العنف الناعم عنوان المسلسلات الجديدة

الأربعاء , 28 يونيو 2017 ,9:15 ص , 9:15 ص



هل يوجد ما تمكننا تسميته «العنف الناعم»، أم أن الاسم يقودنا بالضرورة إلى ملامح العنف المادية، من قسوة واعتداء بدني واستخدام أسلحة؟ وهل هذا العنف الناعم قادر على إيذاء الغير وإطاحة أمانه، تماماً كما العنف الخشن التقليدي؟ هذه الأسئلة تطرحها علينا سلوكيات متعددة لأبطال وبطلات مسلسلات رمضان التي تابعناها على مدار شهر كامل. ولأنّ تعدّد النماذج الدرامية -وبالتالي تعدد قصصها ووسائلها في الحركة والفعل- بمثابة مادة خصبة للمقارنة، اكتشف المتابعون سطوع نجم العنف الناعم وطغيانه في بعض الأعمال إلى حدّ أنّه تفوق في أحيان كثيرة على العنف التقليدي، ومنها «لأعلى سعر» (مدحت العدل/ محمد العدل) و «هذا المساء» (تامر محسن/ محمد رجاء مع مجموعة ورشة)، وفيه يتبارى محمد فراج وأحمد داود في مباراة عنف ناعم شديد يتداخل فيها بقية أبطال العمل، مثل إياد نصار وحنان مطاوع وأروى جودة وغيرهم.

العنف الناعم هنا هو ما ارتبط بوسائل الاتصال الجديدة التي نسميها «السوشيال ميديا». ففي حين نُحيط أجهزتنا الخاصة، مثل «الموبايل» و «الآي باد» بشيء من السريّة والخصوصية، وقد يتم اختراق هذا الحاجز «الخاص» من أشخاصٍ يحملون رسائل كارهة وموحية فيتحول جهاز الاتصال الحميم إلى جهاز لتصدير العنف من دون دماء أو لكمات أو ضربات مادية.

 

بين امرأتين

هذا «العنف الناعم» يُشعل الغضب ويقود صاحبه إلى البحث عن وسائل الردّ والانتقام، وهو ما نراه في ردود أفعال «جميلة» (نيللي كريم)، بطلة «لأعلى سعر»، تجاه «ليلى» (زينة) و «الدكتور هشام» (أحمد فهمي). لقد عاشت جميلة حياتها بلا منغصات، منكبةً على تحقيق زواج ناجح ومستقرّ ممن أحبته، واستضافت في منزلها صديقة قديمة في ورطة. لكنّ ليلى (الصديقة) استكثرت على مضيفتها البيت الجميل والزواج الناجح. هكذا قررت أن تحصل على ما في يد غيرها، مستغلّةً غياب جميلة للذهاب مع طفلتها إلى المدرسة وإعادتها بنفسها، هي التي اجتهدت كثيراً من أجل تكوين أسرتها.

في إطار مشاهد التحولات التي مرت بجميلة، وقرار ليلى بالاستيلاء على إنجازها وغيرتها الفظيعة، بدأت الحرب الناعمة برسائل على الموبايل ثم اشتدت بإعلان زواج هشام وليلى وانسحاب جميلة، ثم دخولها ساحة المعركة من جديد من أجل الحصول على ابنتها الصغيرة. ثم تطورت المعركة بعنف أكبر من خلال الرشاوى التي دفعتها ليلى إلى بعض القريبين من جميلة، بمن فيهم شقيقها الأصغر (كريم)، وبشراء من قام بتصوير الطفلة وهي ترقص أثناء بروفة غناء في بيت جدها الموسيقار مخلوف (نبيل الحلفاوي) الذي لجأت إليه جميلة وابنتها بعدما استولت ليلى على الشقة لتقيم فيها مع هشام بدعم (كريم) وابتزازه عبر صور ورسائل تثبت تلاعبه.

باختصار، صار للعنف وجه آخر عبر طرائق التصوير بالموبايل وإعداد الكليبات والصور في حروب شخصيات المسلسلات. في «لأعلى سعر» دخلت جميلة هذه الحرب للردّ على غريمتها بدعمٍ من محاميتها (مي كساب) التي خسرت قضايا عديدة بسبب الكليبات وتغيير أقوال الشهود بعد شرائهم بالمال. وظل السباق مفتوحاً لأذى بلا حدود طاول الجميع متجاوزاً جميلة وليلى، ليصل بنا إلى تقويض الصفقة الكبرى التي سعى إليها الدكتور هشام بدفعٍ من ليلى، وهي إدخال مستشفاه عالم البورصة وتحويله مؤسسة علاجية كبرى. لكنّ منافسه القديم الدكتور غنيم كان له بالمرصاد. وقد ساهمت جميلة في ذلك أيضاً، وإن بدأت تستغيض عن مدى الانحدار الذي تهوي إليه بفعل الرد على غريمتها وزوجها السابق عبر الرسائل نفسها.

وبالفعل نجح المسلسل هنا في تقديم ملامح ذلك العنف الجديد، الناعم، والذي يصعب اكتشافه من اللحظة الأولى. وقد لا يكتشف أبداً، وإنما تبقى آثاره تتسع دوائرها مع سرعة وصول أي صورة أو شائعة إلى الملايين في لحظات عبر فعل «التشيير» (المشاركة) ونفخ النار في ما هو مشتعل بالفعل.

 

عنف الاتصال

في مسلسل «هذا المساء» تصبح وسائل الاتصال/ العنف/ المدنية هي جزء من قوة الدفع الدرامية المباشرة من خلال الصديقين سوني (محمد فراج) وسمير (أحمد داود) اللذين يتشاركان محلاً لأدوات أجهزة المحمول وإصلاحها. لكنّ الأول (سوني) هو من يقف في المحل ويديره بينما يُرافقه الصغير (تريكة) شقيق سمير. وبعد حلقات ممتدة حتى منتصف المسلسل، نكتشف أن سمير الذي يعمل سائقاً لسيارة رجل الأعمال أكمل (إياد نصار) كانت له مغامرات سابقة في التنصّت على محتوى الأجهزة التي يُحضرها أصحابها لإصلاحها، وفي اللعب مع بعض صاحباتها وابتزازهن قبل أن يتوب عن هذا الفعل ويقسم، مع صاحبه سوني، أن يكفّ عن العبث بخصوصيات زبائنه. غير أننا مع بداية حلقات المسلسل نكتشف أن سوني يمارس هذا العبث بقوة وعنف، ويصل به أحياناً إلى إجبار بعض نساء المنطقة على ممارسة الجنس معه تحت تهديد محتويات أجهزتهن التي جئن لإصلاحها!. وبالتدريج يدخل الصغير (تريكة) اللعبة، ويحدث الخلاف بين سوني وتريكة لهذا السبب، وأيضاً بينه وبين سمير.

وفي قصة أهم، نجد الفتاة الشابة (تقى) وهي تبحث عن مخرجٍ لها من شخصٍ يُطاردها عبر الموبايل ويبتزها من أجل مقابلته، مهدداً إياها بما يحتويه جهازها الذي ذهبت لإصلاحه فنقل محتوياته كاملة إلى مختبره في متجر يديره لأجهزة المحمول في شارع عبدالعزيز الشهير. هكذا تدفع الظروف تُقى إلى لقاء سمير، وحين يدرك ما بها يقرر مساعدتها. ومن ثم يقع في حبها لكنه يرفضها، لشكّه في صدقية ما روته له، ثم يدخل في صراع مع شريكه من أجلها يتحول إلى عداء قبل أن يتصالحا فيقرر الابتعاد منها ونسيان المسألة ليكتشف أن سوني يسعى إلى الاقتران بها.

وفي الحقيقة، قدمت مسلسلات أخرى عدة ضمن محتواها هذا العام ملامح عديدة من علاقتنا بالتكنولوجيا وبالأجهزة التي نحملها وتحمل لنا الكثير من الأذى بقصد أو من دون قصد. وهو ما يبدو واضحاً في أعمال مثل «الحساب يجمع» و «كلبش» و «ظلّ الرئيس» و «أرض جو» وغيرها من مسلسلات رمضان. ولكن يبقى «لأعلى سعر» و «هذا المساء» هما الأكثر مباشرةً في تقديمهما هذه التحولات في علاقة المجتمع بالجريمة، وفي طرحهما تقنية العنف الجديد وفي قدرته على الاستفزاز وتحفيز الرغبة في الردّ، وهو ما يخالف الأساليب التقليدية للردّ على العنف التقليدي الذي عرفناه منذ الأزل.

نعم، تمتلئ الحياة بجرائم الأمس في شكل لا يطاق، غير أن العنف الجديد «الناعم» هو أكثر قسوة. وما رأيناه عبر هذه الأعمال الجديدة على شاشة رمضان يدفعنا إلى طرح أسئلة كثيرة. هل يصلح التناول الدرامي لكلّ قضايا مجتمعنا مهما كانت سيئة؟ وهل يجوز أن تتبارى الأعمال الدرامية على تقديم العنف في كل أشكاله؟ هل يمكن الاكتفاء بإشاراتٍ بدلاً من الدخول في التفاصيل احتراماً للآداب واللياقات العامة؟ أخيراً، متى يصبح لدينا في العالم العربي معايير واضحة للتعامل الدرامي مع الأفكار التي قد لا يتضرّر منها صنّاع الدراما، وإنما جمهورها؟


المصدر | الحياة

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية