الطفولة تقتحم الهجرة غير الشرعية بحثاً عن عيش أحلى

الخميس , 4 مايو 2017 ,12:10 م , 12:10 م



لم تعد الهجرة غير الشرعية ملفاً أمنياً أو سياسياً. وليتها بقيت هكذا، حيث القبض على عصابة هنا تخصصت في تسفير باحثين عن فرصة عمل تدر دخلاً كبيراً يظنون إنها عزّت في جنوب البحر الأبيض المتوسط وتوافرت في شماله. ولم تعد كذلك قضية اقتصادية حيث يتبادل طرفاً المعادلة الاتهامات والتشكيك وإلقاء كرات المسؤولية كل في ملعب الآخر. وليتها بقيت كذلك حيث اتهام تقلّص فرص العمل وتضخّم غول البطالة ووقوف منظومة التعليم مكانك راوح أمام سوق عمل تبحث عن مؤهلات غير تلك المتدفّقة عليها وملكات لا تمت بصلة للمتوافر على بابها. بل لم تعد مسألة إنقاذ من تقاذفتهم أمواج البحر وانتشال من فشلوا في مجابهتها، وليتها بقيت كذلك حيث توافد الأهل على أبواب المشرحة للتعرّف إلى جثامين الأقارب أو تسلّم مصابيهم ليعودوا بهم إلى قراهم، على أن يعاودوا الكرّة بعد قضاء النقاهة.

فالعقد الثاني من الألفية الثالثة يشهد ميل الملف صوب الصغار حتى باتت الهجرة غير الشرعية مسؤولية للتربية والتعليم، وعبئاً على الأب والأم والعم والخال، وكابوساً يطارد كل من يخلد إلى النوم ليلاً من دون شعور بالذنب تجاه أولئك الصغار.

الصغار الذين دافعوا ببراءة واقتناع عن الهجرة غير الشرعية قالوا كلمات ينبغي تقويمها بميزان من ذهب. فهي على رغم المرارة تظهر الحقيقة من دون رياء. وعلى رغم شبح الموت المهيمن في فكرهم، تعكس الواقع من دون «رتوش». «علشان (كي) نعيش عيشة أحلى» أو «يمكن تكون الحياة أحلى»، «أصل الدنيا هنا صعبة»، «بابا تعبان ويمكن أقدر أساعده» «نفسي (أطمح إلى) في شقة حلوة ويمكن كمان أتزوج حين أكبر»، وأسباب كثيرة سردها الصغار في مناظرة غير تقليدية نظمها المجلس القومي للطفولة والأمومة في إحدى مدارس كفر الشيخ، لعدم ممانعتهم للهجرة ولو كانت غير شرعية.

صحيح أن الفريق المُقابل في المناظرة أورد عوامل بدت منطقية وأسباباً ظهرت عقلانية، لكن على الأرجح رددها الصغار لأن دورهم في المناظرة كان يستوجب العقل ويحتّم التريّث. «سنعرّض أنفسنا للموت» «بلدنا أولى بنا»، «نعمل ونجتهد ولو اكتفينا بأكل الخبز فقط»، «في بلاد بره (في الخارج) سنظل مواطنين درجة ثانية».

كل ثانية في المناظرة قالت الكثير. فبدءاً بنشاط ملحوظ يقوم به المجلس القومي للطفول والتنمية في إطار التوعية الميدانية بأخطار الهجرة غير الشرعية للأطفال، مروراً بتعرّض الصغار لهذه الفعاليات التي لم تعد مجرّد أنباء عن غرقى ومشرّدين في نشرات الأخبار، وانتهاء بمواجهة فعلية مع الواقع بعد التعّرف عليه وجهاً لوجه.

يشير الوجه الحقيقي للهجرة غير الشرعية بين الأطفال إلى أن أعداداً متزايدة من الآباء والأمهات يوافقون على تسفير الصغار على متن مراكب متهالكة، ويعلمون جيداً أن احتمالات غرقهم تعادل احتمالات وصولهم إلى أرض الأحلام أو تفوقها. وهي الأرض التــي غالباً تكون إيطالية حيث أعمال دونية وحياة أقرب إلى العبودية.

وكشف تقرير أصدرته قبل أسابيع منظمة الأمم المتحدة للهجرة، زيادة كبيرة في أعداد الأطفال المصريين غير المصحوبين بذويهم الذين وصلوا إلى السواحل الإيطالية خلال العام الماضي. ووفق إحصاءات وزارة الداخلية الإيطالية، بلغ عدد الواصلين 4230 مصرياً بينهم 2467 قاصراً، مقارنة بـ 2610 مهاجراً غير شرعي في عام 2015. وأشار التقرير إلى أن تفوّق عدد المهاجرين القُصر على البالغين، والذي أصبح في زيادة مطردة بين عامي 2011 و2016، على رغم انخفاض طفيف في عامي 2012 و2015.

وكانت دراسة صادرة حديثاً عن اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية ومنعها، كشفت انتشار ثقافة الهجرة غير الشرــــعية بين الأطـــفال وذويهم ممن تتراوح أعمــــارهم بين 9 و18 سنة. وكان لشيوع الفكرة في دوائر الأصدقاء والجيران والأقارب فضلاً عن قصص من عبروا المتوسط وأصابوا نجاحاً تبدّى من خلال تشييد مبنى سكني (تمليك) في القرية، أو تزيّن نساء الأسرة بمصوغات ذهبية، أو شراء أراضٍ أو غيرها من معالم «الثروة»، أثراً بالغاً في ذيوع الفكرة وتمنّي تنفيذها.

وانعكس هذا التمنّي ارتفاعاً في نسب التسرّب من التعليم، وكشف عن تدنّي المستوى التعليمي للأهل مع شكاوى هنا وهناك عن سوء معاملة في البيت، إضافة إلى توافر عنصر الإثارة والمغامرة وإحساس كاذب بأن الصغار قد كبروا وباتوا مقبلين على حياة جديدة يتكفلون فيها بأنفسهم وبغيرهم. كلها عوامل تشجع الصغار على الموافقة على طرق باب الهجرة على مراكب غير شرعية.

اللافت في المناظرة على جانبيها المؤيّد والمعارض للهجرة غير الشرعية، أن الجميع أجمع على جملة واحدة: «نفسي أحس إني إنسان». رغبة الصغار في أن ينعموا بكونهم أناساً لن تتحقق إلا بتوافر عوامل بعينها معروفة عموماً، وخلاصتها برامج تعليمية غير طاردة للصغار ومؤهلة إلى سوق العمل، وبرامج تنموية تلبّي متطلّبات الصغار وذويهم وحاجاتهم، ومشاريع قومية كبرى توفّر فرص عمل بعائد يحقق مستوى معيشياً معقولاً.

لكن الظروف الاقتصادية الآنية تشير إلى أن هذه العوامل لن تتحقق قريباً، وما يمكن تحقيقه تدخّلات توعوية تركّز على الأبعاد الحقيقية لحياة من يهاجرون هجرة غير شرعية. وحملات التوعية التي ينظمها المجلس القومي للطفولة والأمومة تتضمّن زيارات ميدانية لأماكن وجود الأطفال في المحافظات الأكثر تصديراً لهجرة الصغار غير الشرعية، وأفلاماً وثائقية تعرض الأوضاع السيئة التي يعيش فيها المهاجرون غير الشرعيين لاسيما الأطفال.

وفضلاً عن التوعية والأفلام التي تحاول تقديم الدعم المعنوي والمعلومات، لعلّ الأسر تمتنع عن إرسال صغارها إلى الهلاك وأملاً بأن يعرف الصغار أن ما يُقدم لهم باعتباره حلماً بحياة أفضل ليس إلا التهلكة إن لم يكن عبر الموت بحراً فعبر العبودية براً.

ولدى الصندوق الاجتماعي للتنمية مشاريع موجّهة للشباب والأسر لتكون بديلا إيجابياً للهجرة غير الشرعية. ويجول مسؤولو الصندوق في المحافظات لشرح برنامج «مشروعك» للحصول على مشروع إنتاجي، إضافة إلى عروض يقدّمها شباب نفذوا مشاريع ناجحة مولها الصندوق.

المشرف على المجلس القومي للطفولة والأمومة نائب وزير الصحة والسكان الدكتور مايسة شوقي، تقول إن المجلس يعمل في ملف الهجرة غير الشرعية للأطفال على ثلاثة محاور هي: التوعية، تقديم البدائل الإيجابية، والعودة الطوعية. وقد بدأ تفعيل لجان الحماية العامة والفرعية لحماية الطفولة في المحافظات التي تعاني من هذه الظاهرة (الفيوم، البحيرة، أسيوط، الغربية، الدقهلية وكفر الشيخ)، لتكون آليات للرصد وإدارة الحالات وتقديم خدمات مباشرة للأطفال المعرّضين لخطر الهجرة غير الشرعية.


المصدر | الحياة

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية