أين ذهب سياسيو مصر؟

الإثنين , 8 مايو 2017 ,5:53 م , 5:53 م



لعبت النخب السياسية في مصر دورا بارزا عبر محطات تاريخها الحديث، استطاع سياسيومصر أن يحققوا الاستقلال الوطني في 1922، بعد نجاحهم في تجييش المدنيين ضمن أعمال المقاومة السلمية ضد الاحتلال البريطاني وقتذاك، وأداروا عملية سياسية بحرفية شديدة انتزعت حق المصريين في تقرير مصيرهم.

نجحوا في حفظ سلامة الإقليم المصري في خضم حروب عالمية أودت بحياة ملايين البشر، جندوا رجال الأعمال نحو تحقيق الاستقلال الاقتصادي المحلي، أصبحت مصر شديدة التنوع السكاني، وحُسمتالنزاعات السياسية دون التعرض لخطر الحروب الأهلية، وحتى حين تدخل الجيش في السياسة عام 1952، أثَر سياسيون مصر الابتعاد عن العمل السياسي، ولم يستخدموا العنف ضد الضباط الأحرار.

دخلت مصر عقودا من الحروب تحت حكم الضباط، خسرت أغلبها ميدانيا، وتدخلت السياسة لتمنح مصر مكسبا سياسيا يحفظ لها ماء الوجه.

قادت الحركة السياسية المعاصرة مصر نحو التغيير، حققت نجاحات نسبية في التخلص من الديكتاتورية، وانتصرت دساتير ما بعد 25 يناير لحق التداول السلمي للسلطة، بحصر مدد الرئاسة في 8 سنوات لا تجدد.

صححت الحركة السياسية المسار الوطني عدة مرات خلال فترة قليلة، و اتسمت مواقف السياسيين بالديناميكية، زاد معدل مشاركة الشباب في العملية السياسية، وشارك المواطنين بكثرة في الاستحقاقات الانتخابية والدستورية، بدا أن مصر تدخل مرحلة جديدة، وعلى وشك ضرب نموذجا رائدا في التحول الديمقراطي، وتجديد دماء جسدها الكهل.

ومع ترشح الرئيس الحالي بتفويض من المجلس العسكري الأعلى؛ تبخر كل ذلك، وتم استبعادأغلب الوجوه التي تصدرت حركة الإطاحة بالإخوان المسلمين، وأصدر تشريعا يقيد حق المصريين في التعبير السلمي عن أراءهم وغضبهم من السلطة، و قُتلت شيماء الصباغ برصاص الشرطة، و فوضت الأجهزة الأمنية نفسها وصيا على اختيارات المصريين لممثليهم البرلمانيين، وجندت البعض لإحداث تفريغ للحياة الحزبية، و فشلت أغلب الأحزاب السياسية القديم منها والجديد، و لم يخلو حزب تقريبا من الصراعات والانشقاقات الداخلية، الوفد والنور والدستور والمصريين الأحرار وحتى مستقبل وطن، جرى اجتثاث السياسة حرفيا.

غابت السياسة وفقدت مصر من يديروا الصراع الاجتماعي بالألياتالسلمية، في مقابل انتشار الإرهاب وهروب الأموال للخارج،والسير في الأزمات الطاحنة: اقتصادياتتضاعف البطالة والديون ومعدلات التضخم، إدارياتشهد مؤسسات الدولة نزاعا شديدا على مساحة النفوذ، اجتماعيا احتجاجات لاتنتهي من القطاعات المهنية والعمالية، خارجيا أصبحت مصر مطمعا لدول الجوار من حلايب وشلاتين إلى تيران وصنافير إلى سد النهضة،وسياسيا مشاركة فقيرة في الاستحقاقات وهَلّم جرا.

يتبقى عام تقريبا على الانتخابات الرئاسية القادمة، ولا أحد في المدينة سوى الرئيس، شهدت مصر قبل 5 سنوات فقط ترشح 12 فردا للرئاسة بخلاف المستبعدين، جميعهم تبنوا برامج سياسية متنوعة، أين ذهبوا جميعا؟

منهم من هو خارج البلاد خائفا من العودة للديار، ومنهم من يقول إنه يعاني الإقصاء الإعلامي والسياسي، ومنهم اليائس، ولا فرق هنا بين سياسي محافظ وأخر راديكالي، لا يهم انتمائه ليبراليا كان أو اشتراكيا.

أما الشباب فلا حرج، 2.5% فقط نسبة مشاركتهم في العملية السياسية بحسب البيانات الرسمية، أما الـ 97,5% فمنهم من يسعى جاهدا للسفر خارجا وهم من أفلتوا من مستنقع الاكتئاب أو يخافواالسجن والقتل، بينما لم ينجح أحد في الإفلات من التشاؤم، أصبح الشباب أهدافا محتملة للإرهاب أو للعمالة أو للانسلاخ عن كل ما يربطهم بالوطن، ومنهم من ينازع فقط من أجل البقاء.

ليست هذا فقط خطورة وضع غياب السياسة، عندما تغيب قنوات التفاعل التقليدية بين السلطة والمواطنين، يحل محلها العنف وانهيار السلم الاجتماعي، فهل ننتظر لنشاهد هذا؟ وهل سنندهش مرة أخرى إذا وصل المتطرفون للسلطة؟ متى يَحُن وقت عودة السياسة؟ ماذا ينتظر البرلمان المصري حتى يُعدّل قانون التظاهر؟ هل سيحاول الرئيس مرة أخرى الفوز بمقعد الرئاسة في ظل انتخابات رئاسية شكلية؟ إذا استمر الوضع هكذا؛ فالإجابة نعم!

المجتمع المصري الأن في أمس الحاجة لتجنب هذا السيناريو، تحتاج مصر بشدة العقول السياسية، سواء لتحقيق التنمية أو الأمن أو حتى للنقاش حول البرامج السياسية الصالحة لمواجهة أزماتها الراهنة.

استطاعت الهيئات السياسية فيما سبق تحقيق النجاحات، بدء من الوفد المصري مرورا بالجمعية الوطنية للتغيير ونهاية بجبهة الإنقاذ الوطني، وعلى سياسيي مصر الأن محاولة إنتاج تجربة مشابهة، لاتكتفي من التنوع والإبداع، وتتحلى بالشجاعة والمخاطرة، تطرح برنامجا سياسيا وطنيا يهدف إلى إصلاح الأوضاع، وليس مهما الاتفاق على مرشح للرئاسة، المهم هو تأمين مسار سياسي ضد الإقصاء والاستبعاد والأمننة أيا كان من سيصبح رئيس مصر القادم، يجب أن يجد من يصحح مساراته، هذا هو الرهان الوحيد على إنقاذ الجسد الكهل من الموت.

المصدر | البديل

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية