خرافات قصف بالكوليرا... وأعاصير لا تصيب هدفها

الإثنين , 15 مايو 2017 ,9:01 ص , 9:01 ص



«رحمتك يارب»، يقول منصور (19عاماً) وهو ينظر إلى أكوام القمامة وقد تحولت في الشارع كتلاً موحلة. وعلى رغم أن تسببت الأمطار الغزيرة التي شهدتها صنعاء ومناطق يمنية عدة الأسبوع الماضي، في حرمان منصور من بقايا الطعام وعلب القصدير التي كان يعثر عليها في القمامة، وتضرر مئات المشردين ممن يتخذون الرصيف مأوى لهم، إلا أن اللافت هذه المرة هو تحول الأمطار موضوع خصومة سياسية مشوبة بالأساطير.

وكان هطول الأمطار تزامن مع تفشي مرض الكوليرا وتكدس القمامة في شوارع صنعاء نتيجة إضراب عمال النظافة، الأمر الذي دفع بناشطين على مواقع التواصل الاجتماعي إلى مهاجمة ميليشيات الحوثيين وصالح الانقلابية متهمين إياها بقتل اليمنيين مرة بتجويعهم ومرة بتوفير بيئة للأوبئة الفتاكة.

في المقابل، تداول ناشطون موالون للميليشيات التي تسيطر على صنعاء، رواية منسوبة إلى مصادر مجهولة، تدرج انتشار الكوليرا ضمن «حرب مناخية» تشنها دول التحالف العربي بقيادة السعودية. ووفق ما تزعم رواية هؤلاء استخدم التحالف غاز الكيمتريل لاستحداث ظواهر جوية كالاستمطار بهدف نشر الأوبئة في اليمن.

وهذه ليست المرة الأولى التي تفسر فيها الظواهر الطبيعية من منطلق نظرية المؤامرة والصراع، إذ سبق لمواقع عربية على الإنترنت أن اتهمت أميركا وإسرائيل بالوقوف وراء إعصار جونو الذي ضرب سلطنة عمان في 2007.

وجاء في مقال أعيد نشره أخيراً أن إعصار جونو صناعة أميركية - إسرائيلية كان يستهدف إيران، لكن وبسبب خطأ حسابي انحرف فضرب عمان «وعندما ذهب إلى إيران كانت قوته التدميرية استنفدت».

وتسخر طالبة الدراسات العليا في جامعة صنعاء رنا سلام من تضخم نظرية المؤامرة عند شعوب المنطقة مؤكدة لـ «الحياة» أن العرب والمسلمين «لا يحتاجون إلى أعداء لأنهم يصنعون تخلفهم وهزيمتهم بأيديهم»، واصفة بقاء العقل أسير أوهامه بالكارثة.

وخلال نصف قرن، شهدت المجتمعات العربية تطوراً لافتاً على مستوى نمط الحياة، إلا أن هذا التطور لم يصاحبه أي تغيير في التفكير.

ويقدم اليمن نموذجاً لمدى سطوة الخرافة على الأجيال الجديدة. فلئن شكل الشباب رافعة ثورات الربيع العربي إلا أن التغيير الذي سعت إلى إحداثه الثورات الشبابية السلمية افتقر إلى الرؤية الواضحة والمتينة، فبدا كأنه يعيد إنتاج الواقع التقليدي وإن بصورة أخرى.

ويقول الناشط المدني خلدون عبدالكريم أن تمكن النظام السابق في تجميع قوته وقيادة ثورة مضادة تسبب في حرب أهلية، وهو نهض أساساً على ضعف كامن في ثقافة الثورة والثوار أنفسهم، موضحاً أن الثورة المضادة في كل من اليمن ومصر اعتمدت أساطير سياسية جديدة ومنها أسطورة الإرهاب و «الإخوان المسلمين» وغير ذلك، مستفيدة في هذا من تشرذم القوى الثورية وتنافرها.

وصار واضحاً بعد أكثر من 5 سنوات من الحراك الشبابي العربي دور اللاعقلانية في تشظي هذه الثورات ودخولها نفقا مظلماً، إذ إن انبعاث العصبيات والهويات الصغيرة جاء نتيجة لغياب ثقافة وطنية ديموقراطية جامعة. ويقدم الحوثيون (حركة أنصار الله) والحراك الجنوبي مثلاً للجماعات المحكومة بأساطير دينية وسياسية.

وعلى مدى خمســة عقود، كرست الأنظمة الاستبدادية العربية بيئة خصبة لازدهار التـــفكير الخرافي، ليس في أوساط الأميين فقط، بل وبين النخب المتعلمة أيضاً. ويرشح من الدراسات التي تناولت مؤســـسات التـــعليم والــثقافة والإعلام أن دور هذه المؤســـسات لا يتعدى قولبة العقل الجمعي في شكل يبقيه أسيراً لتلك الأوهام التي كسرتها الحداثة الأوروبية منذ عقود.

ويلفت خلدون عبدالكريم إلى هيمنة «القدرية الدينية وغير الدينية» على خطاب الصفحات العربية في موقعي «تويتر» و «فايسبوك» على سبيل المثل، بصفتها تجسيداً لفصام مع منتجات ثورة العلم والتكنولوجيا، حيث تكفي قراءة ردود الأفعال غير العلمية التي تثيرها ظواهر طبيعية مثل الخسوف والكسوف والفيضانات!

المصدر | الحياة

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية