"المنسيون"القصة الكاملة لتسجيل أبناء الزواج العرفى

الثلاثاء , 25 إبريل 2017 ,4:19 م , 4:19 م



أثار الحكم الذى أصدرته محكمة القضاء الإدارى، أمس الأول، لصالح سيدة بحقها فى قيد طفلها بسجلات مصلحة الأحوال المدنية، بصفة مؤقتة باسم زوجها، استنادًا إلى عقد زواجها العرفى، ارتياحًا بين عدد من المنظمات المدافعة عن حقوق المرأة والطفل، باعتباره خطوة جادة على طريق تمكين المرأة من الحفاظ على حقوقها، التى كفلها لها الدستور، وموازنة الحقوق المشروعة لطفلها فى ضمان انتسابه إلى أب، بما يحفظ كرامته فى المجتمع.

المحكمة: الطفل أضعف حلقات الأسرة.. ويجب نسبه إلى والديه لحفظ كرامته وإنسانيته
حصلت «الدستور» على نص حيثيات الحكم الصادر برئاسة المستشار سامى عبدالحميد، نائب رئيس مجلس الدولة، بإلزام الدولة بتسجيل أبناء الزواج العرفى، وأشارت المحكمة فى حيثياتها إلى أنه فى ضوء أحكام الدستور المصرى، وقانون الطفل، وقانون الأحوال المدنية، فإن المشرع أعطى حق الطفل فى نسبه إلى والديه، وحصوله على اسم يميزه فى المجتمع، ويحفظ له كرامته وإنسانيته ويتمتع بكل الحقوق، ومنها الحق فى التعليم والصحة، وهى حقوق أولى بالرعاية والحماية، لكون الصغير يقع فى مركز قانونى أعلى مما قد يثور من خلاف حول صحة العلاقة الزوجية أو ثبوت النسب لوالديه أو أحدهما.

وأضافت المحكمة أنها تقرع باب المشرع والمنظمات المعنية بشئون الطفل، أن تتقصى بالبحث والدراسة المشكلات الناتجة عن الزواج العرفى، الذى تتخلى فيه الأم عن حقها فى إثباته، إما جهلًا، أو قهرًا، ومع ضعف الخُلُق والدين، يكون ثمرته طفل ضحية الحرمان من حق الحياة.

وذكرت المحكمة ضمن أسباب حكمها، أن المشرع الدستورى حرص على التأكيد على حقوق الطفل باعتباره أضعف حلقات الأسرة، وثمرة قيامها، وأن المشرع فى قانون الطفل حرص على ضبط عملية قيد الأطفال، وحمايتهم بنسب الطفل إلى والديه، باعتباره أحد حقوق الطفل الدستورية التى تدعم حقه فى الحياة الآمنة فى بيئة اجتماعية ودينية صالحة، فقرر الإبلاغ عن واقعة الميلاد خلال 15 يومًا من تاريخ حدوثها، وحدد حصريا الأشخاص المكلفين بالتبليغ عن الولادة، ومنهم والد الطفل، إذا كان حاضرًا، أو والدته، شريطة إثبات العلاقة الزوجية.

وتابعت المحكمة فى حيثيات حكمها أن اللائحة التنفيذية للقانون أوضحت الإجراءات الواجب اتباعها فى حال عدم إثبات الأم لتلك العلاقة، وتتمثل فى تقديمها إقرارًا كتابيًا منها بأن الطفل وليدها، وبشهادة القائم بالتوليد بواقعة الميلاد، ويتم فى هذه الحالة قيد المولود بسجلات المواليد، ويدون اسم الأم فى الخانة المخصصة لذلك، ويثبت للمولود اسم أب رباعى يختاره المسئول عن القيد، ولا يعتد بهذه الشهادة فى غير إثبات واقعة الميلاد، مع إثبات ذلك بمحضر إدارى يحرره المسئول عن القيد، ويرفق بنموذج التبليغ على النحو الذى يصدر به قرار من وزارة الداخلية بالتنسيق مع وزارة الصحة، حسبما تقضى اللائحة التنفيذية لقانون الطفل، والتى حددت البيانات التى يجب أن يشملها الإبلاغ عن واقعة الميلاد، والتى يتم إدراجها فى النموذج المعد لذلك.

وأوضحت المحكمة فى حيثيات حكمها أن القضاء الإدارى بذلك لا يعتدى على السلطة التشريعية، فهو لا يضع قانونًا، ولا يتعدى كذلك على جهة القضاء المختصة بالفصل فى منازعات الأحوال الشخصية، وغاية الأمر أنه يوازن بين ممارسة الحقوق لكل من المرأة والرجل فى عقد الزواج العرفى فى قيد طفلهما ثمرة هذا الزواج، علاوة على حق الطفل ذاته فى الحصول على اسم يميزه، ويضمن عدم امتهان كرامته الإنسانية، وبيان أى من تلك الحقوق أولى بالرعاية فى نظر الدستور القائم، وبمراعاة القواعد الإنسانية التى استقرت فى وجدان المجتمع، والتى لا يحدها فى ذلك إلا تحقيق الصالح العام.

واختتمت المحكمة حيثياتها بقولها إن حكمها فى هذا الشأن هو قضاء كاشف مقصور على المنازعة محل الدعوى ذاتها، فى ضوء تقديرها لوقائع المنازعة المطروحة عليها وأدلتها، دون أن تتقيد محكمة أخرى بهذا القضاء، بل دون أن تتقيد هى نفسها به فى قضية أخرى تنظرها بعد ذلك.

«القومى للمرأة»: حرمان الصغير من الانتساب لوالده يحقر من شأنه
قالت رانيا يحيى، عضو المجلس القومى للمرأة، إن المجلس سبق أن عقد حملات توعية لضرورة توثيق الزواج، حتى تتمكن المرأة من الحصول على جميع مستحقاتها المادية والقانونية، لكن فى حال الزواج العرفى ليس عدلًا أن نحمّل الأطفال المسئولية كاملة، ونتركهم عرضه لمخاطر المجتمع. وأكدت عضو المجلس القومى للمرأة أن هذا الحكم يعمل على إنصاف السيدات، لافتة إلى أن حرمان الأم من إثبات عقدها العرفى يعتبر نوعًا من الإيذاء النفسى والبدنى لها، أن حرمان الطفل من حقه فى الانتساب لوالده، وهو حق من حقوقه، يعد تعديًا على آدميته، وتحقيرا من شأنه.

منظمات حقوقية: الحكم يرغم الأب على إثبات نسب ابنه
قالت عبير سليمان، رئيس مؤسسة ضد التمييز لحقوق الإنسان، إن قرار المحكمة بإثبات نسب الطفل الناتج عن الزواج العرفى، سيسهم بشكل كبير فى إثبات الزواج العرفى نفسه، خاصة فى حال وقوع أى خلافات أسرية بين الجانبين، والتى تدفع الزوج إلى التنصل من مسئولية الاعتراف بالزواج.

وأشارت سليمان إلى أن الحكم يعد خطوة جادة فى حماية الأطفال والحفاظ على نسبهم.

من جانبها، أكدت الدكتورة نهاد أبوالقمصان، مدير المركز المصرى لحقوق المرأة، أن الزواج العرفى يعد كارثة فى حق المرأة، وتنازلًا صريحًا منها عن حقوقها.

وأشارت أبوالقمصان إلى أن حكم المحكمة صدر لتوثيق الطفل الناتج عن الزواج العرفى ومنعه من التشرد واللجوء لمخاطر الشارع، لافتة إلى أن المنظمات النسائية دائمًا كانت تبحث عن استرداد حق المرأة فى إثبات نسب طفلها لوالده، حتى ينال حقوقه بطرق قانونية وموثقة، موضحة أنها ضد فكرة الزواج العرفى، أو أى نوع من أنواع ابتزاز المرأة تحت أى ظرف، وبالتالى فإن حكم المحكمة يرغم الأب على إثبات نسب طفله وتحمل المسئولية تجاهه.

البرلمان: تشريعات جديدة للحد من الظاهرة
على المستوى التشريعى، أكد النائب محمد نبيل الجمل، وكيل اللجنة الدستورية والتشريعية بمجلس النواب، ضرورة نظر البرلمان فى القرار الذى اتخذته محكمة القضاء الإدارى والعمل على إعداد مشروع بقانون يحد من هذا النوع من الزواج، حتى تتوافر معاملة عادلة للأطفال الناتجين عن هذا النوع من الزواج.

وأضاف الجمل فى تصريحات لـ«الدستور»، أنه على الرغم من انتشار ظاهرة الزواج العرفى، فإنه لا توجد أى مواد تشريعية رادعة تحد من الزواج العرفى، مشددًا على أن القاعدة الشرعية والقانونية القائمة بخصوص هذا الزواج هى «الولد للفراش»، مطالبًا مجلس النواب واللجان المختصة بسرعة إعداد مشروع قانون لمجابهة هذه الظاهرة المنتشرة فى المجتمع.

فى السياق ذاته، أشاد النائب محمد أبوحامد، وكيل لجنة التضامن الاجتماعى والأسرة بمجلس النواب، بحكم القضاء الإدارى بإلزام الدولة بتسجيل أبناء الزواج العرفى باعتباره «خطوة جيدة»، مشيرًا إلى أن هذا الحكم يساعد فى حل هذه أزمة الزواج العرفى.

وأضاف أبوحامد لـ«الدستور»، أن عددًا كبيرًا من الأطفال نتجوا عن الزواج العرفى فى مصر بعد ارتفاع معدلاته فى الآونة الأخيرة، إلا أن الدولة لم تجد سبيلا فى تسجيلهم لعدم وجود تشريعات خاصة بذلك الأمر، مطالبًا مؤسسات الدولة الدينية، وعلى رأسها الأزهر بالقيام بدور توعوى بأضرار هذا النوع من الزواج.

وأوضح أن قانون الأحوال الشخصية، الذى تعكف اللجنة حاليًا على النظر فيه والانتهاء منه، يتضمن عددًا من البنود والمواد التى تردع المجتمع من ممارسة هذا النوع من الزواج، مطالبًا بأن يتضمن القانون آلية للتعامل مع أوضاع الأبناء الذين نتجوا عن هذا الزواج غير الشرعى، موكدًا أن المجتمع يحاول وضع تشريعات لمنع هذا النوع من الزواج.

إخصائيو الأسرة: 2000 سيدة تستفيد
أشاد عدد كبير من القانونيين بالحكم، واعتبروه أثار ارتياحًا لدى كثير من هيئات رعاية الطفل فى مصر، لا سيما بعد الارتفاع الملحوظ الذى شهدته ساحات المحاكم فى قضايا نسب الزواج العرفى، الذى وصل إلى أكثر من 14 ألف قضية سنويًا، ووصل عدد دعاوى إنكار النسب، التى تنظر حاليًا أمام محاكم الأسرة، إلى 2000 دعوى، حسب الاحصائية الربع سنوية لعام 2017.

وأشار مصدر قضائى إلى أن محكمة الأسرة تحكم لما يطمئن له قلبها فى مثل هذه القضايا، آخذة فى الاعتبار مصلحة هؤلاء الأطفال، حيث يحكم بثبوت النسب إذا توافر عقد للزواج عرفى، إعمالا لمواد القانون والقاعدة الفقهية «الطفل للفراش»، أما فى حالة عدم وجود عقد للزواج العرفى، فيطالب المدعى عليه بإجراء تحليل D N A، ولكن نصوص القانون لا يوجد بها ما يلزم المدعى بذلك، وفى حالة رفضه يعد إقرارًا منه بالنسب، ويعد قرينة يصدر من خلالها الحكم، ويجب أن تقترن هذه القرينة بقرائن أخرى لإثبات النسب، منها محادثات وسائل التواصل الاجتماعى (الفيس_ الواتس_ الفيبر) والتى تدل على زواجهما، أو شهادة الشهود على الزواج، كالجيران، أو شهود العقد، أو تقديم المدعى عليه المدعية للناس على أنها زوجته فى الأماكن العامة، أو وجود تحويلات بنكية مثبت فيها أن المدعية زوجة المدعى عليه، أو فواتير فنادق أقام فيها المدعى والمدعى عليه معًا، وتم بها إثبات عبارة «فلان وحرمه»، ففى هذه الحالة يعد رفض المدعى عليه إجراء التحليل، مع وجود قرائن أخرى من هذا النوع، دليلا على إثبات نسب الطفل.

قانونيون: استخراج شهادات ميلاد مؤقتة
أوضح القانونى المختص بالشأن الأسرى، عمر سمير، أن الحكم سيترتب عليه آثار قانونية كثيرة، منها أحقية تسجيل أطفال الزواج العرفى، واستخراج شهادات ميلاد لهم بصفة مؤقتة، دون اللجوء للقضاء، حيث إن عقد الزواج العرفى يعد فى ذاته حقًا فى قيد هؤلاء الأطفال، واستصدار وثيقة ميلاد له مثبتًا فيها اسمه منسوبًا إلى أبيه، كما يلزم وزارة التربية والتعليم بقبول الطفل بإحدى المدارس.

وأشار إلى أن الحكم فرق بين الحق فى تسجيل أطفال الزواج العرفى بصفة مؤقتة حتى يتم الفصل فى الدعاوى القضائية بإثبات النسب من عدمه مراعاة لمصلحة الطفل، وبين إثبات نسب أطفال الزواج العرفى بشكل مطلق، لأن ذلك يعد بابًا من أبواب اختلاط الأنساب ويفتح الباب للتحايل على الأرث.

وأشار إلى أن الحكم لا يترتب عليه نفقة الصغير من مأكل وملبس ومصاريف دراسية، حيث إن أطفال الزواج العرفى ليس لهم الحق فى النفقة، إلا عقب صدور حكم نهائى وبات بإثبات النسب، كما أشار إلى عدم أحقية أبناء الزواج العرفى فى الميراث إلابعد صدور حكم نهائى وبات بالنسب.

وفرق سمير بين أن يكون الحكم خاصًا بأبناء الزواج العرفى فى حالة وجود العقد، وحالة عدم وجود العقد، حيث إن هذا الحكم لن يطبق على الأطفال فى الحالة الأخيرة، لعدم وجود عقد عرفى للزواج.

رجال الدين: المعاشرة بين الزوجين تستلزم إثبات النسب
قال الدكتور رمضان عبدالرازق، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، عضو المركز الإعلامى بالأزهر الشريف، إن الشرع يحرم الزواج العرفى، ولكن فى حال ثبوت المعاشرة بين الزوجين، فلابد إذن من إثبات نسب الطفل، الذى يصبح فى هذه الحالة لديه أب وأم ولا ينقصه شىء سوى الاعتراف به.

وأشار أستاذ الفقه المقارن بجامعه الأزهر إلى أن مناط الحكم بتحريم نسب طفل الزواج العرفى، يعود إلى عدم ثبوت معاشرة الرجل لأم الطفل، وفى تلك الحالة لابد أن يعود الحكم إلى المحكمة، لأن من المتوقع أن يتم اختلاط أنساب، وهذا حرام شرعًا، لكنه أشاد بقرار المحكمة واعتبره سترة للمرأة وحفاظًا على حقها وحماية للطفل من أطماع المجتمع.
 

المصدر | الدستور

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية