ليو شياوبو: هل يكون النضال فقط في الداخل؟

كتب ناصر الرباط | الثلاثاء , 25 يوليو 2017 ,2:55 م , 2:55 م



وفاة المفكر والمعارض الصيني ليو شياوبو (1955-2017) في السجن مؤخراً، بعد معاناة مع السرطان، فتحت الباب واسعاً أمام أسئلة كثيرة عن نضال المثقفين ضد الأنظمة التسلطية. فليو شياوبو هو المعارض الذي رفض مغادرة بلاده للاستمرار في مقاومة نظامها الشمولي التسلطي مفضلاً البقاء في الداخل وممارسة نقده علناً وعلى الملأ، مع معرفته الأكيدة بأن السلطات الصينية لن تسمح له بذلك.

ولم يخيب النظام الشمولي ظنه، فقُبض عليه وحكم عليه بالسجن 11 عاماً عام 2009 بتهمة التحريض ضد النظام بعد عمله على صياغة الوثيقة المعروفة بـ «ميثاق 08» التي طالبت بمزيد من الحريات العامة في الصين وبتطبيق المبادئ المنصوص عليها في الدستور الصيني نفسه وفي ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. ولم تكتف السلطات بذلك، بل وضعت زوجته الفنانة والشاعرة ليو شيا تحت الإقامة الجبرية، ولم تخفف الضغط على الزوجين حتى بعد حصول ليو شياوبو على جائزة نوبل للسلام عام 2010، بل ربما زادتها حنقاً بسبب اعتراف العالم بنضال شياوبو. واليوم تخلصت السلطات الصينية منه بعد أن رفضت السماح له بالسفر للخارج للحصول على العلاج متعللة بأنه يحصل على أفضل علاج في الصين، وبعدما تماطلت في نقله إلى المستشفى حتى بعد تشخيصه بحالة متقدمة من سرطان الكبد.

ليس ليو شياوبو المناضل الوحيد الذي يموت في سجون قامعيه في بلاده في العقود الأخيرة، بل إن الكثيرين من مناضلي العالم ماتوا في ظروف صعبة في سجون أنظمتهم. والحال أشد في العالم العربي بالتأكيد، من محيطه إلى خليجه، وفي شكل خاص في سورية الشهيدة. لكن ربما كان شياوبو أشهر شهداء السجون بسبب حصوله على جائزة نوبل للسلام التي لفتت أنظار العالم إليه وإلى قضيته (وأنا لا أدافع عن هذه الجائزة هنا التي منحت لكثيرين ممن لا يستحقونها، ولكن أيضاً لكثيرين ممن يستحقونها).

ربما كان في انتظار شياوبو مستقبل أفضل لو عاش، مثلما حصل مع المحظوظين من المناضلين أمثاله الذين خرجوا من سجون الطغاة لكي يمهدوا الطريق لانتقال بلادهم من التعسف إلى الديموقراطية مثل نيلسون مانديلا وفاكلاف هافل وقبلهما المهاتما غاندي، لكن عسف النظام الصيني شديد، وبناء نظام اقتصادي متقدم يجعل إمكان تصور أي تغيير لشموليته من الداخل بعيد الاحتمال. فهل مات شياوبو جزافاً؟ وهل كان من الأفضل له، وللصين، لو أنه غادر بلاده إلى مكان أكثر أمناً وانفتاحاً ومارس هناك نشاطه المعارض ولكنْ السلمي والمهذب كما كان دائماً؟ هذا سؤال لا يؤرق فقط محبي شياوبو ولكنه لا بد يشغل بال الكثيرين من الناشطين السياسيين في بلدان العالم المقهور كله حيث تواجه المناضلين السلميين منهم دوماً معضلة من أكثر المعضلات ضراوة في? ?الحياة السياسية المعاصرة: هل يمكن الانتماء الى قضية وطنية والنضال من أجلها خارج الوطن؟

ليو شياوبو فضل الإجابة بالنفي. فضل البقاء في الصين وانتظار الطغيان مدركاً استحالة انتصاره عليه. فضل نقاء الانتماء على ذرائعية الهجرة للحفاظ على النفس والمبادئ. وهو إلى ذلك كان يحاول إحياء فكرة ذات جذور قديمة أيضاً: التضحية بالنفس قد تكون الحافز اللازم لكي تعي الشعوب مدى القهر الذي تعيش في ظله ولكي تنتفض بالتالي ضده. طبعاً خذله اعتقاده في النهاية، فلا الصينيون زاد وعيهم بقهرهم ولا هم ثاورا على نظامهم التسلطي بعد موت شياوبو، ولو أن ثلة صغيرة منهم، صغيرة جداً حقاً، ازدادت صلابة إيمانها بعدالة قضيتها وعدالة الدفاع عنها في الداخل. فنقاء الإيمان بالنضال من الداخل، بغض النظر عن المعوقات، مبدأ من الصعب فعلاً إزاحته عن الأذهان، لأبعاده الأخلاقية من جهة ولتاريخه المأسوي من جهة أخرى. فهكذا خُلق الأبطال في كل الثقافات: أفراد صارعوا قوى عاتية أكبر منهم وانتصروا عليها بعد الكثير من العذابات والتضحيات، أو ماتوا دونها في سبيل أهدافهم النبيلة وما بدلوا تبديلاً. ولكن هل هذا حقاً الخيار الأمثل للنضال؟ وهل هو كذلك اليوم في عصر تقدم التواصل التكنولوجي الهائل وعهد تضخم قوة الأنظمة تضخماً مريعاً وزيادة أدواتها القمعية وفاعليتها ازدياداً مخيفاً؟

جوابي بالنسبة الى عالمنا العربي الراكد في أسفل سلم التحرر والديموقراطية هو لا مدوية. النضال من الداخل لا يفوق النضال من الخارج أهمية أو أخلاقية، وإن كان طبعاً أكثر التصاقاً بالقضية وأشد تراجيدية. فالأنظمة العربية على عمومها بطاشة لا تعرف قيداً ولا قانوناً في تعاملها مع أي رأي مخالف. والتضحية بالذات بالبقاء، والحال هذه، تضحية انتحارية حقاً لن تؤتى نتائج أكثر من صور الأبطال الشهداء التي ملأت فضاءاتنا المدنية والافتراضية والذين ماتوا في سبيل قضاياهم الحقة، ولم تتأثر الأنظمة التي قتلتهم مباشرة أو بأساليب ملتوية، بل ربما زادت وحشيتها شناعةً. مقارعة الاستبداد سلمياً في حاجة إلى الكثير من الحنكة وبعض الفراغ الآمن، وهو مما لا يتوافر للأسف في أي مكان في العالم العربي اليوم. فهكذا انتصرت ثورات عدة في الماضي القريب من الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 بعدما عاد لينين من المنفى الاختياري في سويسرا ليقودها، أو ثورة إيران عام 1979 بعدما عاد الخميني من فرنسا ليقودها أيضاً. وكذلك كان حال العديد من ثورات الاستقلال عن الاستعمار في أفريقيا. لو أن هؤلاء المناضلين بقوا في بلادهم لقضوا في سجون طغاتها من حاكم وطني أو مستعمر، ولربما لم تفلح الثورات التي قادوها في اللحظة الحاسمة إلى النصر.

ولكن من وجهة نظر أخرى، ربما كان الوقت فات على الثورات الشعبية وإمكانية نجاحها في إزالة الطغيان كما تشهد حال ثورات الربيع العربي بعمومها ما عدا تونس. وربما كان نضال ليو شياوبو السلمي، ومثله كل أنواع المقاومة السلمية التي شهدناها في القرن العشرين، عبثياً في عصر طغيان التكنولوجيا والمال والعسكريتاريا وسرعة المواصلات والتحرك. وربما كان الوضع القائم بحاجة إلى فكر جديد وأساليب جديدة من التنظيم والنضال لمقارعة الظلم المستشري ودحره. لكن حقيقة واحدة تبقى واضحة: بقاء المناضل السلمي ولو من بعد أفضل من تحوله إلى ذكرى وشهيد ومشروع نضال، على رغم رومنطيقية الصورة.

المصدر | الحياة

مواضيع ذات صلة

التهريج .. والفن
منذ 3085 يوم
الأهرام
المثليون !
منذ 3085 يوم
الأهرام
لا حرية للشواذ
منذ 3085 يوم
الأهرام
أمس فقط لا غير
منذ 3087 يوم
الأهرام
قانون لا يليق
منذ 3087 يوم
الأهرام
الحنيـن
منذ 3087 يوم
الأهرام

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية