«السواتر» لجان جينيه: معركة اليمين المتطرف الفرنسي ضد مسرحية

كتب إبراهيم العريس | الإثنين , 22 مايو 2017 ,7:59 ص , 7:59 ص



لعل الحدث الأكثر أهمية، وخطورة، الذي عرفته الحملة الانتخابية الأخيرة في فرنسا والتي خيضت في نهاية الأمر بين مرشحة اليمين المتطرف الفاشية مارين لو بان، والمرشح التقدمي الليبرالي إيمانويل ماكرون وانتهت بفوز هذا الأخير بنسبة مرتفعة ولم تكن متوقعة، من أصوات الفرنسيين، كان زيارته الجزائر حيث أخذ في خطاب ألقاه هناك مجازفة بل مخاطرة جعلت كل مؤيديه يضعون أيديهم على قلوبهم معتقدين أن فقرة من الخطاب سوف تكلفه غالياً وتحرمه من الفوز. فهو قال من دون أدنى التباس أن ما فعلته فرنسا في الجزائر يرقى إلى مستوى جريمة الحرب. هل كان ماكرون يزن كلماته؟ في الواقع أن المرشح الشاب، يومها، لم يكن يلقي الكلام جزافاً. كان يريد أن يقول رأيه - وسنعرف لاحقاً أنه كان رأي كثر من الفرنسيين أيضاً - في معضلة تاريخية كانت لا تزال تعتبر من التابوات في التاريخ الفرنسي. ولا سيما في وجه يمين فاشي لا يزال يحنّ إلى عصر الاستعمار. كانت ماكرون يخوض مجازفة، لكنه ربح رهانه وتبين أن العقل الجماعي الفرنسي تطوّر كثيراً عما كان عليه قبل نحو نصف قرن حين استشرت الصراعات والمعارك في فرنسا لمجرد أن كاتباً من أبنائها جرؤ يومها على كتابة مسرحية تقول باكراً ما سوف يقوله ماكرون بعد كل تلك العقود.
والحقيقة أن خطوة إيمانويل ماكرون، أعادت إلى الأذهان ذلك الحدث المسرحي الكبير والخطير الذي نتحدث عنه والذي مثلته في ذلك الحين مسرحية «السواتر» التي كتبها جان جينيه أصلاً بدءاً من عام 1955 غير أنها لم تقدّم في فرنسا، وسط هرج ومرج يمينيين متطرفين سنصل إليهما بعد سطور، إلا في ربيع عام 1966، ولكنها كانت قبل ذلك قد قُدّمت في العديد من المدن والعواصم الأوروبية، لكنها لم تُقدّم كاملة إلا في مرات قليلة. وبالتحديد قُدمت للمرة الأولى كاملة في ستوكهولم عاصمة السويد في العام 1964 أي قبل عامين من تقديم روجيه بلين لها في باريس للمرة الأولى. وكما أشرنا كان جينيه شرع في كتابة «السواتر» في صياغتها الأولى عام 1955 وكله رغبة في أن يفضح معاملة المحتلين الفرنسيين للشعب الجزائري ورد فعل قياداتهم العسكرية على الانتفاضة التحررية التي كان ذلك الشعب قد بدأ يخوضها. ولقد عمل جينيه أكثر من عامين على إنجاز الصياغة الأولى مغيراً ومبدلاً فيها على وقع الأحداث والأخبار المرعبة التي كانت تأتي من الجزائر. وعام 1961 أنجز جينيه نسخة جديدة من المسرحية أكثر عنفاً من الأولى، سرعان ما نشرت لكنها قُدمت بعد ثلاثة شهور من نشرها إنما في ألمانيا في «سكولسبارك ثياتر» ببرلين تحت إدارة هانس ليتسار. ثم بعد حين قدمت نسخة مخففة من النص في فيينا. وفي العام 1964 قدّم بيتر بروك ثلثي «السواتر» ضمن إطار برنامجه المسمى «مسرح القسوة»، لكنه سرعان ما تخلى عن المشروع، معتبراً الترجمة إلى الإنكليزية سيئة وتجب إعادة النظر فيها. كل هذا والفرنسيون يسمعون عن المسرحية وعن «مغامراتها» في الخارج من دون أن يشاهدوها، ولا سيما في حقبة كانت الصراعات الفرنسية/ الفرنسية قد اشتدت وراحت «منظمة الجيش السرية» اليمينية المتطرفة- والتي كانت المهد الذي ستولد منه «جبهة جان ماري لوبن الشعبية» الفاشية - تنشر الرعب والاغتيالات وكراهية الجزائريين في طول فرنسا وعرضها.
وفي النهاية بدأ الحديث عن السواتر» في فرنسا ولكن بلغة إنسانية تعميمية إذ كان الشاعر إيف بونفوا من أول المشيدين بها إذ كتب يقول: «تتناول هذه المسرحية المأساة الأزلية المتحدثة عن البشر الممزقين الذين يعود ويجمعهم الحقد والجنس والموت». ولربما كان هذا الوصف للمسرحية أفضل ما وصفت به حينها. غير أن كون المسرحية مسرحية تمزق وعنف وجنس وموت، لم يكن هو، بالطبع، السبب الذي جعل متظاهري اليمين الفرنسي المتطرف، يثيرون زوبعة في وجه عرضها في القاعة الباريسية، زوبعة وصلت إلى ذروتها يوم 26 نيسان (أبريل) 1966.
والحقيقة أنه، لئن كان من الواضح أنها كانت أول مسرحية لجان جينيه تقدم خارج فرنسا قبل أن تُعرض في فرنسا، فإن لهذا الأمر أسبابه الواضحة. ففي عام 1961 حين كتبت المسرحية كانت جراح الحرب الجزائرية لا تزال حارة، ومن هنا وجد الفرنسيون أن الوقت كان أبكر من أن يسمح بعرض مسرحية تدين فرنسا وكولونياليتها وحربها من دون لبس أو مواربة، أمام جمهور فرنسي كان لا يزال قلقاً ومضطرباً نتيجة كل ما كان قد حدث في الجزائر. ومن هنا رؤي يومها ان يتم تأجيل عروضها الفرنسية بضعة أعوام أخرى، على ان تقدم في الخارج. وبالفعل ما ان حل العام 1966 وكان قد بدأ يسود الاعتقاد بأن الجراح اندملت وان الجزائر تسير في طريقها الاستقلاليّ الذي اختارته لنفسها، وأن الوقت قد حان ليسمح بفهم للمسرحية يجردها من آنيتها «الجزائرية» ليدرجها في خانة الأعمال ذات القيم والنظرات الإنسانية الشاملة. غير ان اليمين الفرنسي المتطرف، الذي لم يكن قبل ذلك قد اعتاد ان يكون له آراء مسرحية أو غير مسرحية، نظر إلى الأمر هذه المرة في شكل مغاير، وبدأ يطلق شراره ضد «السواتر» في الصحف وفي الخطابات أولاً، ليصل به الأمر عند العرض الثاني عشر إلى تنظيم تظاهرات صاخبة وعنيفة في ساحة الاوديون في محاولة لوقف العرض بالقوة.
 يومها لم يشفع لـ «السواتر» أن يدافع عنها كبار الكتّاب والمفكرين الفرنسيين ولا أن يقوم بأدوارها الرئيسية بعض شوامخ المسرح الفرنسي من أمثال ماريا كازاريس وجان لوي بارو ومادلين روبنسون وأميدو، الممثل المغربي الشاب الذي كان عند بداياته آنذاك. كان كل هم اليمين الفرنسي ان يوقف عرض «السواتر» فراح يذكر بإباحية مؤلفها جان جينيه، وبأنه نزيل السجون ولص معروف، وأن مسرحياته السابقة ومنها «الخادمتان» و «الزنوج» و «الشرفة» مسرحيات «منحطة تمتلئ بالفجور» و «بالكراهية لكل القيم الفرنسية».
 أمام مثل هذه التعبئة، قيّض لتلك المسرحية، التي كانت في الأصل مسرحية نخبوية عصية على الفهم، أن تذيع شهرتها ويتابع الفرنسيون جميعاً مشكلاتها ويدركوا أن ثمة في فرنسا، ذلك الحين، مسرحية «تحاول أن تسخر من موتى الفرنسيين من رجال المظلات الذين سقطوا خلال الحرب الجزائرية»، وفق تعبير أحد النقاد. ومن المعروف اليوم أن أحداث «السواتر» تدور خلال الحرب الجزائرية، وتركز حبكتها من حول مجموعة من المضطهدين، هم سعيد الجزائري ومواطنوه الذين يجدون أنفسهم خلال تلك الحرب أمام واحد من اختيارين، فإما أن يثوروا وإما أن يرضوا بالدور الذي رسمه لهم سادتهم الكولونياليون. ولكن بما أن الثورة، وفق نظرة جينيه في ذلك الحين، إنما تكتفي بتحويل الأتباع إلى أناس يشبهون ما كان عليهم سادتهم، فإن سعيد يرفض الاختيارين مفضلاً أن يلعب دور اللاشيء، دور العدم. وبما أنه يعدم من قبل الكولونياليين، فإن مقتله يوفر له فرصة استثنائية للتوحد مع ذاته.
طبعاً لم يكن الموضوع ما أزعج اليمين الفرنسي. ما أزعجه كان ذلك المشهد الشهير حين يقتل الملازم الفرنسي ويدفن. ففي هذا المشهد أوصل جان جينيه الاستفزاز إلى ذروته، وبخاصة من خلال تصرفات المشاركين في الدفن ما جعل الناقد جان- جاك غوتييه يكتب في «الفيغارو»، قائلاً إن هذا المشهد إنما هو شتيمة موجهة إلى الجيش الفرنسي كله. وكان هذا كافياً ليفلت اليمينيون من عقالهم ويبدأوا بالضغط على اندريه مالرو، وزير الثقافة، لمنع المسرحية، لكنه لم يفعل اذ كانت تكفيه في ذلك الشهر فضيحة مثل فيلم «الراهبة» لجاك ريفيت. وهكذا حين غضت السلطة النظر، تجمّع اليمينيون المتطرفون في الساحة قرب صالة المسرح وراحوا يشتمون جينيه والعرب ومالرو وديغول، ثم دخلت مجموعات منهم إلى القاعة وصعدت خشبة المسرح لتنهار ضرباً على الممثلين، وذلك كله انتهى يومها بمواصلة العرض بعد حذف بعض اللحظات. ومنها بعض حوارات مشهد الدفن. وهو أمر تمت مؤاخذة مالرو عليه بعد شهور خلال اجتماع لمجلس النواب، راح خلاله بعض هؤلاء يهاجمون جينيه ومسرحيته ويطالبون بمنعها كلياً، لكن مالرو وقف متصدياً لهم، بينما واصلت المسرحية حياتها حتى الآن.

المصدر | الحياة

مواضيع ذات صلة

التهريج .. والفن
منذ 3085 يوم
الأهرام
المثليون !
منذ 3085 يوم
الأهرام
لا حرية للشواذ
منذ 3085 يوم
الأهرام
أمس فقط لا غير
منذ 3087 يوم
الأهرام
قانون لا يليق
منذ 3087 يوم
الأهرام
الحنيـن
منذ 3087 يوم
الأهرام

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية