اعتراف أميركا بالمستوطنات

الإثنين , 19 ديسمبر 2016 ,11:43 م , 11:43 م



ينبغي أن يسجل يوم الخميس الأخير كعيد في التاريخ الجديد حينما يقود المستوطنون لاحقاً بعد أن يسيطروا على الدولة نهائياً. فتعيين المحامي ديفيد فريدمان سفيراً لأميركا في إسرائيل يشكل عندهم حدثاً تاريخياً، على الأقل رمزياً، لا ينبغي التقليل من أهميته. بعد خمسين عام صراع، الإدارة الأميركية الجديدة تعترف، على الأقل ضمناً، بالمشروع الاستيطاني، بضم مستوطنات، بمنع إنشاء دولة فلسطينية.

ولكن ديفيد فريدمان لا يمثل فقط المستوطنين وإنما أيضاً اليمين الكاره والكهاني. فمن اتهم باراك أوباما وجون كيري باللاسامية الفظة، وشكك في مواطنية عرب إسرائيليين ويصف اليساريين من جي ستريت بأنهم ليسوا يهوداً وأسوأ من المتعاونين مع النازية أثناء المحرقة، ينخرط جيداً ضمن اليمين المتطرف، الذي لم يعد يصنف كهامشي. فلديه تمثيل محترم في الحزب الحاكم وحول طاولة الحكومة والآن بات داعية في أعلى مستويات الإدارة الأميركية.

والتفكير بأنه فقط قبل عام انشغل يهود أميركا والإعلام بالمعنى «الثوري» لتعيين داني ديان المستوطن قنصلاً عاماً في نيويورك: فمقارنة بفريدمان، ديان يعتبر خليطاً من شولاميت ألوني ومارتن لوثر كينغ. فريدمان، بالمقابل، هو ثمرة «الخمس بلدات» في لونغ آيلاند قرب نيويورك، التي بعض سكانها بين أشد الأرثوذكسية يمينية في العالم. والمقالات التي نشرها فريدمان في موقع المستوطنين، القناة السابعة، والتي عرض فيها رؤيته المتطرفة، هي طبعة منقحة عن حوار العداء والانطواء الذي يديره اليهود بين أنفسهم.

والتعيين يشكل دون ريب ضربة معنوية قوية لليسار الإسرائيلي وليهود أميركا الليبراليين على حد سواء. فوجود إدارة أميركية متزنة تدعم بشكل متواصل، حتى عند وجود الجمهوريين في الحكم، حل الدولتين، والحقوق الأساسية للفلسطينيين في الضفة ووجود ديمقراطية إسرائيلية شكل على الدوام نقطة تعامل وركيزة معنوية هامة لدى اليهودي على جانبي المحيط. وفي ذروة يأسهم كان اليساريون يطمئنون بعضهم: دوماً ستكون لدينا واشنطن. ووجود إدارة ليس فقط تضفي شرعية على آراء كالتي يحملها فريدمان وإنما تضعها على رأس أولوياتها تجعل اليسار عارياً، ضعيفاً، وبلا سند. وأوروبا المنشغلة أساساً بنفسها وقد تنجرّ هي إلى موجات قومية وانعزال، لن تجلب الخلاص.

كما أن التعيين يسرّع الشرخ الداخلي القريب بين اليمين واليسار، خصوصاً بين يهود أميركا. فخطوة متطرفة مثل تعيين فريدمان جرّت ردود فعل استثنائية مثل محاولة علنية وفظة لإحباط تعيينه في مجلس الشيوه ـ وهو مسعى ليس معدوم الفرص ـ الأمر الذي سيزيد تعصّب اليمين، الذي سيُعتبر ذلك برهاناً واضحاً على خيانة اليساريين. والأمر لم يبدأ أمس ولا أمس الأول، ولكن اجتماع حكومات يمينية متطرفة وخائفة بشكل مرضي ولديها ميول واضحة العداء للديمقراطية على جانبي المحيط سيفاقم العداء والاستقطاب ويسرّع عملية فقدان التضامن والتفكك الداخلي.

وبعد كل هذه التكهنات السوداء، لا يزال غير ممكن القول بوضوح إن كان تعيين فريدمان يشكل خطوة تشير إلى تغيير استراتيجي في سياسة أميركا تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يقف خلفه تفكير عميق، وينبغي الإقرار بأن احتمال ذلك ضعيف، أم أن هذا عمل ارتجالي من الرئيس الجديد لا يعرف لماذا أقدم عليه. وربما أن فريدمان ألحّ على الرئيس حتى أخرج روحه وسعى بذلك لإبعاده عن خناقه، أم أن صهره فارد كوشنر، والذي تبرع أيضاً لرابطة أصدقاء بيت إيل، التي يرأسها فريدمان، عرض الفكرة في لقاء عائلي وتبناها ترامب. وربما قال ترامب لنفسه مازحاً إن هذا بالتأكيد يغضب كل منتقديني، حيث إنه يتلذذ بالتنكيل بكارهيه.

وهذا يستقيم مع المكالمة الهاتفية لترامب مع الرئيس التايواني، والتي تطوّرت إلى تلميحات بأن يعيد النظر في سياسة «صين واحدة» التي رتبت علاقات واشنطن بالصين في الثلاثين عاماً الأخيرة. والحديث يدور عن خطوة تشذ فجأة عن الدبلوماسية المعهودة، وهو ما أذهل الأسرة الدولية وفاقم التوتر بين واشنطن وبكين بل ونال تبريرات لاحقة.
ولكن حتى هذه اللحظة ليس واضحاً إن كان الأمر خطأ، جهلاَ، نزوة أو خطوة تكتيكية مدروسة ستتضح معالمها لاحقاً. هل تعيين فريدمان أعدّ للتغطية على نية ترامب المبادرة لخطوة مشتركة مع روسيا لفرض سلام في الشرق الأوسط؟ هل ينبغي التشديد على تصريح أحد مستشاري ترامب نهاية الأسبوع، أنه خلافاً لكلام فريدمان، نقل السفارة الأميركية للقدس يتطلب وقتاً طويلاً؟ ومن جهة ثالثة، ربما أن أحداً في محيط ترامب سمع عن نظرية البروفيسور يحزقيل درور عن «دول مجنونة» وقرّر أنها تحديداً تصلح لأن تكون قفازات في يد ترامب؟

في أجواء نهاية دورة كهذه يفترض أن يجتمع غداً الـ 538 ممثلاً الذين اختيروا في انتخابات الرئاسة في الثامن من تشرين الثاني ليمنحوا ترامب 306 أصوات يستحقها وفق نتائج الانتخابات. عدد لا بأس به بين هؤلاء طلب الحصول على إيجاز استخباري بشأن تدخل فلاديمير بوتين في المعركة الانتخابية ولم يستجب لهم. في المؤتمر الصحافي الذي عقده يوم الجمعة، أكد الرئيس أوباما بشكل قاطع الأخبار التي نشرت عن أن تدخلاً كهذا أعدّ كي يخدم ترامب، لكنه قال ذلك بنبرة هادئة أوحت برئاسة أن الحليب الذي سكب لا ينبغي البكاء عليه. من كان يأمل من أوباما قولاً أشد حزماً بوسعه التأثير على 37 ممثلاً كي يعيدوا النظر في تصويتهم ما يمنع الرئاسة عن ترامب، خاب أمله. بعد أوباما، الوحيد الذي يمكن إبداء الأمل بتدخله هو القوة العليا، رغم أن الربّ يميل في الآونة الأخيرة بوضوح إلى جانب أشخاص مثل ترامب، فريدمان ورؤساء المستوطنين في الضفة.

المصدر | جريدة السفير

تابعنا علي فيسبوك

شاركنا برأيك

ما رأيك فى أداء الحكومة الحالية