«أيام نجيب».. كيف أصبحت رئيسًا للجمهورية بالإجبار؟

Saturday , 29 يوليو 2017 ,11:09 ص , 11:09 ص



لم تُترك له الفرصة لأن يتحدث.

واجه محمد نجيب كل الاتهامات من مقر إقامته الجبرية، وكان من اتهموه ملء السمع والبصر.

لقد أعاد إطلاق اسمه على القاعدة العسكرية التى افتتحها الرئيس عبدالفتاح السيسى، مؤخرًا، وهى الأكبر من نوعها فى الشرق الأوسط وإفريقيا - قصته مع «مجلس قيادة الثورة»، إلى دائرة الضوء من جديد.

ما الذى نفعله هنا؟

هذه محاولة لـ«رد اعتبار» هذا الرجل، دون أن نهيل التراب على من آذوه، فقد كان هذا خلافا سياسيا تتفاوت فيه الآراء حتى هذه اللحظة.

اخترنا أن ننشر أجزاء من كتابه الأهم «كلمتى للتاريخ» لنقرأ معًا القصة غير المروية لأول رئيس للجمهورية.

خالد محيى الدين وثروت عكاشة يعرضان تأييدى فى مواجهة عبدالناصر

كانت كلمة الدستور قد أصبحت لبعض أعضاء مجلس قيادة الثورة شكة الدبوس، التى تثير غضبهم وثورتهم وتصور الأمور لهم كأنها نهاية لحكمهم.. بينما كنت أرى فى الدستور والانتخابات طوق النجاة من الصراع والتناقضات، التى بدأت تشكل نقطة فى جدول أعمالنا كل يوم.

كانت نظرتى لأعضاء المجلس مازالت مثل نظرتى لهم أول يوم كلهم أولادى.. ولكن الشكوك بدأت تتسرب إلى نفسى من بعض تصرفاتهم.

لاحظت أن المجلس كان ينعقد أحيانًا دون حضورى، وإذا حضرت مصادفة توقف الحديث الدائر، واتجهوا إلىَّ متسائلين عما يجب مناقشته، وعندما تكرر ذلك لاحظت أن اجتماعات كانت تتم بينهم فى الخارج للاتفاق على موقف معين. وتخيلت أن هذا موقفا جماعيا منهم، وأن وجودى أصبح فى كفة ووجود الباقين جميعًا فى كفة أخرى.. وتسرب إلى نفسى شعور بأن فارق السن ربما بدأ يلعب دوره.. ولم أتصور أن هناك تناقضات فيما بينهم يمكن لى أن ألعب عليها. وقد دفعنى هذا الاعتقاد إلى الحذر، بل الحذر الشديد، مما دفعنى إلى ارتكاب خطأ.. بل خطأ جسيم. بلغنى يومًا من مصدر خارج الجيش، أن خالد محيى الدين وثروت عكاشة غير راضيين عن تصرفات جمال عبدالناصر، الذى بدأ ينفرد بنفوذه ويشكل قوة خاصة داخل المجلس، وأنهما يعانيان من تأثيره على بعض الأعضاء وإطلاقه جمال سالم مثلًا للهجوم على كل من يعترضه، بينما هو صامت لا يُظهر انفعالًا.

وقال لى المصدر: إن خالد وثروت مستعدان لتأييدى فى مواقفى داخل المجلس وخارجه.

وأحسست وقتها أن فخًا ينصب لى، وأننى على وشك الوقوع فى شرك، إننى منذ اللحظة الأولى لم أطلب تأييد واحد منهم، ولم أحاول تشكيل شلة من بينهم، ولم أجابههم إلا بالصراحة وبكل ما فى قلبى.. وخشيت إن تورطت فى الموافقة أن يكون ذلك دافعًا لمزيد من الإثارة والتمزق.

وحاولت أن أكشف الحقيقة عن طريق تفجير الموقف.. فرويت القصة كاملة فى أحد اجتماعات المجلس، وكانت صدمتى شديدة عندما تبينت أن ذلك لم يكن اتفاقًا مدبرًا بينهم، وأن صراحتى قد وضعت خالد وثروت فى موقف حرج. ولكن عذرى فى ذلك كان شعورى، بل يقينى، من أن جمال عبدالناصر كان مواصلًا عمله التنظيمى داخل الجيش بعناصر مرتبطة به، بعضها من الضباط الأحرار والبعض الآخر من العناصر الجديدة، وكذلك ما أعلمه علم اليقين عن العلاقة، التى تربط جمال عبدالناصر بخالد محيى الدين.

ولم أشأ مسايرة المجلس أو جمال فى هذا الاتجاه.. بل إننى حذرتهما منه، لأننا لجأنا إلى التنظيمات السرية فى فترة الإعداد للثورة، وعلينا بعد نجاحها أن نعتمد على تنظيمات علنية خارج صفوف الجيش، حتى لا تتعقد الأمور داخل الجيش. رفضت فى البداية التفكير فى مثل هذا الأسلوب، ورفضت بعد ظهور مزيد من الخلافات والتناقضات العمل على إنشاء تنظيم من الضباط رغم الضغوط، التى تعرضت لها من بعض أصدقائى ومستشارى، الذين كانوا يلمسون الخطر ويحاولون أن أقاومه بنفس الأسلوب. التنظيمات السرية المسلحة لا بد أن تتصادم، وتصادمها يعنى حربًا أهلية ومآسى إنسانية، هذا هو ما دفعنى أساسًا للبعد عن هذا الأسلوب، مؤمنًا بأننى مازلت فى مركز قوة قائدًا عامًا للقوات المسلحة ورئيسًا للوزراء محبوبًا من الجماهير.

ولكن الأمور كانت تتطور أسرع مما توقعت.. شهية الضباط للسلطة دفعتهم إلى إزالة العقبات التى اعترضتهم.

ووجدت أن ذلك يؤدى إلى وجود ثغرة بين مجلس القيادة ومجلس الوزراء، وأنها تتسع يومًا بعد يوم إلى الحد، الذى يهدد بتعطيل القرارات والأعمال الروتينية.

وتداولت فى ذلك مع الدكتور السنهورى وسليمان حافظ، واتفق الرأى على تشكيل لجنة اتصال دائمة بين الهيئتين، تقوم بالتحكيم بينهما عند الخلاف.. وشكلت اللجنة فعلًا برئاستى وعضوية سليمان حافظ وعبدالجليل العمرى وأحمد حسنى وفؤاد جلال والشيخ أحمد حسن الباقورى عن الوزراء، وجمال عبدالناصر وجمال سالم وعبدالحكيم عامر وعبداللطيف البغدادى عن مجلس القيادة، وكانت تجتمع سرًا فى ثكنات قصر النيل.

وظلت اللجنة تعمل حتى أعلن إسقاط دستور 1923 فى أوائل ديسمبر 1953 واستعيض عنها بمؤتمر من جميع أعضاء مجلس الوزراء ومجلس قيادة الثورة، يجتمع مرة كل أسبوعين ويكون بمثابة برلمان.

ومما يذكر أن لجنة الاتصال كانت تجلس على أساس تبادل أى عضو من مجلس القيادة ثم وزير وهكذا، أما المؤتمر فكنا نجلس على مائدة مستطيلة على هيئة جبهة تقابل الأخرى.

ولكن المؤتمر لم ينجح فى تذويب الازدواجية رغم كثير من المناقشات الصريحة، التى دارت فى جلساته.. وفوجئت فى يوم من أيام شهر مايو أثناء إحدى جلسات المؤتمر بسليمان حافظ يتحدث عن مضار الازدواجية، ويعلن باسم الوزراء المدنيين استقالتهم من الوزارة، حتى يتهيأ لمجلس الثورة أن يختار الوزارة التى يريدها.

ولاحظت، فى حديث سليمان حافظ، تلميحًا بأنه أولى بالعسكريين وحدهم أن يتحملوا مسئوليات الحكم، وعليهم أن يشكلوا منهم وزارة عسكرية صرفة أو على الأقل وزارة مختلطة. وعارضت هذا الاتجاه معارضة شديدة، لأنه يتنافى مع مبادئنا، ويفتح بابًا أمام الجيش يجعله يهمل الدستور.. وانتهى الأمر إلى رفض فكرة الاستقالة، والسعى إلى منع الازدواجية. ولكن شيئًا ما كان يختمر.. أعتقد أنه بدأ، فى هذه الجلسة ونما بقرار أخذته لجنة خماسية فرعية من لجنة الدستور تضم عبدالرزاق السنهورى وعبدالرحمن الرافعى ومكرم عبيد والسيد صبرى وعثمان خليل عثمان، ويقضى بإعلان الجمهورية.. ذلك أننى فوجئت بعرض فكرة مدروسة لإعلان الجمهورية، وتعيين عبدالحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة.

وثرت فى المجلس ثورة عنيفة، معارضًا ترقية عبدالحكيم عامر من رتبة الصاغ إلى رتبة اللواء دفعة واحدة، وتعيينه قائدًا عامًا لجميع القوات المسلحة، مبينًا أن ذلك سوف يخلق نقمة عامة فى الجيش، قد تكون صامتة ومطوية فى الصدور، ولكنها ستكون قابلة للانفجار فى أى لحظة.

قلت لهم: إننى اعترضت على تعيين الفريق محمد حيدر رغم أقدميته، لأنه كان بعيدًا عن صفوف الجيش، وأنا اليوم أعترض على ترقية عبدالحكيم عامر قائدًا عامًا للجيش، لأنه ليس مهيأ لذلك.

ولم ييأس المجلس من الوصول إلى غرضه، وتكرر عرض الموضوع أكثر من مرة.. وفى كل مرة كنت أرفض وأثور وحدى بلا نصير يقف معى.. وهددت بالاستقالة، فتأجل الموضوع ثلاثة أسابيع.

إعلان النظام الجمهورى وترقية عبدالحكيم عامر «غلطتى الكبيرة»

لم أعترض فقط على ترقية عبدالحكيم عامر أربع رتب مرة واحدة مما ليست له سابقة فى الجيش المصرى.. ولكننى اعترضت أيضًا على إعلان النظام الجمهورى.

لم أعترض لأننى ضد النظام الجمهورى ومؤيد للنظام الملكى، ولكننى اعترضت لإيمانى بأن تحويل نظام البلد السياسى، يجب أن ينص عليه الدستور، وأن يكون ذلك موضع استفتاء شعبى عام.

لم يغرنى ما عرضوه من تعيينى رئيسًا للجمهورية، وعبدالحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة، فقد كنت أؤثر أن يظل عامر فى موقعه مديرًا لمكتبى لشئون القوات المسلحة.

ولاحظت أن العلاقة مع أعضاء المجلس فى هذه الفترة بدأت تأخذ طابع المجاملة والاحترام الشديد لى.. وأذكر قبل ذلك بأسابيع أننا كنا فى زيارة لقرية جمال عبدالناصر «بنى مر» وأنه وقف يخطب قائلًا كلمات أسجلها هنا للتاريخ وهو يوجهها لى:

«باسم أبناء هذا الإقليم، أرحب بك من كل قلبى وأعلن باسم جميع الفلاحين أننا آمنا بك، فقد حررتنا من الفزع والخوف، وآمنا بك مصلحًا لمصر ونذيرًا لأعدائها».

«سيدى القائد، باسم الفلاحين أقول: سر ونحن معك جنودك، فقد حفظنا أول درس لقنتنا إياه، وهو أن تحرير مصر وخروج قوات الاحتلال عن بلادنا واجب، وأصبحت أملًا فى أن نحقق لمصر حريتها على يديك، إن مصر كلها تناصرك للقضاء على قوات الاحتلال».

رنت هذه الكلمات فى أذنى وأنا أجد نفسى محاصرًا ومطالبًا بإعلان النظام الجمهورى وتعيين عبدالحكيم عامر قائدًا عامًا للقوات المسلحة.

وأشهد أننى قبلت تحت ضغط وإلحاح استمر ثلاثة أسابيع بعد أن فكرت كثيرًا فى الاستقالة.. وأعترف الآن بأن هذا كان خطئى الكبير، الذى وقعت فيه، فقد شعرت بعد قليل بأننى أصبحت فى مركز أقل قوة بعدما تركت قيادة الجيش.

الوحيد الذى استقال نتيجة هذا الموقف كان اللواء الجوى حسن محمود قائد القوات الجوية.

لم أعد أعتمد إلا على جماهير الشعب.

وصرحت فى جميع خطبى بعد ذلك بتوضيح موقفى السياسى والاجتماعى، قلت فى أول خطاب من شرفة القصر الجمهورى:

«أرجو ألا تنسوا أبدًا أن الثورة قامت لتحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة بين أفراد الشعب جميعًا، ثم للعمل على تحقيق أهداف الوطن، وفى مقدمتها مصالح الفلاحين والعمال وسائر الطبقات الأخرى، لكى يشعر كل فرد بأن الوطن وطنه».

وقلت بعد ذلك بيومين للجماهير فى ميدان الجمهورية ما قاله أبوبكر الصديق، رضى الله عنه: «أيها الناس قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن رأيتم فىّ استقامة فأعينونى وإذا أسأت فقومونى».

نعم إننى لأطلب إليكم أن تشهدوا على استقامتى وأن تجعلوها أساس حياتى وركن الزاوية فى حكمى وأن تعينونى ما دمت حريصًا عليها وأن تقومونى ما تخليت عنها».

وذهبت فور إعلان الجمهورية إلى منزل الأمير عبدالمنعم، الوصى على العرش لأبلغه بالخبر، ولكنه اهتز عاطفيًا أمام الموقف وبكى وهو يسمع الكلمة الأخيرة فى حكم أسرته.

وفى الاجتماع الذى قبلت فيه رئاسة الجمهورية، أعيد تشكيل الوزارة وخرج منها سليمان حافظ، نائب رئيس الوزراء، ومراد فهمى، وزير الأشغال، وحسين أبوزيد، وزير المواصلات، وفؤاد جلال، وزير الإرشاد، وصبرى منصور، وزير التموين، ودخلها جمال عبدالناصر نائبًا لرئيس الوزراء، وصلاح سالم، وزيرًا للإرشاد، وعبداللطيف البغدادى، وزيرًا للحربية.

ووقعت أول قرار جمهورى بترقية عبدالحكيم عامر إلى رتبة اللواء، وتعيينه قائدًا عامًا للقوات المسلحة.

وبدأت صفحة جديدة يحمل فيها الضباط المسئولية من مواقع وزارية.

ولم يرحب الرأى العام بهذه الخطوة إذ تبددت أحلامه فى مشاركة شعبية ديمقراطية، وتعثرت خطوات لجنة الدستور.

القبض على مصطفى النحاس بـ«التزوير»

كانت ردود فعل المجلس حيال هذا الجو العام اتخاذ خطوات أكثر شدة وعنفًا، وتقرر اعتقال عدد من الزعماء السياسيين، وظهر اتجاه تكوين محاكم الثورة بعد محاكم الغدر، التى كانت تحاكم المسئولين السابقين عن جرائم الشرف أثناء توليهم المسئولية.

واعترضت على فكرة «محكمة الثورة»، التى تجعل منا خصمًا وحكمًا فى الوقت نفسه، ولكن وقفت ضدى أغلبية المجلس، حيث أصروا على تشكيلها امتدادًا لمحاكمتهم لضباط المدفعية.

وشكلت المحكمة فى أوائل سبتمبر 1953 من عبداللطيف البغدادى رئيسًا وأنور السادات وحسين الشافعى عضوين.. وأشاع تشكيلها مع إعادة اعتقال بعض الزعماء والسياسيين جوًا من الخوف والذعر.

وتذكرت كلمات جمال عبدالناصر فى بنى مر، التى قال لى فيها: إنه باسم جميع الفلاحين قد آمن بى لأننى حررتهم من الفزع والخوف، وتبين أننى حررته فعلًا من الفزع والخوف، ولكن لينتقل الخوف والفزع إلى سائر المصريين.

وبعد أيام صدر حكم المحكمة بإعدام إبراهيم عبدالهادى، رئيس الوزراء السابق وطلبوا منى التصديق عليه.

رفضت ذلك رفضًا قاطعًا فى جلسة طويلة لمجلس الثورة، وأبلغت مندوبى الصحف عن رأيى من أن هذا الحكم لن ينفذ إلا بعد أن أصدق عليه، وأننى لم أصدق على هذا الحكم بعد.. وقلت لأعضاء المجلس:

«إننى أفضل أن يلتف حبل المشنقة حول عنقى دون أن أصدق على حكم الإعدام هذا».

وسافرت إلى الإسكندرية منتويًا عدم العودة احتجاجًا على هذا الانزلاق الخطير.. وأمضيت يومين فى استراحة ثكنات مصطفى كامل، حيث عرفت ضباط الإسكندرية حقيقة موقفى.

ووصل بعد ذلك جمال عبدالناصر وعبدالحكيم عامر وزكريا محيى الدين وأبلغونى بأن المجلس وافق على رأيى بتخفيف الحكم على إبراهيم عبدالهادى إلى الأشغال الشاقة المؤبدة، ولم يطمئن قلبى إلا بعد نشر ذلك فى الصحف.

كذلك قدم جمال عبدالناصر لمجلس الثورة كشفًا بأسماء بعض الزعماء السياسيين الذى رأى بصفته وزيرًا للداخلية اعتقالهم.. وكان بين الأسماء مصطفى النحاس لتحديد إقامته، ورفضت ذلك ووافقنى المجلس بعد معارضة شديدة وشطبت اسمه من كشف المعتقلين ووقعت الكشف، ولكن فوجئت بأنهم أعادوا اسمه للكشف بعد توقيعى عليه، واعتبرت ذلك تزويرًا لا أقبله وإساءة لا تغتفر، ولكن جمال عبدالناصر قال لى: إن الإفراج عن مصطفى النحاس بعد نشر ذلك يزيد الموقف بلبلة.

والغريب أن جمال عبدالناصر كان فى وقت من الأوقات يعتبر من المدافعين عن الوفد عامة وعن مصطفى النحاس خاصة.. وأذكر أنه قال لى فى معرض حديث سابق:

«إنه رجل طيب واللى يتعرض له ما يشوفش خير»، وآثرت الهدوء أمام هذه الأخطاء الصغيرة تفاديًا لأخطاء كبيرة.

المصدر | الدستور

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية