كواليس الانقلاب تتكشف .. تحقيق استقصائي يتتبع شبكة تخطيط غولن للإطاحة بأردوغان

الجمعة , 31 مارس 2017 ,4:03 م , 4:03 م



يمتلئ تاريخ الجمهورية التركية منذ تأسيسها مع إسقاط الدولة العثمانية عام 1923 بالتوترات المدنية العسكرية. فبعد إنشاء أتاتورك للجمهورية، ورغم إقرار الدستور التركي منع اشتغال العسكريين بالسياسة، احتفظ هذا الدستور بمادة غامضة تكلف الجيش بحماية علمانية الدولة. وهي المادة التي استخدمها الانقلابيون في الستينات والسبعينات والثمانينات والتسعينات لفرض رؤاهم على الساسة المنتخبين. لكن المحاولة الانقلابية الأخيرة في 15 يوليو/ تموز 2016 كانت مختلفة بشكل جذري، ففيها أدار المدنيون العسكريين لتنفيذ الانقلاب.

في هذا التحقيق الموسّع الذي قام به الصحفيان يلدراي أوغور وجيرين كينار
 والذي ترجمته هافينغتون بوست عربي رصد للأدلة والوثائق وحتى الصور والفيديو التي تكشف بجلاء عن دور حركة فتح الله غولن في محاولة الانقلاب التي لا تزال تبعاتها مستمرة في تركيا ويبدو أنها ستستمر لفترة طويلة قادمة.

جرت أحداث محاولة الانقلاب الفاشلة الأولى في تركيا، في الثاني والعشرين من فبراير/شباط عام 1962. ففي الانتخابات التي عُقدت بعد إعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس، فازت الأحزاب التي كانت امتداداً لحزبه، فازت بالأغلبية. أزعجت النتائج مجموعة كمالية متطرفة في الجيش، وحاول قائد الأكاديمية العسكرية طلعت أيديمير تنفيذ انقلاب عسكري. قُمع الانقلاب بصعوبة، وطُلب من أيديمير أن يستقيل ثم تم العفو عنه. ومع ذلك، حاول نفس الرجل القيام بانقلاب آخر، في 21 مايو/أيار 1963. دارت اشتباكات أمام البرلمان، وقصفت الطائرات الأكاديمية العسكرية، واستسلم الانقلابيون. هذه المرة، أُحضر الجنرال للمحكمة التي حكمت عليه بالإعدام. أثناء محاكمته هتف أيديمير "إذا أطلقتم سراحي اليوم، فسأنظم محاولة انقلاب أخرى".

بعد 53 سنة من ذلك التاريخ، وفي ليلة الخامس عشر من يوليو/تموز 2016، شهدت تركيا محاولة انقلاب أخرى.

دخلت ليلة الخامس عشر من يوليو تقويم الجمهورية التركية باعتبارها ليلة الانقلاب الأكثر دموية في البلاد، وأول انقلاب توقفه المقاومة الشعبية وصمود الجماهير.

فقد 246 شخصاً حياتهم أثناء مقاومتهم للانقلابيين، وجُرح أكثر من 2000 آخرين. فيما استمرت الفعاليات المؤيدة للديمقراطية لستة وعشرين يوماً في الميادين التركية.


وعلى الرغم مما فعلوه، لم يتمكن انقلابيو، 15 يوليو/تموز، من فعل ما كان الانقلابيون قبل 53 عاماً قادرين على القيام به. فحتى الجنرالات الكبار الذين انغمست أيديهم في الدماء لم يعترفوا بمشاركتهم في الانقلاب، واستمروا في إنكار تورطهم في المحاولة.

وهذا هو سبب عدم امتلاكنا أي معلومات عن دوافع وأهداف المتآمرين، في 15 يوليو/تموز، باستثناء الإعلان الذي قُرئ على التلفزيون الرسمي باسم مجلس "السلام في الوطن"، وبعض التسجيلات الصوتية الأخرى من تلك الليلة.

ومع ذلك، فقد ترك الانقلابيون مجموعةً كبيرة من الأدلة والبصمات أثناء فرارهم بعد هزيمة الانقلاب.



الأدلة التي تُركت في موقع الجريمة


عادل أوكسوز، يعمل كأستاذ مساعد في كلية الإلهيات بجامعة سقاريا الصغيرة، التي تبعد 150 كيلومتراً عن اسطنبول.

سافر أستاذ دراسات الأديان 109 مرات بين 2002 و2016، أي مرة واحدة كل 45 يوماً.

وفي الأشهر الخمسة والعشرين الماضية، سافر أوكسوز 12 مرة إلى الخارج، أي كل شهرين مرة. بدا جدول أعماله مجنوناً، فقد طار إلى نيويورك من إسطنبول، في 26 مايو/أيار 2015، وعاد في 18 يونيو/حزيران، وبعد ثمانية أيام توجه إلى جوهانسبرغ من إسطنبول، وظل هناك ثلاثة أيام ثم عاد. وفي 16 سبتمبر/أيلول، توجه إلى جنوب إفريقيا مرة أخرى، ومن هناك إلى الولايات المتحدة، وبعد 9 أيام عاد إلى تركيا. وفي 15 أكتوبر/تشرين الأول 2015، توجَّه الرجل إلى الكويت، وإلى ألمانيا في 23 أكتوبر/تشرين الأول.

وفي عام 2016 طار أوكسوز كثيراً إلى الولايات المتحدة، ففي 17 مارس/آذار توجَّه إلى نيويورك لأربعة أيام فحسب. وفي 20 يونيو/حزيران توجه إلى مطار جي. إف. كينيدي مرة أخرى، لأربعة أيام أخرى ثم عاد.

لماذا؟ وكيف يمكن لهذا الأكاديمي، والذي لم تكن له أي أبحاث أخرى بعد أطروحته للدكتوراه، وتعيش عائلته بأكملها في تركيا، وراتبه لا يتعدى 1500 دولار، أن يسافر إلى الولايات المتحدة بهذا المعدل؟ الإجابة عن هذا السؤال في هذا الفيديو والصور.


كان عادل أوكسوز البالغ من العمر 50 عاماً واحداً من أقرب المقربين إلى فتح الله غولن، الذي يعيش في ولاية بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية.

في 11 يوليو/تموز 2016، غادر أوكسوز على رحلة الخطوط التركية رقم TK003، على مقعد رقم 4G بدرجة رجال الأعمال، إلى نيويورك. وبعد رحلة طويلة استغرقت 11 ساعة بقي ليومين وعاد إلى تركيا في 13 يوليو/تموز 2016. 
أي قبل يومين فقط من محاولة انقلاب 15 يوليو/تموز.

وفي صباح يوم 16 يوليو/تموز، وبعد مواجهة الانقلاب، تم القبض على عادل أوكسوز بصحبة الجنود الانقلابيين الذين كانوا يحاولون الفرار من قاعدة أكينجيلار الجوية، التي كانت مقر قيادة الانقلابيين في أنقرة.


صورة: عادل أوكسوز اعتُقل مع عدد آخر من الانقلابيين في قاعدة آكينجي الجوية، مقر قيادة الانقلابيين، صباح يوم 16 يوليو. 

قال أوكسوز أثناء استجوابه، إنه ذهب إلى الضواحي المحيطة بالقاعدة العسكرية، التي تبعد كثيراً عن المدينة "للبحث عن قطعة أرض زراعية للشراء".

ووفقاً للتسجيلات التي تم الكشف عنها لاحقاً أثناء احتجاز أوكسوز، فقد ذهب الأخير إلى المرحاض، وبعد ذلك بقليل، دخل أحد أفراد قوات الجيش نفس دورة المياه التي استخدمها أوكسوز. وأثناء محاولة الجندي الحصول على منديل ورقي، أدرك وجود جهاز ما داخل علبة المناديل، وهو ما أبلغ به رؤساءه فوراً.

لاحقاً، عندما سُئل عادل أوكسوز عما إذا كان هذا الجهاز له، أجاب الرجل "نعم، إنه لي، لا بد أنه سقط في الحمام"، لكن ضابط الجيش قال له "أنت لم تسقطه، لقد خبأته"، وعندما سأل الضباط عن هذا الجهاز، لم يعرف أحدهم، لكن بحثاً سريعاً على شبكة الإنترنت أخبرهم أنه جهاز تحديد مواقع GPS.

أستاذ جامعي يدرس الدين قُبض عليه في مقر قاعدة عسكرية بها قيادة الانقلاب وبحوزته جهاز GPS!

لكن عندما ظهر أوكسوز أمام المدعي العام والمحكمة، كانت كل هذه الأدلة قد "فُقدت" بواسطة يد خفية. ساق المدعي العام شبهاته في وجود رجل مدني بالقرب من القاعدة العسكرية، لكن القاضي الذي لم يكن لديه أي دليل ملموس على إدانة أوكسوز، أطلق سراحه، واختفى الرجل دون أثر فوراً. ومنذ ذلك الحين، تحاول كل من الشرطة والجيش إلقاء القبض عليه والبحث عنه في كل مكان.

كمال باطماز، كان في المقعد رقم 27H بالدرجة السياحية على نفس الرحلة التي طار على متنها أوكسوز إلى الولايات المتحدة في 11 يوليو.

وكمال باطماز هو أحد كبار المديرين التنفيذيين لشركة كايناك القابضة.

تأسست كايناك القابضة عام 1979، كواجهة للعمليات التجارية لحركة فتح الله غولن. وكان رئيسها الأخير ناجي طوسون بصحبه فتح الله غولن، واعتُقل معه عندما تم احتجازه عام 1986. كان الرجل أيضاً إدارياً بصحيفة زمان التابعة لغولن، باختصار: إنه شخصية بارزة في المنظمة.

وفي 2012، كان كمال باطماز مديراً لكايناك ميديا، وهي وكالة الإعلان التابعة لكايناك القابضة.

 

المصدر | هاف بوست

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية