اليهودية و «الهسكالا» في مواجهة مع الصهيونية و «الهالاخا»

كتب صلاح سالم | الأربعاء , 24 مايو 2017 ,1:43 م , 1:43 م



في ذكرى تقسيم فلسطين قبل سبعة عقود، وما تلا ذلك من نكبات وحروب، وسلام متعثر محاط بالخيبات، تعود إسرائيل لإقرار قوانين عنصرية على غرار قانون «قومية الدولة» الذي أقره الكنيست مبدئياً، على رغم اعتراض الكتلة العربية، وربما يقر نهائياً في وقت قريب أو بعيد، ليستهلك ما بقي من آمال نحيفة بإمكانية إقرار سلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين سواء عبر حل الدولتين، أو حتى الدولة الواحدة (الديموقراطية) لجل مواطنيها من العرب واليهود، ما يمثل خطوة على طريق الهروب الى الأمام من قضية عتيقة، نبتت في القرن التاسع عشر، ونمت في القرن العشرين، ولا تزال تمثل مصدراً لأرق الضمير الإنساني في القرن الحادي والعشرين. ومن ثم تحتاج الى حل إنساني عادل حتى لو بدا العرب في أضعف حالاتهم، أو متورطين بسياسات وكوارث تسمح للآخرين بالتغاضي عن ظلمهم.

 

 

كانت فلسفة التنوير الأوروبي قد بلورت حكمة مفادها أن من لا يتعلمون من التاريخ محكوم عليهم بتكراره، وهو ما حاولت أن تتمثله حركة التنوير اليهودي (الهسكالا) التي ولدت في ألمانيا قبل أن تمتد منها الى معظم أرجاء أوروبا الغربية، على يدي موسى مندلسون، تلميذ كانط الذي حاول تقديم نقد جذري للمجتمع اليهودي الكلاسيكي، عبر دمج اليهود في الحياة الحديثة، وتفكيك عالم الغيتو الذي لم يعد متناسباً لا مع المجتمع الرأسمالي الصاعد بقوة، ولا حتى مع النزعة الفردية الكامنة في الحداثة السياسية.

 

 

تتجذر الهسكالا في فهم «إنساني» للكتاب المقدس يوسع حدود الاختيار الإلهي ليضم المؤمنين من عموم الإنسانية، نجد له أصداء في أسفار الأنبياء بعيداً من سفري التكوين وتثنية الاشتراع، الزاخرين بوعود الخيرية والاصطفاء وإقصاء «الأغيار» عن الملكوت الإلهي. إنه الفهم الذي كان عبر عنه النبي حزقيال باكرا، زمن النفي، بالقول إن الله سيعيدهم اليه، وليس الى الأرض، ويجعلهم من جديد شعباً له، «وأعطيهم قلباً واحداً وأجعل في داخلهم روحاً جديداً وأنزع قلب الحجر من لحمهم وأعطيهم قلب لحم لكي يسلكوا في فرائضي ويحفظوا أحكامي ويعملوا بها ويكونوا لي شعباً فأكون لهم إلهاً» (حزقيال،11: 19، 20). وهكذا تصير أرض الميعاد الحقيقية، كما كانت في مفهوم المسيح، هي الأرض بكاملها، والتي يدعوها الله لأن تتحول الى ملكوته، إذ يملك الله عليها ويوحدها بروحه أفراداً وشعوباً، ليتحقق فيها وعده بأن تتحول جميع قبائل الأرض وشعوبها الى شعب واحد لله على اختلاف الأمم والألسنة، يؤول تنوع عناصره لا الى صراع واقتتال بل الى تناغم وتكامل. وقد تركت الهسكالا بصمتها على حياة اليهود طيلة القرن التاسع عشر، فصاغت نموذج اليهودي العلماني، المندرج في تيار الوعي الإنساني، كما أثرت في العبادات نفسها في اتجاه يشبه تأثيرات حركة الإصلاح البروتستانتي في الكنيسة الكاثوليكية، إذ تنحو الى تبسيط الطقوس وإشاعة البهجة في العبادات حيث صار الوعظ سريعاً وجيداً، ودخلت الموسيقى والكورال الى الكنيس. كما أخذت الهسكالا اتجاهاً اجتماعياً، فحاربت الظلم الاجتماعي معتمدة على أن حركة لوثر لم تكن حركة دينية فحسب، بل حركة تجديد شاملة لكل مكونات المجتمع.

 

 

غير أن الحركة الصهيونية المتصاعدة منذ أواخر القرن التاسع عشر أجهضت تلك الروح التنويرية، بسعيها الى إقامة حكم قومي ودولة استيطانية جسدت من جديد فهماً منغلقاً للوجود اليهودي، يقول إن سوء النية والعداء والتربص صفات أزلية أصيلة في الأغيار تدفعهم الى الفتك باليهودي مع أول فرصة تتاح لذلك، ما يعوق إمكانية التسوية بين عقدتي الاضطهاد والخيرية، والاندماج النهائي في تيار النزعة الإنسانية. وبالتالي يصبح الحل في نظر ذلك النسق مكوناً من شقين: أولهما أن يتخلى اليهودي عن موقفه المسالم وأن يتسلح بالعنف ويبادر به كنوع من الوقاية التي تقطع الطريق على الآخرين في محاولة السبق الى اغتياله. وثانيهما انفصاله عن المجتمعات غير اليهودية ليتجمع مع سائر اليهود في إطار خاص يضمهم ويحميهم. وبالتالي، ووفق الوعد التوراتي، تصير الأرض الفلسطينية من جديد المكان الضروري، بل الطبيعي لتجمع اليهود، ويصبح استيطانها والدفاع عنها بكل شراسة ممكنة غاية التاريخ اليهودي ومغزى وجوده وصيرورته.

 

 

هكذا سلكت الحركة الصهيونية في ضدية التنوير اليهودي وفي اتجاه تدعيم الاستثنائية اليهودية، وبدلاً من تفتيت التناقض اليهودي مع الأغيار، سعت الى تجميع هذا التناقض في غيتو جديد هو الأكبر في التاريخ: إسرائيل.

 

 

ومنذ السبعينات أخذت تنمو صهيونية جديدة / دينية، تبدو أكثر عنفاً وشراسة من الصهيونية التقليدية، إذ تدافع عن التطبيق الحرفي والاحترام المطلق للشريعة اليهودية (الهالاخا)، كما تتبلور في ظاهرة الحريديم التي تجمع بين ضدين، عندما تبدي رفضها للدولة العلمانية، وفي الوقت نفسه تجعل من الاستيطان هدفاً مقدساً لها، يتدثر بالوعد القديم، ويتجذر في مفهوم الخيرية العنصري، بدلاً من تبني موقف نقدي ورؤية إنسانية تتجاوز الخيرية والاضطهاد معاً، على منوال تيار «ما بعد الصهيونية» الذي ولد من رحم حركة «المؤرخين الجدد» منذ الثمانينات، وشهد ذروة صعوده في التسعينات بفعل دفق العولمة والخطابات الفكرية المثالية حول النظام الكوكبي الجديد، وكذلك في ظل اتفاقات أوسلو وأوهام السلام والتعاون الإقليمي، ولكنه صار بالغ الهامشية اليوم على متن عريض يتقاسمه التيار الصهيوني التقليدي بنسبة أكبر، وتيار الصهيونية الجديدة بنسبة أقل.

 

 

وكما هزمت الهسكالا أمام الصهيونية التقليدية منذ أكثر من قرن، يبدو أن تيار ما بعد الصهيونية، يوشك على حصاد هزيمة نهائية أمام الصهيونية الدينية المتصاعدة وضغوط حركات الحريديم الاستيطانية، الأمر الذي يخنق الأهداف المحدودة لهذا التيار في التوفيق بين حقيقية الوجود التاريخي الفلسطيني، وبين مشروعية الوجود السياسي الإسرائيلي، على طريق حل الدولتين أو حتى الدولة الواحدة الديموقراطية، القادرة على استيعاب جل مواطنيها العرب واليهود، لتبقى إسرائيل في القرن الحادي والعشرين الميلادي دولة استيطانية عنصرية، تحتل أرض الآخرين بعهد توراتي يسبق ميلاد المسيح بأحد عشر قرناً على الأقل، ما يمثل معضلة ثقافية كبرى واستعصاء تاريخياً نادراً.

المصدر | الحياة

مواضيع ذات صلة

التهريج .. والفن
منذ 3086 يوم
الأهرام
المثليون !
منذ 3086 يوم
الأهرام
لا حرية للشواذ
منذ 3086 يوم
الأهرام
أمس فقط لا غير
منذ 3088 يوم
الأهرام
قانون لا يليق
منذ 3088 يوم
الأهرام
الحنيـن
منذ 3088 يوم
الأهرام

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية