فرص مهدرة: القطاع غير الرسمي خارج سيطرة الدولة

الخميس , 18 مايو 2017 ,7:25 ص , 7:25 ص



يمثل القطاع غير الرسمي، أو ما يطلق عليه مسمى الاقتصاد الخفي أو السفلي، واحداً من أهم التحديات و المعوقات التي تواجهها الدول خاصة النامية، و يعد Guttmann أول من لفت الانتباه إلى هذه الظاهرة عندما نشر بحثه عن الاقتصاد السفلي عام 7197، و أشار فيه إلى أن المعاملات الاقتصادية التي لا تسجل ضمن حسابات الناتج القومي تصل إلى نسب كبيرة لا يمكن إهمالها.

وتشير التقديرات الي أن حجم القطاع غير الرسمي في الدول النامية يتراوح بين 30%، و 70% من إجمالي الناتج القومي لتلك الدول و في إحدى الدراسات الإحصائية التي أجراها الاقتصادي الشهير فرناندو دوستو، قدر حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر بنحو 395 مليار دولار أي ما يعادل 2.6 تريليون جنيه مصري.

ما يحد من الاستغلال الأمثل للموارد الاقتصادية التي تعمل ضمن هذا القطاع ما يعكس أثار سلبية علي كلا الجانبين سواء علي الدولة حيث يضعف من حجم الموارد المالية للدولة من خلال ظاهرة التهرب الضريبي أو علي المشروعات العاملة بذلك القطاع، حيث دائماً تقل الإنتاجية لتلك المشروعات وتقل فرص اتجاهها نحو التصدير والتوسع في الإنتاج.

مفهوم الاقتصاد الخفي (غير الرسمي) وأسباب نموه:

يمكن تعريف الاقتصاد الخفي بأنه “كل الأنشطة المولدة للدخل التي لا تسجل ضمن حسابات الناتج القومي إما لتعمد إخفاءه تهرباً من الالتزامات القانونية المرتبطة بالكشف عن هذه الأنشطة وإما بسبب أن هذه الأنشطة المولدة للدخل بحكم طبيعتها تعد من الأنشطة المخالفة للنظام القانوني السائد في البلاد”.

ووفقاً لهذا التعريف فإن أنشطة الاقتصاد الخفي تشمل الدخول المولدة بطرق شرعية ولكن لا يعلن عنها للإدارات الضريبية، وكذلك الأنشطة الإجرامية التقليدية مثل الاتجار بالمخدرات والتهريب وغيرها وأخيرا عمليات المقايضة التي تتم دون استخدام النقود.
 أما عن أسباب نمو ذلك القطاع فهي متعددة:

ارتفاع مستوى الضرائب؛ يتزايد الحافز نحو الاتجاه إلى العمل في الاقتصاد الخفي كلما زادت معدلات الضريبة في الدولة، ويعتمد قرار التهرب من الضرائب على أساس الموازنة بين العقوبات التي قد يتعرض لها الفرد جراء تهربه من الضريبة وبين الدخول الإضافية التي ستعود عليه من التهرب من دفع الضرائب، وتختلف أهمية و درجة تأثير نوع الضرائب علي التوجه نحو الاقتصاد الخفي من دولة إلى أخرى على سبيل المثال، فإن نمو الاقتصاد الخفي في الولايات المتحدة يمكن إعادته إلى الضرائب على الدخل بينما في أوروبا فيعود إلى ارتفاع اشتراكات التأمينات الاجتماعية وضرائب القيمة المضافة أما في الدول النامية فإن الضرائب المرتفعة على التجارة الخارجية لهذه الدول يمكن إدخالها أيضا ضمن العوامل المسئولة عن تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفي.
 والجدير بالذكر أن تخفيض معدلات الضريبة قد لا يعنى بالضرورة القضاء على الاقتصاد الخفي حيث أن المتعاملين في الاقتصاد الخفي يتمتعون بمعدل ضريبة فعلى يساوى صفرا وبالتالي فإن تخفيض معدل الضريبة ليس من المحتمل أن يؤثر على رغبة هؤلاء الأفراد في إظهار دخولهم الحقيقية ودفع الضريبة المطلوبة على أنه يمكن القول أن تخفيض معدل الضريبة سيقلل من الحافز نحو دخول مزيد من الأفراد إلى الاقتصاد الخفي.

تعسف النظم والقيود الحكومية؛ قد تكون الإجراءات الحكومية سبباً في توجه المشروعات نحو العمل ضمن منطقة الاقتصاد الخفي، في الدول النامية علي الأخص يواجه الأفراد تعسفاً عند إنشاء المشروعات الاستثمارية تتمثل في بطء و صعوبة استخراج التراخيص و ارتفاع تكلفتها وفي بعض الأحيان تشترط الدولة الحصول علي مبالغ ضخمه لتغطية عمليات التأمين وغيرها مع ملاحظة أن غالبية المشروعات التي تعمل في ظل الاقتصاد الخفي لا تمتلك القدرات المالية و الفنية التي تمكنها من تحمل كل تلك الإجراءات ولذلك يلجأ أصحابها إلى العمل تحت مظلة الاقتصاد الخفي، كما أنه في كثير من الحالات يكون أصحاب تلك المشروعات هم موظفون بالدولة أو في سن التقاعد و يحصلون علي رواتب إما في صورة دخول أو معاشات وتفرض النظم الحكومية علي العاملين بالدولة قيوداً علي امتلاكهم مشروعات خاصة وبالنسبة لمن هم في سن التقاعد فقد تفرض عليهم تلك النظم توقف الدولة عن سداد المعاشات لهم ومن ثم تلجأ تلك الطائفة من أصحاب المشروعات إلى العمل ضمن الاقتصاد الخفي.

ندرة السلع؛ ينتشر ذلك العامل في الدول النامية بشكل أكثر حيث تتحكم الحكومة في النشاط الاقتصادي بشكل كبير وبالتالي فإن السبب الرئيسي في نمو الاقتصاد الخفي في هذه الدول هو نقص عرض السلع الاستهلاكية و الرأسمالية وسهولة التلاعب في السلع التي توفرها الحكومة التي توزع من خلال المنافذ التي تتولى الحكومة الإشراف عليها، إضافة الي أن النظام الخاص بالأسعار فى هذه الدول عادة ما يكون غير مناسباً و لا يعكس مستوى الندرة حيث تباع السلع الأساسية بأسعار مدعمة وتؤدى هذه الأسعار المنخفضة إلى انتشار ظاهرة الطوابير وأحيانا زيادة فائض الطلب على السلع الاستهلاكية ويؤدى ذلك الأمر إلى ازدهار أنشطة الاقتصاد الخفي إما بهدف إعادة بيع هذه السلع بصورة غير قانونية أو بهدف التهرب من تطبيق الأسعار المنخفضة للسلع التي عادة تسبب خسائر مادية لأصحاب تلك المشروعات.

حجم الاقتصاد الخفي في مصر

نظرًا لصعوبة الاتفاق حول حجم الاقتصاد الموازي اختلفت التقديرات التي تعبر عنه فبحسب الإحصائية التي أجراها الاقتصادي الشهير فرناندو دوستو، تقدر نسبة الاقتصاد غير الرسمي في مصر بنحو 395 مليار دولار، أي ما يعادل2.6 تريليون جنيه مصري.

و أظهرت إحدى دراسات اتحاد الصناعات فقد أن حجم الاقتصاد غير الرسمي في مصر بلغ نحو تريليون جنيه مصري، ويرجع هذا الفارق بين التقديرين إلى أن تقدير دوستو تضمن دراسة العقارات غير المسجلة في المجتمع المصري بينما تقدير اتحاد الصناعات اعتمد فقط على رؤوس الأموال المتداولة في السوق المصري لكنها خارج إطار التسجيل والتوثيق الرسمي.

وزاد حجم الاقتصاد الخفي خاصة في الفترة بعد ثورة يناير 2011 ليصل إلى نحو 2.2 تريليون جنيه مصري طبقاً لاتحاد الصناعات المصرية في عام 2015 ما تسبب في ضياع 330 مليار جنيه قيمة الضرائب المهدرة على خزينة الدولة.

وقدرت الإحصائيات وجود حوالي 47 ألف مصنع لا تمتلك سجلات صناعية و حوالي 8 مليون مواطن يعملون في 120 سوق عشوائي وبالتالي فقدر اتحاد الصناعة حجم الاقتصاد الخفي بما يمثل 60% من حجم الاقتصاد الكلي للدولة.

الأثار المترتبة علي نشاط الاقتصاد الخفي :

انخفاض حصيلة الضرائب؛ ويعد ذلك أحد أهم التأثيرات السلبية لنشاط الاقتصاد الخفي حيث أن عدم إتاحة المعلومات عن مستويات وحجم الدخول في ذلك القطاع يزيد من فرص التهرب الضريبي سواء ضريبة الدخل أو ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة ما يؤدي إلى المغالاة في الضريبة المفروضة علي الاقتصاد الرسمي ومن ثم التأثير السلبي علي النشاط بالقطاع الرسمي نتيجة تردي أوضاع العدالة الضريبية كما أنه يؤدي إلى انخفاض حجم الإيرادات العامة للدولة بشكل أقل مما يجب أنت تكون عليه ومن ثم ازدياد حجم العجز في الموازنة العامة للدولة.

عدم وجود رؤيه صحيحة لسياسات الدولة؛ نتيجة لعدم توافر المعلومات عن حجم النشاط الاقتصادي في الاقتصاد الخفي يؤدي ذلك إلى وضع تحليلات خاطئة عن حالة النشاط الاقتصادي للدولة ومن ثم اتخاذ إجراءات و سياسات غير سليمة تؤدي إلى نتائج عكس المتوقع منها بسبب تشوه المعلومات وعدم مصداقية المؤشرات الاقتصادية ومطابقتها للواقع فمثلاً، ارتفاع في معدلات البطالة في الدولة قد يكون غير مطابق للواقع بسبب وجود شريحة كبيرة من العاملين في الاقتصاد الخفي و لا يتوافر معلومات عنهم للدولة ومن ثم تتخذ الدولة إجراءات توسعية بهدف تقليل معدلات البطالة التي هي في الأساس غير مطابقه للواقع ومن ثم يؤتي ذلك بنتائج عكسية حيث يعمل علي تغذية الضغوط التضخمية وبالتالي تزداد الأوضاع الاقتصادية للدولة سوءاً.

الأثر على توزيع الموارد؛ إن التوازن الذي سيصل إليه الاقتصاد في ظل وجود الاقتصاد الخفي سيكون أقل من المستوى الأمثل، حيث ستوزع الموارد بصورة تختلف عن ما يجب أن تكون عليه فعلى مستوى التحليل الاقتصادي الجزئي يؤدي الاقتصاد الخفي إلى تعديل أسلوب استخدام العمل والعناصر الأخرى للإنتاج، على سبيل المثال يؤدى انخفاض حجم القاعدة الضريبية إلى وجود فارق بين عناصر الإنتاج المستخدمة في القطاعات التي تخضع للضريبة والقطاعات غير الخاضعة للضريبة و ذلك بإعطاء ميزة تنافسية في تكاليف عناصر الإنتاج بالنسبة للأنشطة التحتية غير الخاضعة للضريبة وبذلك فإن النتيجة المترتبة على ذلك هي سوء توزيع الموارد بين الأنشطة الأكثر كفاءة التي تخضع للضريبة و الأنشطة الأقل كفاءة التي لا تدفع الضريبة الأمر الذى يؤدى إلى انخفاض مستوى الكفاءة في الاقتصاد.

التأثير السلبي علي الاقتصاد الرسمي؛ نشاط الاقتصاد الخفي يؤثر سلبياً علي نشاط الاقتصاد الرسمي نتيجه للمغالاة في فرض الضريبة علي الأخير كما أشرنا سابقاً كما أن معظم المشروعات في الاقتصاد الخفي تعمل علي تقليد المنتجات الخاصة بالاقتصاد الرسمي بمستوي جودة أقل وتكاليف أقل ومن ثم بيعها بأسعار أقل من الاقتصاد الرسمي وبالتالي عدم قدرة الاقتصاد الرسمي علي المنافسة مع منتجات الاقتصاد الخفي بالإضافة إلى عدم قدرته علي المنافسة مع السلع المستوردة وبالتالي تزداد احتمالية إفلاس المشروعات في القطاع الرسمي وبالفعل يؤكد المستثمرون أن 80% من المنتجات الغذائية الموجودة بالسوق المصري هي مجهولة المصدر وبالتالي تؤثر سلبياً علي الأسواق المصرية وكذلك صحة المواطنين.
 وفي الختام يعد الاقتصاد غير الرسمي أحد الفرص المهدرة التي يمكن استغلالها في زيادة حجم الإيرادات العامة وكذلك إيجاد مظلة تأمينات اجتماعية وصحة لملايين العاملين بهذا القطاع ومن ثم القدرة على تحديد حجم البطالة بدقة واتخاذ سياسات اقتصادية سليمة، كما أن القطاع غير الرسمي يتسم بأنه قطاع عشوائي له العديد من السلبيات على بنيان الهيكل الاقتصادي بصفة عامة ويمكن اتباع عدد من الضوابط لضم القطاع غير الرسمي لمظلة القطاع الرسمي أهمها القضاء على البيروقراطية المقيدة لإنشاء مشروعات جديدة، علاوة على:

1 – إصلاح النظام الضريبي من خلال:

مراجعة أساس حساب الضريبة ومعدل الضريبة و التصاعد الضريبي.

مراجعة أشكال الكشف عن مصادر الدخل وأساليب التحصيل.

تقليل المستندات والأوراق المطلوبة للمراجعة الضريبية وتبسيط الإجراءات خاصة

بالنسبة للمشروعات الصغيرة ذات الإمكانيات المحاسبية المحدودة.

مراجعة مدى حدة العقوبات على التهرب الضريبي.

 مراجعة مدى ملائمة النظام الضريبي ككل.

2 – تيسير إجراءات الترخيص، وخفض الرسوم الخاصة بمنشآت الاقتصاد غير الرسمي، وتقديم بعض الحوافز  من قبل الحكومة مثل تخفيض التأمينات الاجتماعية للعاملين على أن تتحمل الحكومة من موازنتها هذه التخفيضات، وإعادة النظر في النظم والإجراءات القانونية المنظمة لعملية تملك مشروعات خاصة سواء للعاملين في الدولة أو المتقاعدين.

3 – العمل علي تحفيز المؤسسات التمويلية علي تخصيص قروض تمويلية للمشروعات العاملة في ذلك القطاع  بشروط ميسرة وضمانات أقل و بالتالي يساهم ذلك الإجراء في تفعيل دور القطاع غير الرسمي في التنمية المحلية و إمكانية الحصول علي البيانات الخاصة بالمشروع عند حصوله علي قرض تمويلي.

4 – زيادة دور الجهات الرقابية علي نشاط ذلك القطاع والباعة الجائلين والعمل علي تقنين نشاط الباعة الجائلين.

5. العمل علي تنمية الوعى الجماهيري بأهمية الظاهرة وآثارها السلبية على الاقتصاد والمجتمع وأهمية الحاجة إلى  تحجيم هذا الاقتصاد.

المراجع

1 ــ د. يسري العزباوي (رؤية جديدة للتعامل مع القطاع غير الرسمي)، المركز العربي للبحوث والدراسات، إبريل 2016.
http://www.acrseg.org/40193
2 ــ خالد مجد الدين (تضخم قطاع الأعمال غير الرسمي و تأثيره على اقتصاد مصر)، أخبار مصر، 1/12/2014، goo.gl/MVl88e

3 ــ سمير مرقص (الاقتصاد غير الرسمي في مصر إلي أين ؟)، الأهرام
goo.gl/DakmQYcontent_copy
4 ــ عادل عامر (الاقتصاد الموازي في مصر)، مصرس، 23/4/2015https://www.masress.com/almesryoon/834225
5 ــ نورهان عمر ونسمه أمين (الاقتصاد غير الرسمي.. 2.6 تريليون جنيه خارج سيطرة الدولة)، الوفد 25/3/2016، goo.gl/A2EWHN
6 ــ نرمين طلعت غالي، نهي فوزي، سحر سعد، دراسه بعنون (العمل غير الرسمي وأثره علي الاقتصاد القومي)، وزارة المالية، الإدارة العامة للبحوث المالية.

المصدر | البديل

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية