مصريون على هامش الحياة

الإثنين , 1 مايو 2017 ,7:44 م , 7:44 م



لا شيء يعوضهم عن ساعة واحدة من سنوات الغربة التي تأكل من أعمارهم وتنزع زهرة شبابهم يومًا بعد يوم دون رحمة أو هوادة، بعد أن ضاقت بهم سبل الحياة، وفقدوا الأمل في البقاء داخل أوطانهم، فتغربوا عن البلد والأهل والزوج والولد، وصاروا مجرد آلة تعمل ليل نهار لجني الأموال فحسب، حتى تمنوا لو كانت أبواب الرزق مفتوحة لهم هنا وفرص العمل تتوزع بعدالة، وتكون بلادهم أحن عليهم من غيرها.

أوجاع ومعاناة جموع المصريين العاملين بالخارج تتمثل في سوء المعاملة من المصريين والأجانب على حد سواء.

 ورغم اختلاف الأوضاع الاقتصادية هناك كثيرًا عن بلادهم، تبقى نظرة البعض السلبية لهم حين يتهمونهم بالتخاذل والهروب من وطنهم في عز حاجته إليهم للنهوض من كبوته، في الوقت ذاته يصبون جام غضبهم على كل المتعايشين فيه ممن ينتقدون الأوضاع السيئة التي يمرون بها بحسرة وغضب على ما وصلت إليه أحوال بلدهم وهم يصرخون فيهم: “لو مش عاجبكم سيبوا البلد”.

يزيد عدد عمال مصر بالخارج على 9 ملايين عامل بحسب إحصاءات الاتحاد العام للمصريين بالخارج، والنسبة الأكبر منهم يعملون بالمملكة العربية السعودية، تليها الكويت فالإمارات وقطر وغيرها.

“مالناش تمن في بلدنا”

“إحنا بنعاني أكتر م اللي عايشين فيها، يعني إيه اللي غربنا عن أهلنا وناسنا؟ مش بلدنا اللي ما لقيناش فيها عيشة كريمة، لدرجة إني ما بقيتش عارفة أعيش في بلدي ولا عارفة أعيش في الغربة؟!”.. بكلمات ممزوجة بالحسرة والأسى ودموع تغرق عينيها شخصت رشا العربي، سيدة ثلاثينية تعمل مدرسة موسيقى بدولة الكويت، حالها، مضيفة: “هنا باختصار ما لناش تمن عشان بلدنا مرخَّصانا، وباعاني كل يوم من العنصرية ومن التعامل معايا كمواطنة درجة تانية وتالتة”.

وبعد 16 سنة غربة كانت المحصلة كما قالت رشا “لا عارفة أوفر ثمن شقة أعيش فيها، ولا عارفة أحوِّش قرشين لولادي من بعدي.. واللي عمالين يقولوا إيه اللي وداها هناك وخلاها تسيب البلد، للأسف اللي إيده في المية مش زي اللي إيده في النار”.

وعن سبب المعاملة السيئة قالت “نحن المصريون العاملون بالخارج، لا نريد إعلامًا يسيء إلى بلادنا بالألفاظ النابية الخارجة من أناس يحصلون على رواتب تتضاعف يومًا بعد يوم بالألوفات، ويرددون كلامًا لا يليق بمصر، ونحن فى الغربة ندفع الثمن بعيدين عن الأهل والوطن لنجمع ملاليم”.

وأضافت بسخرية “المصريون بالخارج وطنيون فقط في حدود تحويلاتهم للعملة وزياراتهم للسياحة ورفع أعلام مصر أثناء زيارات المسؤولين المصريين للخارج، ولكن عند انتقادهم للأوضاع السياسية الخاطئة ومواقف الدولة السلبية أو تقاعسها عن أداء الواجب، يتحولون إلى عملاء وأجندات تحركها جهات أجنبية”.
ضريبة الغربة
أكثر ما يؤلم العامل المغترب، ويقلب حياته رأسًا على عقب، هو أن يسمع أخبارًا سيئة عن تعرض أحد من أهله لسوء أو إصابته بمرض يودي بحياته، وتحول الحدود والمسافات بينه وبين زيارته له بالمستشفى أو حضور جنازته؛ لإلقاء نظرة الوداع عليه، قبل أن يدفن تحت التراب.

يقول صالح المشد، نجار مسلح بإمارة دبي “ساعات لما يجيني اتصال مفاجئ من حد أعرفه في مصر، باقول يا رب استر ما اسمعش خبر وفاة حد أعرفه. طبعًا كلها أعمار بإيد ربنا، بس شعور صعب قوي، حتى الغربة خلتني ما احضرش أفراح أعز الناس على قلبي. تفتكر ده سهل؟ ويا ريتنا قادرين نعيش.. للأسف مصريين”.

“بهدلة وسوء معاملة ووضع مهين وتمن رخيص أوي برة مصر”.. هكذا وصف خالد فؤاد، عامل بإحدى الشركات الخاصة في السعودية، معقبًا “رغم أن الأسعار أرخص بكثير من مصر ومصادر الرزق أكبر، ولكن انتشار العمالة البنجلاديشية والهندية في معظم دول الخليج ساهم في الاستغناء عن العامل المصري الذي يتقاضى أجرًا أكبر منهم”.
انتحار مع وقف التنفيذ
وتابع فؤاد أن تحكمات أصحاب العمل، وجزء كبير منهم يحملون الجنسية المصرية، ولكنهم يلجؤون إلى العمالة الأجنبية توفيرًا للنفقات، مسؤولة عن تضييق الخناق على العاملين المصريين بالخارج.

واختتم في أسى “خلاصة الوضع إحنا رخاص أوي وما فيش أي مخرج، يعني لا عارف أتجوز، أو أوفر فلوس، وكمان متغرب عن أهلي، وشكلي كده آخر ما ازهق هانتحر، وأعلق نفسي على مشنقة، وأخلص من الهم ده كله”.

صندوق للمعاشات
يخطط آلاف المصريين العاملين بالخارج للعودة إلى مصر والاستقرار فيها عند خروجهم على المعاش أو ترك عملهم، ولكن عددًا كبيرًا منهم حال عودته لن يصبح لديه عمل ثابت، ومن ثم دخل شهري يحصل عليه يؤمن احتياجاته، سوى ما ادخره في الأيام الخوالي، وأودعه بالبنوك، أو استثمره في مشروع ما، ويدر عليه دخلًا ثابتًا كل شهر.

هنا يقترح إسماعيل أحمد علي، رئيس اتحاد المصريين العاملين بالخارج، أن تقوم وزارة التأمينات والمعاشات بالتعاون مع وزارة الهجرة بتأسيس صندوق معاشات للعاملين بالخارج، بحيث يتم تحويل مبلغ المشاركة الشهرية عليه بكافة العملات القابلة للتحويل في السوق العالمية.

وأضاف “من ناحية يستفيد الاقتصاد بضخ عملات أجنبية بشكل دوري، ومن ناحية أخرى يكون هناك مصدر أمان ومعاش، يحصل عليه المشاركون بهذا الصندوق عند العودة لأرض الوطن”.
مطالب مشروعة
مطالب عديدة ومتطلبات وأمنيات أكثر تخص جموع المصريين العاملين بالخارج، يحصرها أحمد عبد الله، منسق لجنة الدفاع عن حقوق المغتربين بالكويت ممن تمثل تحويلاتهم المالية لمصر أكبر إيرادات لدعم الاقتصاد المصري بعد قطاعي البترول والسياحة.

يأتي على رأس تلك المطالب أن يحصل المصريون بالخارج على احترامهم وهيبتهم بكافة الدول العاملين بها، وأن تكون وزارة الخارجية المصرية سندًا لهم في ذلك،  وتخصيص وزارة مستقلة لإدارة شؤون المصريين المغتربين، تدرك حجم وطبيعة مشاكل المغتربين، وتعمل على كفالة حقوقهم، مع منحهم الحق الكامل في تأسيس حزب يمثل جموع المصريين في الخارج.

بالإضافة إلى كفالة حقهم في التمثيل البرلماني، على غرار العديد من الدول الغربية والعربية، ومنها الجزائر التي تكفل حق المغترب في التمثيل البرلماني، مطالبًا بتضمينه في قانون الانتخابات، إلى جانب رفع نسبة التمثيل المخصصة لأبناء مصر بالخارج داخل الجامعات المصرية.

المصدر | البديل

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية