كتب إبراهيم العريس | الإثنين , 10 يوليو 2017 ,7:58 م , 7:58 م
بالنسبة الى تاريخ الأدب، والأدب الفرنسي في شكل أكثر تحديداً، يعتبر أونوريه دو بلزاك واحداً من كبار روائيي القرن التاسع عشر وربما أيضاً كل الأزمان. وثمة في أعمال كثيرة له، روايات تؤكد هذا. وتؤكد خصوصاً أن بلزاك هو الرسام الأكبر في تاريخ الأدب لسمات الشخصيات: لسيكولوجيتها وأفعالها وردود أفعالها، إذ إن أي باحث عن فهم الإنسان وطبيعته المعقدة، حسبه أن يتبحر في مئات الشخصيات التي رسمها بلزاك في قمة أعماله «الكوميديا البشرية»، حتى يجد نفسه أمام الإنسان كما هو، بقوته وبضعفه، بمساوئه ومحاسنه، الإنسان كما يفعل في زمنه وكما ينفعل به. الإنسان كما يتأثر بإخوته في البشرية في كل ساعة ودقيقة وكما يؤثر فيهم. والحال أن هذا الجانب الأساس من إبداع بلزاك، يشكل جوهر أدبه. ولكن في المقابل، وهذا أمر يجب الإقرار به أخيراً، مهما كان المرء معجباً بأدب بلزاك، عجز هذا الكاتب دائماً عن أن يكون كاتباً «بوليسياً»، هو الذي يمكن لقارئه وبكل سهولة، أن يستشعر في عدد لا بأس به من رواياته، رغبته في أن يرسم حبكات تشويقية تتمحور من حول جرائم يتطلب الأمر حل ألغازها أو ما شابه ذلك. هذا ناهيك بأن هذا الكاتب الإنساني الكبير عجز في بعض الأحيان عن إعطاء صدقية مطلقة لبعض حبكات رواياته حتى تلك التي ليس فيها ما هو بوليسي تشويقيّ، حيث يمكننا بكل بساطة، أن نعثر في بعض تلك الروايات على تناقض كبير بين احداث الرواية والصورة التي بها يقدم بلزاك شخصياتها.
> طبعاً لا يعني هذا ضعفاً عاماً نجده ماثلاً في روايات بلزاك كلها. أي لا يعني انه ينطبق على كل روايات بلزاك... إذ إن حبكاته، وحتى التي تدنو من البعد البوليسي من بينها، تظهر في معظم الأحيان قوية متكاملة... غير أن ما يلاحظ عادة في مثل هذه الأعمال، هو أن قوتها الروائية تكون على حساب تحليل الشخصيات نفسها.
> وفي المقابل هناك بين روايات بلزاك، أعمال يكون فيها رسم الشخصيات من الاكتمال، ما يجعل القارئ يحسب بأن هذا انما تم على حساب البعد الروائي. ومثل هذه الأعمال هي، دائماً، الأقل شهرة ومقروئية بين روايات بلزاك.
> من هذا الصنف الأخير رواية «صالة العتائق» التي نشرها بلزاك في العام 1838 في كتاب واحد يضمها الى رواية قصيرة أخرى عنوانها «العانس»، وحمل عنواناً عاماً هو «الخصومات». في بداية هذه الرواية يخيّل الى القارئ أنه أمام عمل جامع يتحدث عن مدينة فرنسية صغيرة - لا يخبرنا الكاتب باسمها، لكننا نعرف انها غير بعيدة جداً من باريس -. والزمن الذي تجرى فيه أحداث هذه الرواية هو زمن عودة الملكية بعد القضاء على إرث الثورة الفرنسية وعلى الإمبراطور نابليون بونابرت. أما المناخ العام لشخصيات الرواية فهو مناخ طبقة النبلاء القديمة التي منذ البداية رفضت أن تنضم الى الثورة، مبقية على حياتها وتقاليدها، ثم أتى بونابرت ودمرها تدميراً، إذ رفضت كذلك ان تنضم اليه. ولكن لاحقاً حين عاد آل بوربون الى الحكم واستعادوا حكم فرنسا، لم تتحسن احوال تلك الطبقة لأن آل بوربون تجاهلوها تماماً وتجاهلوا تضحياتها من أجلهم. ومن هنا عاش هؤلاء النبلاء في معتزلاتهم الريفية تلك يتحسرون على الماضي ويشكون من الحاضر ويتوجسون خيفة من المستقبل.
> رواية بلزاك هذه، تلتقط أبناء هذه الطبقة عند تلك اللحظة الانعطافية من تاريخها... لتصورها لنا منذ البداية تعيش حياتها يوماً بيوم، محافظة على تقاليدها العريقة من دون هوادة، غير مدركة أن الزمن قد تبدل وأن مجرى التاريخ بات لا يستقر له قرار. أنها طبقة تسعى الآن لفرض اخلاقياتها القديمة وكنوز قيمها... فقط من أجل الدفاع عن مواقع بات من المستحيل الدفاع عنها. إنها تحاول رغم كل شيء، وهذه المحاولات هي التي توصف لنا بقوة وإسهاب في الصفحات الأولى من الرواية، وصولاً الى التسلل الى حياة النبيل العجوز المركيز ايغرينيون الذي سرعان ما نعرف انه زعيم حزب من النبلاء يتألف من اشخاص عجائز مثله، يجتمعون عادة في بيته وتحديداً في قاعة في الطابق الأرضي لم تزل كما هي على حالها منذ ما يزيد على القرن... والحقيقة أن عراقة هذا الاجتماع وشكله ومكوناته البشرية، اذ يجرى في قاعة يمكن لأهل المدينة المارين بالقرب من المكان مشاهدتها، يبرر الاسم الذي أطلقه هؤلاء على القاعة، وجعله بلزاك عنواناً للرواية: «قاعة العتائق».
> بسرعة سنعرف أن المركيز ايغرينيون، رجل نبيل همه الحفاظ على القيم والمظاهر، لكنه مع هذا، مفلس تماماً لا يملك قرشا وقد دمرته العهود المتلاحقة إذ دمرت كل أعماله وثروته. ولم يكن له إلا أن يقبل بمصاهرة الطبقة البورجوازية التجارية الصاعدة لكي يتمكن من العيش. وهكذا نجده يوافق على زواج اخته الشابة من رجل ينتمي الى طبقة الأثرياء الجدد هو دوكروازييه، الذي يتقدم اليها لكنها ترفضه بكل احتقار. أمام هذا يقسم دوكروازييه على الانتقام. وهنا تتحول الرواية من دراسة طبقة وسماتها، الى عمل روائي لا يخلو حتى من طابع بوليسي. المهم أن دوكروازييه إذ يقرر أن ينتقم يجعل محط انتقامه فكتورنيان، الابن الشاب للمركيز ايغرينيون، وهو شاب شجاع حسن الهيئة لكنه ضعيف الشخصية. ذات يوم يرسل فكتورنيان الى باريس على أمل أن ينضم الى القصر الملكي ويحقق شيئاً من الثروة. وهناك يتعرف الشاب الى الدوقة موفرينيوز وينفق الثروة القليلة التي كانت بين يديه...
> ثم يحدث أن دوكروازييه الذي يطارده يوقعه في حبائل مؤامرة تقوده الى المحاكمة، إذ يجعله يقترض بعض المال من دون أن يستطيع لاحقاً تسديد القرض، ثم يدفعه في غفلة منه الى ارتكاب خطأ يحاسب عليه. وهنا أمام الخطر المحدق بالشاب يتدخل المعلم شينيل، المحامي الوفي الذي يعمل عادة لحساب المركيز ايغرينيون، يتدخل بالاتفاق مع أخت المركيز، وكذلك مع الدوقة عشيقة الشاب، ليتمكنوا جميعاً من إنقاذ هذا الأخير من المحكمة والسجن. أما وسيلتهم في هذا فكانت حيلة رتبوها، مقابل حيلة دوكروازييه. غير أن هذا كله لم يحل دون شعور المركيز ايغرينيون، إذ حوكم ولده المفضل، بالإهانة والعار لحقا بحياته وطبقته كلها، فيحزن بشدة حتى يقع صريع حزنه ويموت. وبعد موت المركيز يقرر ابنه أن يطلب الصفح عن عدوه دوكروازييه، وهو - إذ يدرك أن كل هم هذا الأخير هو إعطاء صفة النبالة لأسرته - يقرر أن يتزوج من أخت دوكروازييه، ويفعل ما يريح الجميع لا سيما دوكروازييه الذي يتخلى إزاء هذا عن رغبته في الزواج من عمة الشاب. فهو أصلاً لم يكن مغرماً بها، ولم يكن ما فعله من طلب يدها سوى لرغبته في أن ينضم، بفضل ذلك الزواج كما بفضل ثروته الى تلك الطبقة التي يحسب الآن انه صار جزءاً منها فلم يعد في حاجة الى أن يصاهرها.
> لقد فرق نقاد بلزاك دائماً بين القسم الأول من هذه الرواية وقسمها الأخير... فوجدوا الأول وصفياً فيه سرد لأحوال المدينة وأحوال الطبقة ودراسة معمقة للشخصيات وردود أفعالها على ما فعله التاريخ بها. اما القسم الثاني فوجدوه مملوءاً بالمغامرات - التي تقترب احياناً من حدود العادية - والحبكات البوليسية - التي تقترب احياناً من حدود السذاجة -. لكن الرواية اعتبرت دائماً صورة لمرحلة ولطبقة... كما اعتبرت خطوة اساسية في مسار كاتبها أونوريه دو بلزاك (1799-1850) الذي يظل - على رغم ضروب نقص وضعف في بعض اعماله، الثانوية خصوصاً -، واحداً من كبار الروائيين، هو الذي حوّل زمنه كله الى روايات وملأ رواياته بمئات الشخصيات. واذا كانت «الكوميديا البشرية» ذات الحلقات المتتابعة تعتبر الأشهر بين أعمال بلزاك، فإن قوتها الأساسية تكمن، عدا عن طولها وتشعبها الإستثنائيين، في كونها تضم - في نهاية الأمر - خير ما كتبه بلزاك طوال حياته، وأفضل ما وصف من شخصيات تغيب في رواية لتعود في اخرى، في لعبة تشابك مدهشة.
علا غانم تفكر في عرض حياتها الشخصية في...
ماذا قال الفنان نضال الشافعي عن جنسيته...
شاهد بالصور بطل فيلم "امبراطورية ميم"...
لأول مرة صورة نادرة للفنانة الراحلة دلال...
حقيقة الصورة المتداولة لنجل الفنان أحمد...
صورة لياسمين صبري على مائدة أبو هشيمة...
ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية