احترسوا من الحريق الطائفى

كتب عماد الدين حسين | الثلاثاء , 13 يونيو 2017 ,11:29 م , 11:29 م



عزبة أو نزلة حنا تقع فى مركز الفشن بمحافظة بنى سويف على الطريق الزراعى السريع بين القاهرة وأسوان. كنت اعتقد أن كل سكانها من الاخوة الأقباط، لكن عندما زرتها يوم الجمعة الماضى، اكتشفت أن السكان وعددهم حوالى ستة آلاف نسمة تقريبا يتوزعون بين المسلمين والمسيحيين بالتساوى.. لا توجد جيتوهات أو «درب النصارى» فمعظم البيوت متداخلة. هناك بيت عليه عبارة «الله أكبر» وبجواره بيت عليه إشارة الصليب. فى هذه العزبة كان العدد الأكبر من الشهداء الذين سقطوا برصاص الإرهابيين يوم الجمعة 26 مايو الماضى وهم داخل أتوبيس كان يقلهم إلى «دير الأنبا صموئيل المعترف» داخل الصحراء الغربية فى نطاق مركز العدوة بالمنيا.
مدخل القرية يبدأ من طريق الصعيد الزراعى، وبمجرد دخولك تجد لافتة مدرسة عبدالرحمن بن عوف وبعدها نقطة الشرطة ثم مركز الشباب.
القرية تشبه معظم قرى الصعيد، بيوت غير منظمة، وشوارع ضيقة متعرجة خاصة فى الجزء القديم منها أو «قلب القرية»، الذى كان مبنيا بالطوب اللبن، وأعيد بناؤه بالأسمنت المسلح، ولكن بنفس العشوائية القديمة، بما يعنى انعدام التخطيط التام تماما.
ذهبت إلى القرية بدعوة كريمة من الدكتورة منى مينا وكيل نقابة الأطباء ووفد حقوقى وطبى وزميلى محمد سعد عبدالحفيظ مدير تحرير «الشروق» وعضو مجلس نقابة الصحفيين. دخلنا إلى منزل إبراهيم والد بيشوى الذى قتل فى الأتوبيس على يد الإرهابيين، ومعه الكثير من أقاربه، وهو الشاب الذى قتله الارهابيون فى حضن والدته.
المنزل مثل معظم بيوت قرى الصعيد، صالة صغيرة فى المدخل بجوارها المقعد أو غرفة الجلوس الموجود بها «الكنب البلدى» ودور علوى مخصص معظمه لغرف النوم.
ونحن فى المنزل جاء القسيس وبعض أقارب القتيل. ظللنا أكثر من ساعة، والنتيجة التى خرجت بها هى أن هناك خطرا كبيرا يتهدد الوحدة الوطنية فعلا وليس قولا ما لم نتحرك جميعا بصورة عملية وجادة ومدروسة بديلا للشعارات «والكلام الكبير المجعلظ» الذى لم يعد يصدقه الكثيرون.
فى هذا البيت فإن الوالد إبراهيم ــ «يعمل ترزى جلابية بلدى» ــ الذى فقد ابنه يمثل الجيل المسيحى التقليدى الذى يتحدث عن الأخوة والصداقة مع المسلمين ويعرف الحدود والمواءمات التقليدية الراسخة منذ سنوات، ولديه علاقات وصداقات مع انداده المسلمين. لكن ابنه الأصغر وعمره 14 سنة لا يعرف كل هذا. 
هو لديه اعتقاد راسخ بأن كثيرا من قوى الدولة تتعامل مع المسيحيين باعتبارهم درجة ثانية. حاولت أن أناقشه بالمنطق والعقل فصرخ فى وجهى، بأننى أحاول أن أجمل صورة الدولة. عذرت الطفل أو الشاب الصغير لأن شقيقه قتل، ورأى الجثث فى مسرح الجريمة.
فى رأى هذا الشاب وجزء كبير من المسيحيين بأن أجهزة الدولة من شرطة وإسعاف وأجهزة محلية قصرت وتقصر دائما حينما يتعلق الأمر بالمسيحيين. 
قلت له وللحاضرين إن هذه الأجهزة تقصر فى مرات كثيرة مع الجميع، وسيارة المطافى أو الإسعاف أو الشرطة حينما تتأخر فإنها لا تفرق بين مسلم ومسيحى، والأمر يتعلق بضرورة تطويرها ورفع كفاءتها شبه المنهارة، ولا صلة له بالمرة بالطائفية. ربما يكون هناك مسئول متعصب هنا أو هناك، لكن الأمر ليس ظاهرة عامة.
هذا الشاب الصغير متحمس جدا ومندفع تماما، وهو ليس مجرد حالة فردية، بل حالة عامة. وأرجو من المجتمع بأكمله أن يراجع ويدرس ويحلل تصرف هؤلاء الشباب حينما رفضوا تشريح الجثث فى المستشفيات بعد الحادث، وبعضهم عطل حركة القطارات على خط الصعيد. هناك تغيرات كثيرة تحدث.. قد يكون معظمها بالكلام، لكن علينا أن نتذكر أن التطرف يبدأ لفظا، ولن يأخذ وقتا طويلا حتى يتحول إلى شىء مجسد على الأرض، نتمنى ألا يحدث بطبيعة الحال.
أعذر الإخوة المسيحيين على هذه المشاعر، خصوصا مع تعدد الهجمات النوعية ضدهم. والأخطر أن يكون المتطرفون والإرهابيون يدركون ذلك ويلعبون عليه من أجل دفع المسيحيين للتطرف أكثر. هم لا يحتاجون للأسف إلا شرارة صغيرة، بعدها يندلع الحريق الكبير لا قدر الله. والسؤال: ماذا فعلنا وماذا أعددنا لمواجهة الشرر المتطاير هنا وهناك؟!.

المصدر | الشروق

مواضيع ذات صلة

التهريج .. والفن
منذ 3085 يوم
الأهرام
المثليون !
منذ 3085 يوم
الأهرام
لا حرية للشواذ
منذ 3085 يوم
الأهرام
أمس فقط لا غير
منذ 3087 يوم
الأهرام
قانون لا يليق
منذ 3087 يوم
الأهرام
الحنيـن
منذ 3087 يوم
الأهرام

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية