المصريون من محاربة طواحين الغلاء إلى مواجهة طوابين الكلام

الاحد , 21 مايو 2017 ,3:25 ص , 3:25 ص



«يعني حضرتك رعاعة يابابا؟!». سأل الصغير والده المنهمك في التنقيب في «مختار الصحاح» عن معنى الكلمة الأكثر رواجاً هذه الآونة بين المصريين. سبب البحث كان بغية التأكيد ودافع التنقيب على أمل بالعثور على معنى لم يكن في الحسبان ولم يطرأ على بال. لكن ما بال القاموس يؤكد أن الرعاع هم سفلة الناس وغوغاؤهم، وأن المفرد رعاعة، وهي الكلمة التي توقف عندها الصغير!

الصغير والكبير في مصر باتا يعرفان معنى الكلمة. حتى أولئك الذين لم يشغل «مختار الصحاح» بالهم يوماً أو يلفت «المصباح المنير» اهتمامهم أبداً تكبدوا عناء البحث عن معنى المقصود بالرعاع في المقال المنشور للمتحدث العسكري السابق العميد محمد سمير في صحيفة «المصري اليوم» اليومية.

المقال الذي أشعل القيل والقال، والهرج والمرج، والهبد والرزع، والهري والهري المضاد حوى نعت «رعاع» ليصف «الأمراض الاجتماعية المستحدثة التي برزت على الساحة في السنوات الأخيرة نتيجة تردي التعليم وانهيار منظومة القيم والأخلاق التي كانت تحكم المجتمع» وهو ما أدى إلى «ارتفاع مخيف في أعداد الرعاع من الناس». وعلى رغم أن النعت يُطلق كثيراً داخل الدوائر الاجتماعية المغلقة على أصحابها لوصف فئات بعينها من الشعب، وعلى رغم أن كاتب المقال كان يقصد النيل ممن تناولوا خبر زواجه الثالث في وسائل الإعلام تارة بالنميمة وأخرى بالسخرية وثالثة بالانتقاد، إلا أن الهجمة العنكبوتية الشرسة على المقال وصاحبه وما ورد فيه من نعت جعلت كلمة «رعاع» الأعلى «ترينداً» على «تويتر» والأكثر تداولاً على «فايسبوك» والأعم بحثاً ونقاشاً في دوائر المصريين.

دوائر المصريين تنوء في سنوات ما بعد ثورة يناير بحمل قاموس جديد قوامه مفردات أطلقها أصحابها أو كلمات نطق بها مسؤولون أو عبارات قالتها شخصيات عامة تمردت على كونها مجرد حديث منطوق وأصبحت أقرب إلى الحالة المحمومة والنقاشات الملغومة وقضية الساعة المحرورة. فبعدما كان القاموس لا يحوي سوى كلمات وعبارات تتراوح بين «30 سنة إنجازات» و «سنعبر من عنق الزجاج في خمسة/ عشرة أعوام» و «صاحب أول ضربة جوية» و «الريادة» و «الأمن والأمان» و «المنحة ياريس» وغيرها، جاءت ثورة يناير برياحها الربيعية لتضخ رياحاً أخرى كلامية لم يعتدها المصريون.

هذه الرياح تغيرت وتقلبت وتبدلت على مر السنوات الست الماضية لتصطبغ بصبغات سياسية وفق النظام القائم. فمن مفردات ثورية حوت «الشعب يريد إسقاط النظام» و «ارحل» و «ورد الجناين الذي فتح في جناين مصر» و «الشعب يريد إسقاط النظام» و «مسلم ومسيحي إيد واحدة» إلى «إسلامية إسلامية رغم أنف العلمانية» و «الشعب يريد تطبيق شرع الله» ومنها إلى «الانقلاب» و «الانقلابيين « و «المنقلبين» كذلك «الإخوان» و «المتأخونين» ومعهم «الأجورين» و «الخونة» و «المتآمرين» و «المدسوسين»، وكذلك «القلة المندسة» و «الشرذمة المتآكلة» و «العلمانية المنحلة» و «الإسلامجية تجار الدين» و «الثوريين الاشتراكيين الخونة» و «جبهة الخراب» (جبهة الإنقاذ).

ولم يخل الأمر طيلة السنوات الماضية من اقتحام خلوة المصريين السياسية من ألفاظ غريبة على آذانهم مثل «جبهات» و «تكتلات» و «ائتلافات» و «جماعات»، بالإضافة إلى مصطلحات سمعوها في أخبار دول أخرى حيث «المصالحة الوطنية» و «العدالة الاجتماعية» و «التوافقات» و «المصالح»، و «الرئيس التوافقي» و «الرئيس التضامني» و «التصويت الانتقامي» و «الإقصائي» و «السلبي»، و «الكتلة الحرجة» و «الكتلة الصامتة» و «حزب الكنبة» ومعه «الناشط» و «الحقوقي»، وما يعنيه ذلك من «استحواذ» و «إقصاء» و «إدماج» في «الدولة العميقة» أو «الفاشلة» أو «شبه الدولة» بعدما كانت «دولة المؤسسات» والقائمة طويلة.

لكن الفترة الماضية شهدت انضماماً مكثفاً لمجموعة جديدة من الكلمات والعبارات، أحدثها كان «الرعاع» وقبلها جاء خبر صادم على لسان رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي حين قال إن المصريين لا يعيشون في دولة حقيقية بل «شبه دولة». ثم صارحهم بـ «إننا فقرا أوي»، وبعدها حذرهم من أن مصر دولة وليست «طابونة» وجميعها كلمات وعبارات يعرف معانيها المصريون لكن لم يعتادوا استخدامها في هذه السياقات الرئاسية.

ومن السياقات الرئاسية إلى القضائية حيث فرضت عبارة «رونق القضاء» نفسها على المعجم الجديد، وهو فرض فرضته نيابة أمن الدولة العليا التي وجهت تهمة «خدش الرونق العام للمجلس الأعلى للقضاء» لصحافي كتب عما وصفه بأنه «تجاوزات في التعيينات الجديدة لأعضاء النيابة العامة حيث أبناء وأقارب لأعضاء في هيئات قضائية وأجهزة أمنية».

أمنية الكثير من المصريين باتت توحيد المصطلحات والحد من الاستخدامات اللغوية المثيرة للغط وتوسيع قاعدة العبارات التي تحتمل القيل والقال، وحبذا الامتناع عن النعوت التي من شأنها أن تهيج الرأي العام وتسعد هواة الصيد في المياه العكرة وتحول جهود المواطنين الحالية من محاربة طواحين الهواء ممثلة في غلاء الأسعار والاكتواء بنار رمضان إلى مواجهة طوابين الكلام والتنقيب في «مختار الصحاح».

المصدر | الحياة

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية