فورين أفيرز: الصين على طريق سيادة القانون

الاحد , 2 إبريل 2017 ,11:50 م , 11:50 م



فى ختام الاجتماع السنوي للمجلس الوطنى لنواب الشعب الصينى أوائل الشهر الماضي، تحركت الصين خطوة نحو إقرار قانون مدني موحد.
 
حيث وافق المجلس رسميا على المبادئ العامة للقانون المدني، وهي مبادئ توجيهية بشأن كيفية صياغة القوانين التي تنظم جميع جوانب الحياة المدنية، من الزواج إلى الملكية العقارية إلى الإصابات التي تلحق بالأشخاص، بهدف استكمال القانون بحلول عام 2020.

وربما يفاجأ المراقبون الخارجيون بأن الصين تمكنت من الوصول إلى هذا المستوى من النشاط الاقتصادي بدون قانون مدني رسمي، ورغم أن الصين بدأت في تطوير أسس متطورة لنظم قانونية تجارية في الثمانينيات، إلا أن نظمها القانونية القديمة الأخرى لا تزال قائمة.
 
ومع تزايد تدفق القضايا المتعلقة بكل شيء من قانون الأسرة إلى الملكية الفكرية إلى الثقة والممتلكات، أوضحت المحكمة الشعبية العليا أن الوقت قد حان لبناء وإعادة هيكلة نظام المحاكم.

ولا شك أن إنشاء قانون مدني هو عمل سياسي بطبيعته، ويتخوف بعض المسؤولين وعلماء القانون من أن إقرار الحقوق التي يحميها الأبواب ربما يفتح الأبواب أمام "ثورة ملونة".
 
فعلى سبيل المثال، يساوي ليانج هويشينج الأستاذ بالأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية بين إقرار الحقوق الملكية وحق التعبير رسميا وبين "الحرية بلا ضابط"، وحذر من أن تؤدي إلى انتفاضة مماثلة لتلك التي في أوكرانيا عام 2014.
 
مسيرة طويلة نحو القانون المدني

ومن العجيب أن الصين ليس لديها قانون مدني رغم المحاولات السابقة المتعددة لإصدار مثل هذا القانون، فقد انتهت بالفشل محاولات إصدار قانون مدني في 1954، 1962، 1979، و 2001، وخلال فترة الثورة الثقافية، توقفت جميع المناقشات الرسمية حول قانون مدني بسبب البيئة السياسية الفوضوية.
 
وفي عام 1979، وفر الإصلاح الاقتصادي وانفتاح الصين زخما فريدا للدعوة إلى القانون المدني، ولكن كان هناك خلاف كبير بين واضعي النصوص حول العملية والنهج الأساسي.
 
وفي عام 1986، سنت المبادئ العامة للقانون المدني الحالية، وهي لا تزال تنظم المسائل المدنية حتى يومنا هذا، و تعكس مبادئ عام 1986 ـ التي تنتمي إلى حقبة مختلفة ـ حساسية اجتماعية مختلفة تماما عن المبادئ العامة التي تم إقرارها هذا الشهر.
 
كما تواجه الجهود الرامية إلى سن قانون مدني في عام 2001 عقبات مماثلة لتلك التي واجهتها في عام 1979، حيث قررت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني الشعبي مرة أخرى أن النهج التدريجي أفضل من إجراء إصلاح شامل للقانون مرة واحدة.

غير أن الكاتبة والخبيرة القانونية محامية عدة شركات أمريكية وصينية، ربيكا لياو توضح أن هذا لا يعني أن البلد لم يكن لديه سوى مبادئ عامة غامضة وقرارات قضائية مرشدة كقانون مدني.
 
ففي النظام الحالي، توجد قوانين تنظم جوانب منفصلة لما يمكن أن يشكل قانونا مدنيا، بما في ذلك قانون الملكية، وقانون المسؤولية عن الضرر، وقانون الميراث.
 
ونظرا للتداخل في موضوعات القوانين، والأحكام القضائية، وما شابه ذلك، يمكن أن يكون التحول عن مجموعة القوانين الحالية مربكا ويؤدي إلى نتائج غير متسقة. وهكذا، قرر الحزب الشيوعي في أكتوبر 2014، الالتزام بوضع قانون مدني.
 
وتشير لياو في مقال نشرته مجلة فورين أفيرز إلى أنه سوف يلزم ـ بعد أن وافق المشرعون على مبادئ عامة ـ إعادة صياغة قوانين محددة تنظم الممتلكات والعقود والمسئولية عن التقصير والزواج والميراث.
 
وبدأت عملية الصياغة في أواخر العام الماضي ولكن سيتم تسريعها حتى يمكن تقديم المشروع النهائي إلى اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب لأول قراءة في عام 2018. وبالإضافة إلى وضع أحكام جديدة، سيتم تخصيص قدر كبير من العمل للتوفيق بين القانون المدني الجديد والقوانين القائمة.
 
وبما أن الآلية التشريعية والبيروقراطية تعمل على صياغة قانون مدني كامل، يجدر التذكير بالهدف الوطني النهائي لهذه البنية التحتية القانونية: حيث يقول الأستاذ ريتشارد وونج من جامعة هونج كونج إن الصين، عندما بدأت عملية التحديث أوائل القرن العشرين، اتخذت القانون المدني الألماني، كما هو منصوص عليه في أوتو فون بسمارك، نموذجا لها.

وكان للنظام الألماني طابع جماهيري مميز، فقد نتج عن رغبة بروسيا في بناء بيروقراطية الدولة العقلانية وقيادة عسكرية قوية، وتوحيد العديد من الدول الصغيرة، والإدارات والمدن في ألمانيا بسمارك.

وتبدو التشابهات مع الصورة الذاتية للصين واضحة: دولة بيروقراطية شاسعة تؤكد على المصلحة الجماعية وتحكم بشكل فعال بلد يتكون من مناطق متباينة مستقلة ذاتيا. ومع ذلك، فإن القوانين الحالية للصين، وهي أساس القانون المدني، تعكس المفهوم السوفيتي للشخصية.
 
وبينما تتراجع بوضوح السمة السوفيتية (والبروسية) للمجتمع الصيني، سوف تثور شكوك حول ملاءمة هذين النموذجين.
 
حداثة الحقوق الشخصية
 
إذا كان القانون المدني يعكس كيف ينظر المجتمع إلى شخص ما، فهو يظهر أيضا بطبيعة الحال كيف تغيرت هذه النظرة مع مرور الوقت. وبينما تترسخ ملامح السوق الحرة لاقتصاد الصين أكثر فأكثر، وتزداد دينامية مجتمعها، تزداد أيضا تعقيدات حياة الشعب الصيني.
 
فلم يعد من الممكن التعامل مع النزاعات على كل شيء من الزواج إلى الأنشطة التجارية، داخل الأسر أو مجتمعات الأشخاص الذين لهم صلات عميقة ببعضهم البعض، وفق مجموعة مفهومة بشكل عام من القواعد.

وهكذا، فإن تركيز بكين على مسائل سيادة القانون ليس فقط لمجرد الرغبة في تعزيز شرعية الإدارة الحالية ولكن أيضا تلبية لمطالب المواطنين الذين يتطلعون بشكل متزايد إلى طرف ثالث للفصل في المنازعات.
 
ومن المؤكد أن المبادئ العامة المعتمدة حديثا لها نصيبها العادل من الأحكام التي تستجيب مباشرة لاهتمامات الشعب الصيني الرئيسية.
 
فعلى سبيل المثال، يطلب من المواطنين والشركات مراعاة تأثير أنشطتهم على البيئة. ووفقا لما ذكره وو تشينج "هناك حاجة إلى بذل جهود تشريعية لضمان وفاء المواطنين المدنيين على نحو أفضل بالتزاماتهم في مجال حماية البيئة".
 
وسيكون على الشركات الآن الحصول على موافقة من المستخدمين قبل بيع بياناتهم الخاصة إلى أطراف ثالثة.

وعلى الرغم من زيادة الاهتمام بالقرصنة العابرة للحدود من خارج الصين، فإن القرصنة المحلية هي أكثر انتشارا، وينبغي أن تساعد القوانين المتعلقة باستخدام البيانات الرقمية على التخفيف من خطرها.

وسيتم حماية المتطوعين الصالحين من المسئولية، بأمل الحد من الحوادث المحلية سيئة السمعة، حيث يرفض الغرباء مساعدة شخص في محنة خوفا من أن يعاقبوا على حسن نواياهم.

ولعل الدليل على مدى تغير الحياة في الصين يأتي من الأحكام الجديدة المتعلقة بقانون الأسرة. ففي السنوات الثلاثين الماضية، ركز المجتمع الصيني على العلاقات الزوجية مع ارتفاع الطلاق وانخفاض عدد الأسر متعددة الأجيال التي تعيش معا.
 
وتعكس المبادئ العامة الجديدة تعقيد الحياة الأسرية. سوف يكون للأطفال رأي في المعارك على حضانة بعد الطلاق من سن السادسة (سابقا، كان الحد الأدنى للسن عشر سنوات). ولدى الأجنة قبل الميلاد حقوقا في الميراث والأصول النقدية، وهو دليل على معارك الميراث حيث أصبحت الأسر أكثر ثراء ولكن أكثر تصدعا.

وفي الوقت نفسه، تهدف المبادئ العامة إلى الحفاظ على الجوانب الأخرى للعلاقات الودية. على سبيل المثال، يجب على العمال المهاجرين تحسين الرعاية لأطفالهم عندما ينتقلون إلى مدينة جديدة للعمل. ويجب على الأبناء أيضا أن يقدموا رعاية أفضل لأبويهم بمجرد تركهم البيت.
 
وسوف يكون قانون الأسرة أكثر أجزاء القانون المدني الجديد وضوحا، ولكن المسئولين والباحثين القانونيين يقرون ـ ولديهم حق ـ أن قانون الملكية سيكون أكثر جوانب القانون ارتباطا بالحياة المدنية. ومن شأن الاعتراف بحقوق الملكية الفردية أن يشكل انتهاكا صريحا للنظام الشيوعي.
 
فعلى الرغم من أن العقارات لا تزال من القطاعات الأعلى نموا في الصين، ويستثمر المواطنون الثروة الجديدة في الممتلكات العقارية، لأن الأصول الاستثمارية الأخرى مثل الأسهم والسندات محفوفة بالمخاطر جدا، ولاتزال معظم الأراضي مملوكة للحكومة.
 
ويقوم أصحاب العقارات الخاصة "المالكين" باستئجار الأرض من الحكومة وامتلاك المباني فوقها. وتستمر عقود الإيجار في أي مكان من 20 إلى 70 عاما.
 
ومن المخاطر الأخرى التي يواجهها أصحاب الأملاك أن الحكومة قادرة على إعادة تقسيم مساحات الأراضي لأغراض التنمية دون تعويض أصحابها. ويقول تشانج ليفان، المؤرخ الصيني لعهد الجمهورية، "حتى مع صدور قانون الملكية، لا تزال حالات الهدم القسري كثيرة، وقد وقع العديد من هذه الانتهاكات باسم الدولة".
 
وتنص المبادئ العامة الجديدة على ضرورة تقديم تعويض عن الأراضي بوسائل "عادلة" و "معقولة" في نفس الوقت.
 
ويأمل علماء القانون أن تمكن الصياغة الجديدة المالكين من الحصول على القيمة السوقية لممتلكاتهم، ولكن ليس من الواضح ما إذا كان ذلك سيحدث فعلا. وبما أن عدم اليقين في سوق العقارات يسهم في عدم اليقين بشأن صحة الاقتصاد الصيني الكبير، يجب أن يتم تحديد هذه الحقوق القانونية بعناية.
 
وعلاوة على ذلك، فإن "الممتلكات" كفئة قانونية لا تغطي الممتلكات العقارية وحدها. فمع صعود التكنولوجيا المالية، قد يمتلك الناس أيضا العملة الرقمية والمكاسب التي يفوزون بها في الألعاب عبر الإنترنت.
 
ويعتزم بنك الشعب الصيني إصدار العملة الرقمية للمرة الأولى هذا العام، مما يعطي مزيدا من المصداقية للوضع القانوني لفئات الأصول الجديدة.
 
وتحوي هذه المناقشة إدراكا بأن حقوق الملكية الفردية الأساس الذي تستمد منه لحقوق الفردية الأخرى. أو، على الأقل، هكذا تفسر قوانين الغرب هذه الحقوق، كما يرى علماء القانون الصينيون المحافظون مثل البروفيسور ليانج، الأمر على هذه الصورة. وفي الوقت الراهن، تتجاهل الصين هذه الحقيقة وتركز على الفوائد الاقتصادية المترتبة على إرساء حقوق الملكية.
 
وفي الواقع، يقر سون زيان تشونج، الباحث في معهد القانون التابع للأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، بأن المحاولات المبكرة لإصدار قانون مدني في الخمسينيات تظهر "أن المواطنين يتمتعون بالحقوق المدنية. ويمكنك أن تتخيل كيف أسهمت هذه الحقوق في ظهور اقتصاد السوق ".
 
ويضيف:" يحمي القانون المدني مثل (المبادئ العامة) طموح المواطن لكسب المال ويلهمه الثقة والشغف بالسعي لتكوين الثروة".
 
مستقبل القانون الصيني
 
وتؤكد ريبيكا أن أهم إنجازات القانون المدني الشامل لن يكون مضمونه الفعلي وإنما العملية التي سوف يتم اعتماده من خلالها. وستكون الخطوة الأكثر أهمية تكريس ثقافة يلجأ فيها الناس إلى القانون لحل النزاعات، والبدء في النظر إلى القانون على أنه يعكس قيمهم الخاصة.
 
وتنقل عن لى جيانجوه نائب رئيس اللجنة الدائمة للمجلس الوطنى لنواب الشعب الصينى وصفه لمشروع المبادئ العامة الذي طرح فى الاجتماع السنوى لهذا العام بأنه "موسوعة للحياة الاجتماعية" من شأنها "حماية مصالح الشعب المباشرة بشكل افضل وتحسين ادارة الدولة والحفاظ على السوق والنظام، وضمان الأمن التجاري، وتعزيز التنمية السليمة لاقتصاد السوق الاشتراكي ".
 
فكيف تتأكد الحكومة من أن لديها قراءة دقيقة للحياة الاجتماعية ؟ تجيب ريبكا على هذا التساؤل، بأن بكين ـ وعلى الرغم من عدم وجود ديمقراطية مباشرة ـ تتلتمس تعليقات الجمهور على الإنترنت بشأن التشريعات الجديدة، وتراعيها عند صياغتها، لا سيما في مجال قانون الملكية. وبالنسبة للمبادئ العامة وحدها، تلقى المؤتمر الوطني الشعبي 70 ألف توصية.
 
وتعتبر المبادئ العامة ديباجة القانون المدني، ويتوقع المسئولون المزيد من التعليقات على القوانين نفسها. وكلما ازدادت قوة هذه العملية، كان القانون المدني أكثر فعالية ووضوحا.
 
ولا شك أن وجود قانون مدني موحد.

المصدر | مصر العربية

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية