البرازيل و«نهاية العالم»

الجمعة , 13 يناير 2017 ,3:36 ص , 3:36 ص



البرازيل– في سعيه لحل الأزمة الاقتصادية التي تمر بها البلاد، صوّت البرلمان البرازيلي منتصف ديسمبر على تعديل دستور 1988، بعد اقتراح قدمه الرئيس ميشال تامر. يهدف التعديل إلى تجميد إنفاق الدولة على الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي، الذي اعتبرته الحكومة سببًارئيسيًا من أسباب ديون البرازيل.

يُعتبر دستور 1988 واحدًا من أكثر الدساتير تقدمية على مستوى العالم،  وجاءت صياغته عقب حقبة استمرت عشرين عامًا من الديكتاتورية العسكريةمثلّت الجمعية التشريعية للدستور قطاعات متنوعة من المجتمع، وتضمنت مشاركة منظمات اجتماعية مثل المنتديات العامة والاتحادات النقابية.

اعتبرت تلك المؤسسات دائمًا التعليم والصحة استثمارًا أساسيًا يجب أن تكون له الأولويةومع هذا، سيصبح سداد الديون هو الشاغل الرئيسي للدولة بعد تقديم مشروع التعديل «بي إي سي 55» الذي تطلق عليه عدة منظمات اجتماعية اسم «نهاية العالم».

هاجم الكثيرون من رجال الاقتصاد في البرازيل هذه التعديلات الدستوريةوأرجعت لورا كارفالهو، أستاذة الاقتصاد بجامعة ساو بالو، فيحديثها أمام لجنة الشؤون الاقتصادية بمجلس النواب، سبب الديون إلى مُعدلات الفائدة المرتفعة، وعائدات الضرائب المُنخفضةألقت منظمات معارضة للتعديلات –مثل اتحادات وحركات الطلبة والمعلمين– اللوم على نظام الضرائب البرازيلي الرجعي، الذي ينحاز للأثرياء حسب قولهم، ويتضمن تخفيضات ضريبية للمؤسسات التجارية والشركات متعددة الجنسيات.

تهدد التعديلات القطاع العام البرازيلي؛ الضعيف بالفعل، وتُضاعف مُعاناة مَن يعتمدون على التعليم الحكومي والرعاية الصحية الحكومية، ويشكلون بحسب وزارة الصحة نحو 70% من السكانوبحسب مبعوث  الأمم المتحدة الخاص بشؤون الفقر المدقع وحقوق الإنسان، فيليب أولستن، فإن التعديل يمثل انتهاكًا لحقوق الإنسانوقالت تريزا كامبيلو، وزيرة التنمية الاجتماعية السابقة، إن التعديلات من شأنها إعادة البرازيل مرة أخرى إلى خريطة الأمم المتحدة للجوع، بعد أن غادرتها في 2014.

في ظل وجود برلمان فاسد ومحافظ، ومجلس نواب أطاح بالرئيسة ديلما روسيف في أغسطس الماضي، فيما اعتبره مؤيدوها انقلابًا، اتخذت الحكومة الجديدة تدابير نيوليبرالية مُتطرفة بعد أربعة شهور فقط.

كانت حكومة روسيف جزءًا من حقبة تقدمية في السياسة البرازيلية، بدأت في عهد الرئيس الأسبق لولا دي سيلفا في 2002. واتسمت السنوات الـ14 بالاستثمار المتواصل في الخدمات الاجتماعية، مثل الصحة والتعليم والثقافة، ومحاربة الظلم الاجتماعي والعِرقي التاريخي، وتضمنت خطوات قوية نحو إنهاء الجوع من البلاد.

أُعيد انتخاب روسيف عن حزب العمال في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، عام 2014، وفازت بفارق بسيط عن أسيو نيفيس عن الحزب الاجتماعي الديمقراطيوجرى تقديم طلب إلى البرلمان، يتهم روسيف بالخيانة، استنادًا لاتهامها بالتلاعب لإخفاء عجز الموازنة قُبيل انتخابات 2014.

كان المرشحان يمثلان المشروعين السياسيين المختلفين في البرازيل منذ عام 1990؛ ينتمي نيفيس إلى نفس حزب فيرناندو أنريكو كاردوسو، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية من 1995 حتى 2002. وتخللت رئاسته العديد من المشروعات النيوليبرالية، ومن بينها خصخصة شركات القطاع العامبينما اعتمدت سياسة حزب العمال (الذي ينتمي إليه الرئيسان السابقان لولا وروسيفعلى استراتيجية التنمية الاقتصادية التي أفادت البرامج الاجتماعية، إلى جانب التحالف مع القطاع الخاص الزراعي والصناعي.

تصاعد الاستقطاب السياسي في البرازيل منذ المظاهرات الجماهيرية الحاشدة في 2013، والتي بدأت كرد فعل على ارتفاع أسعار وسائل النقل العام، وانتهت برفع شعارات غير واضحة ضد الفساد– وهو ما جرى غالبًا بتوجيهات يمينية ضخمتها وسائل الإعلامانتهت المواجهات بمزيد من المظاهرات الحاشدة في 2016، التي لم تدعم خلع روسيف أو إبقائها في منصبها، وهي قضية لا تزال تقسم الشعب البرازيلي.

اتخذ الرئيس الجديد ميشال تامر (نائب روسيف، والمُشارك بفاعلية في الانقلاب عليها والإطاحة بهاتدابير نيولبيرالية غير شعبية، باغتت أغلب البرازيليين، ومن بينهم من أيّدوا الإطاحة بروسيف.

شهدت البرازيل مقاومة قوية من جانب المجتمع المدني في الشهريين الماضيين، وحاولت منظمات اجتماعية وقف التعديل الدستوري والإبقاء على نظامي الصحة والتعليم اللذين ضمنهما دستور 1988.

منذ أكتوبر الماضي، احتل الطلاب العديد من المدارس والجامعات، وأعلنت عدة اتحادات للمعلمين الإضراب عن العملوبحسب اتحاد الطلاب الوطني، فقد احتُل أكثر من ألف مدرسة و220 جامعة، من بينها معاهد خاصة فقد طلابها التمويل الحكوميوفي 29 نوفمبر، تاريخ أول تصويت في مجلس النواب، اندلعت مظاهرة ضخمة في برازيليا، عاصمة البلاد، وقمعتها الشرطة بشدة.

لم تكن عملية الإطاحة بروسيف ديمقراطية، ولا تزال الحكومة الجديدة تتجاهل إرادة الشعب.

المصدر | مدى مصر

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية