«المدارس الدولية».. مراكز «القتل الرحيم» للهوية والانتماء

الأربعاء , 9 أغسطس 2017 ,4:10 م , 4:10 م



ولّى العديد من أولياء الأمور وجوههم شطر المدارس الدولية، مع زيادة التكدس بفصول المدارس الحكومية، وانتشار الدروس الخصوصية، وضعف مستوى المعلمين، مع غياب الأنشطة والاعتماد على التحصيل الدراسى بالدرجات.

لكنّ يد الإهمال والانتهاكات بدأت تطول عددًا من المدارس الدولية، فيما يتعلق بالمصروفات الدراسية حتى رغم صدور قرار لزيادة السنوية 7% على مصروفات العام الماضى، إذ تجاوزت النسبة التى نصت عليها الوزارة، بحسب ما رصده "مبتدا" إذ هناك مدارس تبدأ من 50 ألف جنيه بمرحلة الحضانه وتصل لـ 60 ألف بالمرحلة الخامسة، وأخرى تبدأ بـ 50 ألف جنيه، وتتعدى 100 ألف بالمرحلة المتقدمة.


مخاطر التعليم
ولم يقتصر الأمر على المصروفات والتراخيص وتزوير الشهادات، والتلاعب بالمصروفات الدراسية، بل تبرز الكارثة الخفية عند تسليط الضوء على داخل مناهج تلك المدارس، التى انشغلت عنها الجهات الرسمية وانصرفت لمشكلات التعليم الحكومى، وتقنين أوضاع مصاريف المدارس الدولية، وهو ما كشفته الباحثة التربوية الدكتورة بثينة عبدالرؤوف فى دراستها عن "مخاطر التعليم الأجنبى على هويتنا الثقافية وقيم المواطنة والانتماء وظاهرة انتشار المدارس الأجنبية الدولية فى مصر"، التى أشارت فيها إلى أن هذه المدارس تُطبّق أنظمة تعليمية أجنبية (حسب البلد الذى تتبع له) من حيث المناهج وطرق التدريس والأنشطة، ظهرت ونمت فى ظلّ سياسات الانفتاح الاقتصادى والخصخصة وحرية رأس المال فى الاستثمار فى جميع المجالات بما فيها التعليم، ولا يقتصر هذا النوع من التعليم على المدارس التابعة للقنصليات والسفارات، إنما قد يكون قسمًا أو فصلًا ملحقًا ببعض مدارس اللغات الخاصة.

"وأوضحت خلال الدراسة أن هيئة التدريس من المدرسين والمشرفين والإداريين فى هذه المدارس من الأجانب، رغم أن هناك قرارًا وزاريًا مصريًا يقضى بألا تزيد نسبة الأجانب فى المدرسة على 10% من أعضاء هيئة التدريس، محذرةً من أن المدارس منفصلة تمامًا عن المجتمع المصرى ولا تقع تحت طائلة أى قانون مصرى ، علاوةً على صوريةِ الإشراف إذ تخضع لإشراف هيئات أمريكية تطبق عليها مقاييسها وأهدافها.



"عندما قمت بتحليل محتوى بعض مناهج المدارس الأمريكية فى مصر فوجئت بأن بعض تلك المناهج تعمل على تحقير العرب، وأنه لا وجود لمادة الدين أو التربية القومية أو الجعرافيا والتاريخ المصرى، فى حين تدرس مواد الحرية الشخصية والجنسية، وقضايا الشواذ جنسيًا، والأطفال يصلون إليها صغارًا جدًا لم يستطيعوا بعدُ أن يخضعوا للهوية الثقافية لآبائهم ومجتمعهم، ويدخلون إلى منظومة المدرسة، ليتعلموا من خلالها معايير وقيم المجتمع الأمريكى الذى يختلف عن المنظومة الثقافية للأسرة والمجتمع الذى ينتمون إليه، مما يؤدى إلى صراع داخل الفرد لتشكيل الهوية، وعادة ما يرفض الأطفال فى هذه الفترة الانتقالية ثقافة آبائهم والمجتمع الذى يعيشون فيه ويعتنقون ثقافة المجتمع المضيف"، تقول الباحثة التربوية.

وعقّبت خلال حديثها معنا، بأنها أجرت بحثًا صغيرًا على الطلاب حين أصدرت وزارة العليم قرارًا بتدريس مادة الدين واللغة العربية والتربية القومية، عام 2011، لمعرفة مدى تأثر الطلاب بهذه المواد، ففوجئت بأن الطلاب لا يحضرون تلك المواد، وليس لديهم وعى بتاريخ البلاد أو حضارتهم ولغتهم العربية".


نشأة المدارس
مع بداية القرن السابع عشر كانت توجد فى مصر مدارس يونانية، لكنها كانت تستهدف أبناء الجالية اليونانية ولم يلتحق بها المصريون، وتعتبر المدرسة التى أنشأها الرهبان الفرنسيسكان بكنيستهم بحى الموسكى عام 1732 أول مدرسة أجنبية فى مصر لتدريس اللغة الإيطالية للمصريين والأجانب، وعام 1840م قام الآباء بتأسيس الكلية الفرنسية بالإسكندرية والجمعية الإنجيلية البروتستانتية، ثم تبعتها مدارس الآباء اليسوعيين عام 1880م.

ويشير مؤرخو المدارس الأجنبية إلى أن الجالية اليونانية كلما حلوا فى بلد أنشأوا فيه كنيسة ومدرسة كما فعلوا فى الإسكندرية عام 1843م، ثم تطور بهم الحال إلى إنشاء الكليات للتعليم العالى ومنها الكلية الأمريكية بالقاهرة.

وانتشرت بمصر المدارس الامريكية والالمانية والبريطانية والفرنسية وغيرها، ولم تزدهر خلال فترة حكم الرئيس عبد الناصر، وعادت للظهور خلال فترة حكم السادات عام 1970، لوجود أفراد أجنبية تسعى لتوفير تعليم لأبنائها، وتم قبول المصريين بها، وبدأ التعليم الأجنبى فى الازدهار بمصر.

إحصائيات المجموعة الاستشارية للمدارس الدولية لعام 2015، أكدت أن مصر هى ثالث دولة عربية فى عدد المدارس الدولية، بواقع 183 مدرسة بمعدل 2,25 مدرسة لكل مليون نسمة، فيما صرح الدكتور طارق شوقى، وزير التربية والتعليم، أن عدد المدارس الدولية على مستوى الجمهورية 217 مدرسة فقط، من بين 55 ألف مدرسة أى تمثل 3% فقط من حجم المنظومة التعليمية.

وطبقا لإحصائيات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء، فإن عدد التلاميذ بمراحل التعليم قبل الجامعى وصلت إلى 21.9 مليون تلميذ للعام الدراسى 2015/2016، ووصل عدد المدارس الابتدائية إلى 18 ألفا و85 مدرسة، بإجمالى 10 ملايين و638 ألفا و860 تلميذا، أما المدارس الإعدادية فبلغ عددها 11 ألفا و466 مدرسة بإجمالى 4 ملايين و630 ألفا و636 تلميذا، وعـدد مدارس التعليـم الثانوى العـام بلغ 3.1 ألف مدرسـة بالتربية والتعليم، و1.9 مليون تلميذ بالمرحلة الثانوية.


دراسات هامة
دراسات عديدة تطرقت لأزمة مناهج المدارس الدولية، فى ظل اهتمام وزارة التعليم بأزمات المصاريف والتراخيض، فظهرت دراسة أجراها الدكتور أحمد ثابت، دكتور العلوم السياسية حول "الهوية العربية الإسلامية ودور المؤسسة التعليمية فى تشكيلها"، من خلال عينة من طلاب الجامعة الأمريكية حيث تبين وجود عدد من الظواهر أهمها أن "71.5% من طلاب الجامعة الأمريكية لا يعرفون لون العلم المصرى أو ترتيب ألوانه، و27.5% يرغبون فى الحصول على الجنسية الأمريكية، و75% يرون أن الوجود الأوروبى الاستعمارى فى مصر كان تعاونًا وتنويرًا ولم يكن استعمارًا".

وكشفت دراسة أخرى "ميدانية" للدكتورة سهير صفوت، أن الطلاب غير ملمين بالأعياد القومية الوطنية بقدر إلمامهم بالأعياد القومية الأمريكية، وذكرت على سبيل المثال، ما يتم لتعريف التلاميذ من خلال مواد شيقة ورسومات جرافيك بتاريخ العيد اليهود وما لاقاه اليهود من عذاب وقهر حتى الخروج الكبير، هذا الى جانب الاحتفال برأس السنة العبرية، وكيفية الاحتفال وصور عديدة للأسر اليهودية وأطفالهم يوقدون الشموع ويصلون.

أزمات الهوية
وخلال الأعوام القليلة الماضية، تناول الإعلام العديد من الأزمات المتعلقة بالتعليم الدولى. رصد "مبتدا " أبرزها وهى: خلال عام 2015 قامت وزارة التربية والتعليم، بإلغاء القرارات الوزارية المنشأة لعدد 4 مدارس دولية، بعد انتشار ظاهرة تزوير شهادات الدبلومة الأمريكية. وشهد العام الماضى أزمة المدرسة الأمريكية بالمعادى، حينما اكتشفت وزارة التربية والتعليم فى مصر، أن المدرسة وضعت درسًا ضمن مناهج التاريخ للصف الثالث الثانوى، مفاده أن إسرائيل هى من كسبت حرب 6 أكتوبر 1973 ضد مصر، وقد تدخلت وزارة الخارجية المصرية لدى السفارة الأمريكية بالقاهرة، لتعديل هذا المنهج.


وخلال فبراير العام الماضى، كشف جهاز الرقابة على المطبوعات الأجنبية بالقاهرة، عندما قام بفحص شحنة جديدة من الكتب التعليمية الخاصة بطلاب المدارس الأجنبية "الدولية" فى مصر، والقادمة من العاصمة البريطانية "لندن"، أنها تتضمن 80 ألف كتاب للتاريخ والجغرافيا به فصل كامل عن الحدود المصرية، ليس من بينها منطقة "حلايب وشلاتين"، حيث تضمن الكتاب خرائط تصنف هذه المنطقة ضمن حدود السودان وتزعم أن المواثيق الدولية تنص على ذلك، وقام الجهاز بإخطار النيابة العامة وكافة الجهات السيادية بتفاصيل الكارثة، حيث أمرت جهة سيادية عليا بالتحفظ على جميع الكتب ومنع تداولها أو تسليمها لطلبة المدارس المصرية، وإجراء التحريات اللازمة حول دار النشر اللبنانية البريطانية التى قامت بطباعة الكتب.

ومن أشهر قليلة تم عرض، عبر مواقع التواصل الاجتماعى، فيديو لحفل راقص لإحدى المدارس الدولية لُطلاب المرحلة الثانوية بالتجمع الخامس، حيث استعانت إدارة المدرسة براقصات روسيات. ورد مدير المدرسة بأن الحفل أقامه الطلاب بأحد الفنادق بمصر الجديدة وكان من ضمن فقراته فرقة رقص روسية، وأكد أن المدرسة ليس لها علاقة بهذا الأمر، ولا تقع عليها أى مسؤولية تجاه ما حدث خلال الحفل لأنه "حفل خاص".

أبعاد القضية
تواصل "مبتدا" مع مجموعة من الخبراء التربويين للوقوف حول حقيقة غياب المواطنة والقومية المصرية عن مناهج المدارس الأجنبية، ففسر الدكتور كمال مغيث، الخبير التربوى، أن ضعف التعليم الحكومى اضطر أولياء الأمور لإلحاق أطفالهم بها، وتكبدوا آلاف الجنيهات من أجل ضمان تعليم جيد، لكن للأسف ظهرت كوارث عديدة مثل دراسة تاريخ مخالف لتاريخ مصر وموضوعات تتعاطف مع إسرائيل، لأن منهج المدرسة تابع لمنهج الدولة التابع لها، ولا توجد رقابة من الوزارة .

وبرر غياب الرقابة على المناهج، بأنه لا يوجد لدى الوزارة كوادر قادرة على فهم واستعياب تلك المناهج الدولية، إذ ينصب اهتمام الوزارة على ضبط التراخيص والمصاريف الدراسية، كما أن أولياء الأمور أنفسهم لا يهتمون بفكرة المواطنة، رغم أن هذا خروجٌ عن الدستور.


غياب الانتماء
وبالمثل رأى حسن السيد، أستاذ المناهج بكلية التربية، أن أساس وهدف التعليم هو الانتماء للوطن والأرض واللغة والدين، وهذه الأهداف غير موجودة بمناهج المدارس الدولية، وتؤدى بشكل مباشر إلى تدهور اللغة العربية فى المجتمع وهو ما حدث فى الفترة الأخيرة حيث بات أغلب شباب الجيل الجديد يتحدثون اللغات الأجنبية بطلاقة، لافتًا إلى أن الطالب بتلك المدارس يخرج للحياة وهو لا يعرف شيئًا عن عادات وتقاليد وتاريخ وثقافة المجتمع الذى يعيش فيه، ولا يفكر مطلقا فى خدمة مجتمعه، وتصبح الهجرة هدفه".

تعدد الثقافات
فيما رحب دكتور حسن شحاتة، الخبير التربوى، بتنوع المدارس الدولية داخل مصر، وتعدد الثقافات، وتعليم العلوم الحيوية من الفيزياء والكيماء والأحياء بلغات متعددة، مما يخلق جيلًا غير منغلق فكريا وعلميا، ويخلق جيلًا من الباحثين والعلماء والمفكرين القادرين على التواصل مع الخارج، دون عبء اللغة الذى يحول دون تعلم البعض.

"ولكن من جهة أخرى لا بد من رقابة صارمة على ما يوجد بالمناهج وهو مخالف لتاريخ مصرو العادات والتقاليد، كحرية العلاقات الجنسية من غياب فكر الزواج والشذوذ وخلافه"، يوضح شحاتة لـ"مبتدا".

آلية الحل
وتطرح الدكتورة بثينة عبد الرؤوف، عددًا من الحلول، عبر بحثه بعنوان "دور معلمى المدارس الدولية فى تنمية الهوية الوطنية"، مقدم إلى المؤتمر الدولى الثالث لمستقبل إعداد المعلم وتنميته فى الوطن العربى، أبريل 2017، تضمن إعداد دورات تدريبية لمعلمى المواد القومية بالمدارس الدولية للتعرف على أساليب جذب الطلاب للاهتمام بالمواد القومية وكيفية تعزيز روح الانتماء لدى الطلاب، وبعث الروح القومية فى المدارس الأجنبية، وربط جميع الأنشطة المدرسية بالمجتمع المحيط واشتراك هذه المدارس فى المسابقات المحلية خصوصا مسابقة الشعر والمسرح التى تسهم فى دعم اللغة العربية، مع عدم السماح للمدارس بالقيام بإجازات فى المناسبات القومية للدولة التى تتبنى المدرسة نظامها التعليمى "إنجلترا، فرنسا، أمريكا، كندا"، واستغلال هذه الأيام بالقيام بأنشطة قومية.


رحلات أثرية
وتابعت: "ضرورة دمج التلاميذ فى المجتمع المحلى من خلال الأعمال الفنية والرحلات المدرسية للمناطق الأثرية ومعالم الدولة الحديثة، وتخصيص يوم فى الشهر للمرحلة الابتدائية ورياض الأطفال لاستضافة شخصية من المجتمع المصرى، واستضافة الفعاليات الثقافية والمهرجانات المحلية فى المدارس خصوصا تلك التى تملك إمكانيات ومساحات واسعة مع مشاركة الطلاب فى هذه الفعاليات سواءٌ كان ذلك فى الإجازة الصيفية أو الإجازات القومية للدول التابعة لها المدرسة، والسعى لجعل المواد القومية مواد أساسية بالاتفاق مع جهات الاعتماد الأجنبية وأن تضاف درجات المواد القومية إلى المجموع فى الشهادات العامة و عند الالتحاق بالجامعة".

وشددت على ضرورة عمل برامج تثقيفية لأولياء الأمور عن كيفية مواجهة الآثار السلبية لإلحاق أبنائهم بالمدارس الدولية، مع الإشراف الدورى على هذه المدارس من قبل لجان مختلفة، وإلزام المدارس الدولية بتحية العلم بالإضافة إلى إلقاء الأناشيد الوطنية فى الطابور، ودعوة رموز الثقافة والمجتمع المحلى للمشاركة فى الاحتفالات المدرسية أو الندوات التثقيفية للطلاب خصوصًا المرحلة الثانوية.

آلية الترخيص
وتجدر الإشارة إلى أن الرقابة على المدارس الدولية، طبقا لما صرح به مصدر مسؤول بوزارة التعليم، تجرى عبر لجنة المدارس الدولية إذ تتولى فحص الأوراق الخاصة بكل مدرسة ومعرفة تطابقها مع الشروط التى وضعتها إدارة التعليم الخاص، وشرط العقد للشركة أو المدرسة أن يكون مصريا، ويتم إرساله إلى الشؤون القانونية لفحصه، ثم إلى هيئة الأبنية التعليمية للاطلاع على شروط الترخيص.

وفيما يتعلق بالمناهج يتم عرض الكتب التى يتم تدريسها للطلاب على المستشارين بالوزارة، للتأكد من معادلاتها للمناهج المصرية، على أن يلزم الطالب بدراسة مناهج اللغة العربية والتربية الدينية والتربية الوطنية، مع السماح له بالاستعانة بـ"10%" من المعلمين الأجانب.

المصدر | مبتدا

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية