرام
الحنيـن
منذ 3087 يوم
الأهرام

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية