ملف| رجال حول سايكس بيكو (5)

Saturday , 20 مايو 2017 ,1:41 ص , 1:41 ص



من أكثر الأمور التباسًا وتعقيدًا في اتفاقية “سايكس بيكو” أنها تجاوزت كونها مجرد اتفاق بين عدة إمبراطوريات على تقاسم إرث إمبراطورية أخرى في طريقها للزوال، فالسرية التي صاحبتها، فضلا عن دوافعها وتبعاتها والشخصيات التي شاركت فيها كل ذلك صنع منها في المخيلة العربية حالة أسطورية ومؤامرة ممتدة، تصور “سايكس بيكو” على أنها المتحكم في مصائر المنطقة العربية وسبب نكبتها وأزماتها منذ قرن مضى وحتى الآن.

في محاولة لفهم ما حدث وكيف حدث وماذا نتج عنه؟، نحاول التعرف أكثر على بعض الشخصيات التي شاركت بصورة مباشرة أو غير مباشر في صناعة “سايكس بيكو”، وفي هذا السياق نبدو أمام نوعيين من الشخصيات، النوع الأول يتمثل في مجموعة من القيادات السياسية التي وضعت الخطوط العريضة لهذا الاتفاق ومنهم: ديفيد لويد جورج، وإدوار غراي، وهربرت صموئيل، وآثر بلفور، والثاني الأشخاص الذين قاموا بالتفاوض أبرزهم الدبلوماسي الفرنسي فرنسوا جوروج بيكو، والدبلوماسي البريطاني مارك سياكس، وهنري مكماهون المندوب البريطاني السامي في مصر، وسيرغي سازونوف وزير خارجية الإمبراطورية الروسية، بالإضافة للشريف حسين وهو الشخصية العربية الأكثر ظهورًا في خلفية هذه الاتفاقية.

البدايات الأولى

مع بداية الحرب العالمية الأولى 1914، وفي ظل حالة من الاستنزاف العسكري والسياسي والاقتصادي عاشتها الإمبراطورية العثمانية، سعت بريطانيا وفرنسا للعمل على تحقيق هزيمة كبيرة بالدولة التركية تمكنهما من فرض سيطرتهما على منطقة الهلال الخصيب التي كانت تخضع للسيطرة العثمانية وهى المنطقة الممتدة من بلاد الشام وصولًا إلى نهري دجلة والفرات، في هذه الأثناء كانت المنطقة العربية تعاني من إحتلال ونفوذ ثنائي لكل من العثمانين من جهة والإنجليز والفرنسيين من جهة، ووجدت بعض الشخصيات العربية في الحرب العالمية الأولى فرصة للتخلص من هذه السطوة، وبدى الشريف حسين الخائف على سلطته والساعي لمد نفوذه في التفاوض ومراسلة هنري مكماهون المندوب البريطاني السامي في مصر، بحيث يدعم بريطانيا في حرب ضد الإمبراطورية العثمانية، بشرط أن يسمح له بتأسيس دولة عربية على أراضي سوريا ولبنان والأردن وفلسطين والعراق.

في إنجلترا كان السير إدوار غراي وزير الخارجية البريطاني يعلم جيدًا بعدم قبول البريطانيين ولا الفرنسيين بأن يتراجع نفوذهم ولو قليلًا في المنطقة العربية ويتركوا للشريف حق إنشاء دولة بهذا الحجم، في حينها قدم هربرت صموئيل وزير المالية ثم الداخلية وأحد القيادات الفاعلة في الحركة الصهيونية تصورًا لأهمية أن تدعم بريطانيا إنشاء وطن لليهود في فلسطين من أجل ضمان بسط نفوذها على منطقة بلاد الشام، ويذكر صموئيل في مذكراته الإطار الذي قدم فيه مشروعه لوزير الخارجية البريطاني إدوار غراي قائلًا : “ذكرت لإدوار غراي نقطتين جوهريتين وهما أن الدولة اليهودية كموقع له أهميته للإمبراطورية البريطانية، يجب أن تكون منطقة محايدة (كسويسرا) لكونها أصغر وأضعف من الدفاع عن نفسها، وثانيا ضمان حرية المرور المطلقة للحجاج المسيحيين”.

المفاوضات

سعيًا لضمان نجاح هذه الخطة عملت الدبلوماسية الإنجليزية على ثلاث محاور الأول المحور العربي؛ فأرسل إدوار غراي رسالة إلى هنري مكماهون يخرج بالقاهرة، يخبره بالتوافق مع الشريف حسين، “مع الحرص على أن يكون يكون الرد على الشريف في أغمض الصور الممكنة”، على الجانب الآخر بدأت المفاوضات مع الجانب الفرنسي حول منطاق النفوذ وتولى هذه المفاوضات من الجانب البريطاني الدبلوماسي والعسكري البريطاني مارك سايكس في حين مثل الجانب الفرنسي الدبلوماسي فرنسوا جوروج بيكو، أما المحور الثالث فكان التفاوض مع الإمبراطورية الروسية من خلال وزير خارجيتها سيرغي سازونوف من أجل منحها سيطرة على مناطق واقعة في قلب الإمبراطورية العثمانية بحيث تضمن بريطانيا نهاية تامة للعثمانيين، وحتى إن إستطاعوا النهضة من جديد يكون الروس هم خط المواجهة الأول لهم وليس البريطانيين المسيطريين على المناطق العربية.

كان اختيار مارك سايكس رغم صغر سنه حينها 35 عام، ليكون ممثل لبريطانيا مدفوعًا بعدة أسباب من أبرزها جمعه بين العمل الدبوماسي والعسكري فضلًا عن تنقله بين العديد من البلدان، فمارك لم يكن مجرد قائد عسكري ثم دبلوماسي فقط، بل كان بالأساس رحالة سافر إلى العديد من الدول العربية والهند والولايات المتحدة الأمريكية، وقد درس مارك الأوضاع في المنطقة العربية عن قرب وقدم تقريرًا حول تصوره لإعادة ترتيب أوراق اللعبة من جديد بعد طرد القوات العثمانية، في هذا الإطار عمل سايكس على تدشين مكتب بالقاهرة مهمته دراسة خرائط المنطقة العربية وتحديد أكثر المناطق التي بها ثروات معدنية، فضلًا عن دراسة طبيعة المجتمعات التي تعيش فيها وكيفية التعامل معها.

مع بدء المفاوضات كان الفرنسيون يطمعون في بسط نفوذهم على بلاد الشام، بينما كان سايكس يرى في الشام فخ كبير للقوات الفرنسية نتيجة للتعدد العرقي بداخله وإمتلاكهم خبرات طويلة في المقاومة والحرب فضلًا عن الشعور القومي المتنامي لديهم ورغبتهم في الحصول على الاستقلال، لذلك وافق على مطالب الفرنسيين بشرط أن تكون فلسطين تحت إدارة دولية، تتوزع بين فرنسا وبريطانيا والإمبراطورية الروسية، بينما حصلت بريطانيا على معظم المناطق الواقعة في بالقرب من نهر دجلة والفرات، وحصول الإمبراطورية الروسية على الممرات البحرية من البحر الأسود إلى البحر الأبيض المتوسط وأرمينيا، مع وعود بإعطاء الشريف حسين الحق في إنشاء دولة عربية على مساحة صغيرة في منطقة الحجاز.

في هذا السياق يروى سازونوف وزير خارجية الأمبراطورية الروسية في مذاكرته ما حدث قائلًا : “أثناء مفاوضاتي الشخصية مع السير مارك سايكس، والسيد جورج بيكو، تم إعداد وتدقيق المكتسبات الإقليمية من أراضي الإمبراطورية العثمانية، وفي أبريل 1916، وبانتهاء هذه المفاوضات، واستيضاح الرغبات، أخبرتهما بموافقة حكومة الإمبراطورية الروسية على المطالب التي تقدم بها كل من الطرفين، الإنجليزي والفرنسي، فيما يتعلق بإلحاق بلاد الرافدين بإنجلترا، وإلحاق سوريا وكيليكيا بفرنسا، شريطة أن تحصل روسيا في آسيا الوسطى الصغرى على أرضروم، وطرابزون، وبدليس، وصولاً إلى نقطة عند ساحل البحر الأسود يتم تحديدها عند ترسيم الحدود الجديدة”.

وأضاف “الاتفاقية تضمنت بنداً منفصلاً يشير إلى أن الشرط الأساسي لسريان مفعولها”، هو تحديداً “الاستمرار في الحرب (العالمية الأولى) حتى نهايتها المظفرة، وكنت مؤمناً إيماناً لا يتزعزع بانتصار الوفاق الثلاثي وإرادة أطرافه الصلبة بإيصال القضية حتى نهايتها، ولم أكن أتوقع أن وطني، روسيا، الدولة العظمى الوحيدة التي لن تنفذ الشرط الأساسي انسحبت من الحرب بناء على إرادة قادة الثورة (البلشفية)، وذلك في الوقت الذي لم يتبقَّ فيه وقت أمامها سوى أن تبذل مجهودها الأخير في الحرب لتنتصر وتجني ثمار ثلاث سنوات من الصراع المرير”.

بعد خروج روسيا من الاتفاق الذي كان سريًا ثم فضحته الثورة البلشفية، ومع التغيرات الكبيرة التي شهدها العالم في العشرين عام التالية وصولًا إلى الحرب العالمية الثانية، كانت العديد من سياقات سايكس بيكو قد تغيرت، لكن بقيت الخطوط العريضة التي وضعوها لتقسيم المنطقة العربية إلى مناطق موزع نفوذها بين بريطانيا وفرنسا، ومع إنتشار دعوات التحرر الوطني، سعت الكثير من القوى المجتمعية والسياسة الفاعلة في هذه المناطق على الحصول على الاستقلال وتم ترسيم حدود الدول العربية بصورة مقاربة لما عليه الوضع الآن، لكن ظلت هذه الحدود محل صراع مستمر خاصة منطقة الشام والحجاز وبلاد الرافدين.

المصدر | البديل

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية