دعم الطاقة يهدد بتآكل معدل الادخار

الثلاثاء , 4 يوليو 2017 ,1:26 م , 1:26 م



توقع محللو اقتصاد كلى ومصرفيون، انعكاس قرار الحكومة الأخير برفع أسعار المحروقات على عدة مؤشرات اقتصادية، أهمها معدلات الادخار التى شهدت هبوطاً حاداً فى أعقاب تعويم الجنيه، إلى جانب إعطاء دفعة قوية لموجة تضخمية جديدة تقضى على القدرة الشرائية للجنيه.

وهبط معدل الادخار المحلى للناتج المحلى إلى %3.5 فى الفترة من يوليو – ديسمبر 2016، مقابل %4.2 فى الفترة نفسها من العام السابق له، بينما سجل فى ختام العام المالى 2015 – 2016 نحو %5.8، وفقاً لبيانات البنك المركزى.

فيما استبعد الخبراء انعكاس الموجة التضخمية المتوقعة على أسعار الفائدة الرئيسية، بعد اتخاذ «المركزى» خطوة استباقية برفع العائد %2 فى الاجتماع الأخير للجنة السياسة النقدية، مشيرين إلى أنها كافية لامتصاص الأثر التضخمى للإجراءات الأخيرة.

وبدأت الحكومة الخميس الماضى، جولتها الثانية من برنامجها للإصلاح الاقتصادى عبر زيادة أسعار المحروقات بنسب وصلت إلى %100، كما تتأهب لرفع تعريفة استهلاك الكهرباء بدءاً من أغسطس المقبل.

ويرى إسماعيل حسن، رئيس مجلس إدارة بنك مصر – إيران للتنمية، محافظ البنك المركزى الأسبق، أن الإجراءات الأخيرة التى ستنعكس حتماً على معدل التضخم وتضعف القدرة الشرائية للجنيه، ستؤدى إلى استمرار هبوط معدل الادخار المحلى، كما توثر على معدلات الإنفاق والنمو.

وتوقع ظهور موجة تضخمية جديدة مدفوعة بزيادة أسعار الوقود ورفع ضريبة القيمة المضافة، وكذا الزيادة المرتقبة فى أسعار الكهرباء، متوقعاً ألا تتجاوز معدلات التضخم حاجز %35، خاصة أن الأرقام ستتراجع نسبياً عن شهر يونيو بعد أن انخفضت لمستوى %30 فى مايو الماضى.

وتابع: "رفع الفائدة على الجنيه مستبعد تماماً الفترة المقبلة، والزيادة الأخيرة كافية لامتصاص الضغوط التضخمية المتوقعة، وأى زيادة فى معدلات الفائدة سيكون أثرها السلبى شديدا على النمو والاستثمار"، قائلا إن أثر حزمة الإجراءات الأخيرة محدود جداً على سعر الصرف الذى يشهد ثباتاً عند مستوى 18 جنيها.

من جانبها، قالت إسراء أحمد، محلل الاقتصاد الكلى بمباشر إنترناشيونال، إن رفع أسعار الوقود لم يكن مناسباً للظروف الاقتصادية الحالية، ولن يحقق الأثر الإيجابى المطلوب لاختلاف وضع مصر عن الدول التى طبقت إجراءات مشابهة، ولكن فى ظروف مختلفة، فمصر تعانى 3 مشكلات مركبة، هى ارتفاع شديد للتضخم، وتواضع معدلات النمو، إضافة إلى ارتفاع الدين العام.

وأوضحت أن رفع الدعم عن الوقود يؤدى فى الأجل القصير لتباطؤ النمو وتسارع وتيرة التضخم، ويزول أثره بعد فترة ليجنى ثماره، لذا كان لابد أن تبدأ فى تطبيق تلك الإجراءات مع معدلات نمو جيدة وتضخم منخفض.

وأشارت إلى أن الوضع فى مصر مختلف إذ إن معدل التضخم فى ذروته والإجراءات الاخيرة تعطى قبلة الحياة للموجة التضخمية التى لم ينته أثرها بعد، وكانت بدأت فى الانحسار، متوقعة إمكانية وصول التضخم لمستوى %35 فى ظل الضغوط الجديدة.

وأضافت أنه فنياً واقتصادياً فإن الأثر الإيجابى لرفع الدعم لن ينعكس بشكل واضح فى الوقت الحالى، فى ضوء زيادة أعباء عجز الموازنة مع ارتفاع تكلفة الإقراض بعد أن لجأ "المركزى" لزيادة الفائدة %2 لاحتواء الأثر التضخمى المتوقع من قرارات رفع الدعم عن الطاقة، والذى يزيد أعباء خدمة الدين بمتوسط 13 مليار جنيه إضافية لكل %1 زيادة فى الفائدة.

وبالتالى فإن بند الفوائد من المتوقع أن يزيد على الـ 380 مليار جنيه المقدرة للعام المالى الحالى بحوالى 25 – 30 مليار جنيه على النحو الأكثر تفاؤلاً، وفقاً لمحلل الاقتصاد الكلى بمباشر.

وتابعت: حلول وتوصيات صندوق النقد الدولى عن دعم الطاقة ليست بالضرورة أن تناسب جميع الدول حتى وإن نجحت فى بعض التجارب، فإن وضع مصر يختلف خاصة ان الاقتصاد يعانى تباطؤًا فى النمو ومعدلات الاستثمار إلى جانب ارتفاع معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة.

وقالت إن تآكل القوة الشرائية للأفراد يدفع معدل الادخار للتراجع فى ضوء ارتفاع معدلات التضخم التى أصبح أثرها الاجتماعى ملحوظا جداً، وفى ضوء التوقعات بزيادات جديدة لعدم إنتهاء أثر سنة الأساس.

وقال إبراهيم الكفراوى، مسئول المعاملات الدولية بأحد البنوك أن القرارات الأخيرة ستنعكس على عدة مؤشرات مهمة، أبرزها معدلا الادخار والتضخم، بينما لن تؤثر على مستويات الفائدة، بعد أن اتخذ البنك المركزى خطوة استباقية برفع «الكوريدور» %2 فى آخر اجتماعات لجنة السياسة النقدية.

وأوضح أن "المركزى" أجرى زيادة على أسعار الفائدة بواقع 200 نقطة أساس، فى وقت كان فيه أغلب توقعات المتعاملين فى السوق ترجح تثبيت الفائدة فى ظل انحسار الموجة التضخمية الناتجة عن تحرير الجنيه، كونه مطلعا على حزمة الإجراءات الإصلاحية التى تخص تقليص الدعم.

وقال إن زيادة الفائدة أدت غرضها فى سحب السيولة من السوق، وأى زيادة جديدة فى معدلات التضخم لن تحتاج إلى تحريك الفائدة، وأن نسبة الـ%2 كافية، متوقعاً تراجع بيانات التضخم عن شهر يونيو نسبياً والتى سيتم الإعلان عنها خلال أيام، على أن تتبعها موجة ارتفاع جديدة بعد رفع الدعم جزئياً عن المحروقات.

وأضاف أن الموجة التضخمية المقبلة لن تكون عنيفة على غرار ارتفاعات التضخم بعد تحرير سعر الصرف، مرجحاً ألا يتجاوز التضخم أعلى نقطة سجلها فى الذروة عند مستوى %33 التى سجلها فى فبراير قبل أن يبدأ بالتراجع.

وبلغ معدل التضخم الأساسى المعد من قبل البنك المركزى %30.57 فى مايو الماضى، بينما سجل المعدل العام الخاص بجهاز التعبئة والإحصاء%29.71.

وأشار الكفراوى إلى أن تبعات رفع أسعار الوقود ستلقى بظلالها على معدلات الادخار مع ازدياد ضعف القوة الشرائية للأفراد، والارتفاعات المتوقعة فى أسعار السلع والخدمات، إلا أن حالة الركود التضخمى ستحول ضد تمرير الزيادة كاملة للمستهلكين فى تلك المرة، وسيضطر المنتجون لتحمل جزء من التكلفة على حساب هامش ربحيتهم لضمان الاستمرارية.

على جانب آخر قال الكفراوى إن معدل نمو القروض سيشهد تباطؤًا خاصة أن ارتفاع اسعار الاقراض يدفع بزيادات جديدة فى التضخم ومستوى الأسعار فى ضوء ارتفاع تكلفة الانتاج وهو ما لم يعد يحتمله السوق، ولا يتقبله المستهلك.

ولفت إلى أن سعر صرف الجنيه متوقع أن يشهد تحسناً طفيفاً، وقد يتراجع الدولار بنسبة 1.5 – %3، ليتداول عند 17.75 – 17.50 جنيه، مع دخول تدفقات جديدة من الأجانب فى سوق الدين.

فيما توقع رامى عرابى محلل بمركز أبحاث بنك الاستثمار فاروس تسجيل التضخم %33 نهاية سبتمبر المقبل مع امتصاص أثر تداعيات زيادات أسعار الوقود، وضريبة القيمة المضافة بنسبة %1.

وعدلت «فاروس» فى تقرير بحثى أمس، توقعاتها بشأن عجز الموازنة خلال العام المالى الحالى من %10.8 فى السابق إلى %9.8، وسط ترجيحات بتراجع حجم الإنفاق بالموازنة بشكل جزئى مع زيادة أسعار الوقود، وتوقع التقرير تراجع الإنفاق من 1.262 تريليون جنيه إلى 1.253 تريليون بموازنة العام الحالى، وأن يتوافق إجمالى الإنفاق على دعم الطاقة مع مستهدفات الحكومة بواقع 140 مليار جنيه مدعومة بالزيادة الأخيرة فى أسعار الوقود.

وتتوقع «فاروس» إبقاء «المركزى» على أسعار الفائدة الحاليةفى اجتماعه المقبل، مشيرة إلى أن الزيادة الأخيرة مازالت تقوم بدورها، وستساهم فى امتصاص تداعيات الجولة الثانية من برنامج الإصلاح الاقتصادى، وتساعدفى جذب مزيد من الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

إلا أنها أشارت فى الوقت نفسه لإمكانية إقدام المركزى على زيادة الفائدة على المدى القصير فى حال تجاوز التضخم بنهاية العام المالى الحالى مستهدفات البنك المركزى المقدرة بنحو %13.

وتوقعت فاروس استقرار سعر صرف الجنيه عند مستويات 17 جنيها بنهاية العام المالى الحالى، وهو مستوى أعلى من مستهدفات الحكومة بالموازنة المحددة 16 جنيهاً.

فيما رجح محمد أبوباشا محلل اقتصاد كلى بالمجموعة المالية هيرميس، وصول التضخم إلى %20 فى المتوسط خلال العام المالى الحالى، لافتاً إلى أنه سيواصل تحركاته حول معدل %30 خلال الشهور المقبلة، قبل أن يرتد إلى مستويات تتراوح بين 20 و%22 فى ديسمبر 2017 مع استيعاب السوق لتأثير الزيادات السعرية الناتجة عن حزمة إجراءات الإصلاح الاقتصادى.

وتوقع إبقاء البنك المركزى على معدلات الفائدة فى الاجتماع المقبل، بعد رفعها بنسبة %2 فى مايو، وعدم ظهور مؤشرات الزيادة الأخيرة فى أسعار الوقود على معدلات التضخم والاقتصاد.

وأشار إلى أنه ربما يعيد المركزى النظر فى معدلات الفائدة مع نهاية الربع الأول من العام المالى الجارى، مع مرور فترة على القرارات الاقتصادية الأخيرة وظهور تداعياتها.

فيما قال أبو باشا إن سعر الدولار سيواصل دورانه حول 18 جنيها حتى نهاية ديسمبر المقبل، قبل أن يتراجع لنحو 17 جنيها مطلع 2018، مشيراً إلى أن تدفقات النقد الأجنبى المتوقعة من الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وإيرادات السياحة سيكون لها دور كبير فى هذا التراجع.

وقال أبو باشا إن معدلات الادخار ترتبط ارتباطا وثيقًا بمعدلات الاستثمار الأجنبى المباشر، فيما توقع ارتفاع معدلات الاستهلاك جزئياً العام المالى الحالى إلى %3 مقارنة بـ%2.5 العام الماضى.

ويتوقع أن تطال الزيادات السعرية المتوقعة عقب رفع أسعار المحروقات من معدلات الاستهلاك فى ظل تراجع القوى الشرائية للمواطنين، والادخار أيضًا مع توجيه جزء أكبر من الدخول للوفاء باحتياجاتهم الضرورية.

وقالت شركة برايم القابضة للإستثمارات المالية، إن الطبقات متوسطة الدخل سوف تتحمل الجزء الأكبر من الآثار السلبية الناجمة عن قرارات الإصلاح الاقتصادى الأخيرة للحكومة، مطالبة بالنظر إلى إعادة هيكلة شرائح ضريبة الدخل لتخفيف عبء تلك الإجراءات، عن طريق رفع الضرائب على الشرائح الأعلى دخلاً، وخفضها على الشرائح متوسطة الدخل مع زيادة سقف الشريحة الأخيرة الأعلى دخلاً.

وأوضحت «برايم» فى مذكرة بحثية حديثة حصلت «المال» على نسخة منها، أن قرار الحكومة بزيادة أسعار المحروقات يوفر %1.2 من عجز الموازنة كنسبة من اجمالى الناتج المحلى، موضحة أن نسب الزيادة المعلنة فى أسعار المحروقات فاقت التوقعات.

وأشارت إلى أنه بالرغم من التبعيات السلبية للقرار من زيادة تضخم الأسعار، إلا أن ذلك من شأنه تخفيض عجز الموازنة بصورة ملحوظة، خاصة بعد قرار لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى الأخير، برفع أسعار الفائدة بنحو 200 نقطة أساس، والذى سيؤدى بدوره إلى زيادة فاتورة خدمات الدين بالموازنة بحوالى 2.5 - 3 مليار جنيه شهرياً، وكذا حزمة القرارات المعلنة مؤخراً، فيما يخص تخفيف أثار الإصلاح الاقتصادى على الأسر الأقل دخلاً.

وأضافت: "قمنا بخفض توقعاتنا لعجز الموازنة كنسبة من إجمالى الناتج المحلى من %11.8 (كتوقع سابق) إلى %10.6، ومقارنة بنحو % 9.1 مستهدف من الحكومة، فضلاً عن ذلك فإن ذلك من شأنه الإسراع من وتيرة الحصول على الشريحة الثانية، والبالغة 1.25 مليار دولار من قرض صندوق النقد الدولى، والذى نتوقع الحصول عليه خلال الشهر الجاري".

وقالت «برايم» إن الجولة الثالثة من رفع الدعم عن المواد البترولية، وزيادة ضريبة القيمة المضافة من 13 إلى %14، بالإضافة إلى زيادة أسعار الكهرباء وعدد من مصاريف الخدمات الحكومية، رفعت توقعاتنا لتضخم الأسعار بنهاية العام المالى الحالى من % 16 الى %19.5.

وتوقعت تصاعد معدلات التضخم الشهرية فى النصف الأول من العام المالى الجارى، على أن تبدأ فى الانخفاض بدايةً من النصف الثانى، مدعومة بقاعدة مقارنة مرتفعة، كما توقعت أن يبلغ معدل التضخم على أساس شهرى ما بين 3 - %4 فى يوليو 2017، بينما توقعت أن يتخطى معدل التضخم على أساس سنوى %30.

وفيما يتعلق بأسعار الفائدة قالت إن القرار الأخير للجنة السياسة النقدية بالبنك المركزى، الخاص برفع أسعار الفائدة بنحو 200 نقطة أساس فى مايو 2017 كان محل انتقاد، إلا أنه يعد خطوة استباقية لقرار رفع الدعم عن المحروقات، وعليه لا نتوقع مزيداً من رفع أسعار الفائدة فى الاجتماع القادم بنهاية الأسبوع الجارى، خاصة وأن تضخم الأسعار الناتج عن قرارات الإصلاح يتسم بكونه ناتج عن زيادة أسعار التكلفة، وليس تضخم ناتج عن زيادة الطلب.

وأوضحت أن رفع أسعار الفائدة سوف يحد من قدرة الاستثمارات (وبالأخص المحلية) على الاقتراض، مما يضر بمناخ الاستثمار والأعمال فى مصر، كما أن جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة كمصدر مستدام للعملة الأجنبية يتطلب أسعار فائدة عند مستوى أقل من الحالى، والذى نتوقع حدوثه فى النصف الثانى من العام المالى الجارى عندما يتم احتواء مخاطر تصاعد تضخم الأسعار.

المصدر | جريدة المال

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية