تمر مصر باختبار تلو الآخر فى الأعوام الأخيرة..
مرت باختبار الثورة ثم باختبار تسليمها من جانب نخب سياسية لجماعة إرهابية ثم بوصول هذا الفصيل المتطرف إلى الحكم ثم مرت باختبار الإرادة الشعبية للإطاحة بجماعة أرادت أن تحتكر الحقيقة والحكم، فكان الرد الشعبى مزلزلا لها ولمن يدعمها... ومن يومها ونحن نمر باختبارات متصلة فى الوحدة والصمود والثبات والعمل الجاد والصبر والتضحيات فى مواجهة الإرهاب والضائقة الاقتصادية التى فرضتها أسباب عدة وعدم انفصام عروة الأمة الواحدة التى لا يجدى معها ويلات الإرهابيين ووحشيتهم وفى كل مرة نخرج أشداء أقوياء بفضل وعى الأمة وكتلتها الكبرى بما يتهددها اليوم.
فى صلاة قداس الأحد بالكنيسة البطرسية وقبل العاشرة صباحا بقليل انخلع قلب مصر على مسامع نبأ انفجار فى الكنيسة الواقعة خارج مبنى الكاتدرائية المرقسية بالعباسية ولم نكن نحتاج إلى تخمين لنعرف أن جماعات الإرهاب القذرة تعيد الكرَّة وتضرب المصريين من جديد أملا فى شرخ لا يمكن علاجه، وهم فى مقصدهم الكريه والخبيث لا يفهمون أن المصريين أمة كتب على أبناء شعبها أن يعيشوا معا، لأن منبتهم واحد ومنشأهم واحد وطريقهم واحد منذ قرون طويلة حتى ولو اختلفت عقائدهم أو تباينت ميولهم.
قدر تلك الأمة أن تختبر فى وحدتها وصلابتها فى أصعب الظروف. فقدت مصر 25 شهيدا غاليا ولكننا لن نفقد الإيمان بأن وطننا يقف فى وجه الخطر رافعا رأسه لا يلين فى مواجهة الشدائد.
أما وقد ظهر تنظيم »داعش« وكيلا عن أعمال الجماعة فى إصدار بيان تبنى عملية تفجير الكنيسة البطرسية، فنحن إذن أمام مشهد جديد يحمل رسائل لنا جميعا تقول : إن مصر تواجه «تحالفا إرهابيا» يمتد من الممولين إلى المدربين إلى المنفذين ومن أطراف دولية وإقليمية إلى جماعات فى الداخل ما يؤكد ما تقوله السلطات المصرية عن العلاقات المتشابكة بين دول وتنظيمات إرهابية تضر بالأمن القومى المصرى والعربى وتشكل خطرا على السلام العالمى بعد أن صدرت صورة قبيحة عن الدين الإسلامى وجعلته مرادفا لسفك الدماء فى أذهان الكثيرين حول العالم بينما نحن غارقون فى تفسيرات وتأويلات عبثية تحاول أن تبعد تهمة الإرهاب عن محيطنا وعن مؤسساتنا فى جهد عابث لا يقدم ولا يؤخر ويصل بنا إلى ما نحن فيه اليوم من جرائم يندى لها جبين الإنسانية.

فى مشهد البطرسية الكثير من الرسائل التى لو لم نقرأها جيدا سيحل بنا الكثير من الكوارث، وسيلحق الأذى كل المصريين بلا تمييز.... بالأمس، كان المستهدف مسجدا ثم كنيسة، ويوم غد قد يطور التنظيم الإرهابى المتحالف مع «داعش» عملياته للإيقاع بعدد أكبر من الضحايا لو لم ننتبه أن هناك مسئولية كبيرة على المجتمع بأسره للتصدى لتلك الهجمة الشيطانية.
بعد إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسى تفاصيل مفاجئة فى العمل الإرهابى وإلى جواره قيادات الكنيسة القبطية والأزهر الشريف، أثناء الجنازة الرسمية يوم الإثنين الماضي، لم يستوعب الرأى العام السرعة القياسية التى تمكنت بها الأجهزة الأمنية من الوصول إلى مرتكب الحادث، ومن يقف وراء تدريبه وأسفاره المتعددة إلى قطر وفى شبه جزيرة سيناء للتدريب وفى القاهرة أيضا وعلى قدر ما أدخله الرئيس من طمأنينة على قلوب المصريين من قدرة الدولة على ملاحقة مرتكبى الجرائم الخسيسة التى تستهدف مصلين أثناء وقوفهم بين يدى الله بقدر ما جزع هؤلاء من خطر تنظيم الإخوان وتحالفه مع تنظيمات إرهابية شبيهة لم نكن نتخيل أن تصل بهم الوحشية إلى تلك الجريمة النكراء!
التنظيمات العابرة للحدود وعلى رأسها التنظيم الدولى لجماعة الإخوان الإرهابية لن تكف عن تمويل عمليات وتجنيد عناصر على أرض مصر طالما بقيت ثورة 30 يونيو ملهمة ومجمعة لكل المصريين على إختلاف مشاربهم وانتماءاتهم والهدف من وراء كل تلك العمليات ليس فقط محاولة إعادة التنظيم الإرهابى إلى العملية السياسية وإعادة الاعتراف به مجددا ولكن أيضا وضع مصر على طريق حرب أهلية تأتى على الأخضر واليابس فيها... ولا يوجد تفسير لكل تلك المؤامرات الخارجية سوى رغبة دفينة لدى البعض فى استخدام مصر منصة لإرضاء طموح الأقزام فى قيادة المنطقة وهو هدف لن يتحقق بدون تحطيم الدولة المصرية ومحاولة استهداف الجيش المصرى بعد تدمير الجيش العراقى وإرهاق الجيش السورى فالجيش المصرى يقف عائقا أمام مخططات هؤلاء الأقزام ومن وراءهم.
لا مجال أمامنا ــ بعد ما جاء فى الاعترافات الأخيرة من المتهمين الأربعة المقبوض عليهم ــ سوى اليقظة التامة، والوصول سريعا إلى إستراتيجية أكثر شمولا تتعامل مع حجم خطر تلك التنظيمات الإرهابية التى تغير من جلدها ومن تحركاتها من وقت إلى آخر، من أجل أن تضرب من جديد. فمنابع الشر كامنة للأسف فى مجتمعنا ولم يعد إنكار وجود مناخ يهيئ الأجواء لتجنيد متطرفين عبر اعتناق أفكار متشددة يفيد المجتمع المصرى فى شيء، فلا الدين ينتقص منه مراجعة الأفكار وتصويب ما اختلط على الناس ولا العقيدة ستضرب فى مقتل لو واجهنا الكم الرهيب من الفتاوى والأفكار التى تسئ كل لحظة إلى الدين الحنيف... فالإنكار ضعف والعناد خطر والنتيجة دماء ذكية تسيل على ترابنا من رجال الجيش والشرطة المخلصين فى شبه جزيرة سيناء وعلى سائر التراب المصرى ومن مواطنين أبرياء لا ذنب لهم سوى أن هناك من لا يريد أن يقتلع الفكر المتطرف من جذوره.
إعرف عدوك
بعد نكسة 1967 بالغنا من التهوين من إسرائيل وقوتها.. واكتشفنا أننا لا نعرف عنها شيئا. ومن دروس تلك الحقبة تعريف الناس بالعدو.. فقد خصصت الإذاعة برنامجاً يوميا تحت عنوان «اعرف عدوك» يشرح للناس ما هى إسرائيل من الداخل سياسيا وعسكريا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وعرقيا حتى يعرف الشعب كل كبيرة وصغيرة عن إسرائيل... آن الأوان بعد حادث الكنيسة البطرسية وحرق 75 كنيسة منذ ثورة يناير «العظيمة» أن نعرف عدونا... كفانا حديثا عن إصلاح الخطاب الدينى فلن يأتى «ممن يشتغلون بالخطاب الديني» أى إصلاح أو تجديد حقيقي.
كخطوة أولي، أتمنى أن تخصص الصحف القومية والخاصة والإذاعة وتليفزيون الدولة والفضائيات مساحات يومية (وتبدأ الأهرام من اليوم فى صفحة الفكر الديني) تفند دعاوى الإرهابيين المتشحة بالدين من جانب رجال الأزهر المستنيرين. فالحادث كشف عن أن هذه الجماعات لا تزال تستطيع استقطاب شباب وشابات محبطين ويائسين.. وذلك لحماية هؤلاء الشباب ولحماية البلد.. وحتى نعرفهم.. وتعرف الأهالى كيف يتم تجنيد أبنائهم.. ولكى تكون المقاومة والتصدى على أرضية شعبية واسعة وواعية.. وحتى نعرف من هى الأطراف الداخلية والإقليمية والدولية المستفيدة.
من الضرورى الآن أن نتعامل مع هذه المسألة بحسم وجرأه وبمادة «علمية» وليست على الطريقة المصرية التقليدية مجرد حشو وإنشاء وكلام جامد من أجل بناء الوعى المصرى الذى تعرض للتخريب على مدى أربعة عقود من جانب ساسة ورجال الدين وسلطة وصفقات مع الجماعات... ويبقى أن نقول إن هذا الإرهاب سيستمر، فنحن نتعامل مع ميراث سنوات طويلة من الصفقات والمراوغات والمواءمات.
< تحية إلى رئيس مصر الذى يثبت كل يوم صلابة فى نفسه وثقة فى أبناء شعبه
< تحية إلى رجال الأجهزة الأمنية بعد أن برهنوا على يقظتهم
< تحية إلى شعب رائع مسحييه ومسلميه، يؤكد أن الوحدة فى الشدائد تشد عوده
< تحية إلى الكنيسة المصرية العريقة التى تحسن التصرف وتتمسك بالصبر والنضج.
< تحية لرجال الدين الاسلامى الذين يقفون مع الشعب فى خندق محاربة التطرف.
«الوحدة صعبة»
من وحى مؤتمر «فكر- 15» بأبو ظبى الذى نظمته مؤسسة الفكر العربى تحت شعار «التكامل هدفنا».. والذى عقد تحت عنوان «التكامل العربي: مجلس التعاون الخليجي، ودولة الإمارات العربية المتحدة» بمناسبة مرور 35 عاماً على تأسيس المجلس و45 عاما على إنشاء الدولة.. هناك نموذجان للعمل العربى المشترك (هدف الوحدة العربية التى لم تتحقق) وكانت المناقشات تركز على المستفاد من التجربتين وأسباب نجاحهما، وفشل تجارب أخري، ونماذج لم يتم البناء عليها سياسيا أو اقتصاديا..
ناقشنا فى أبو ظبى أسباب النجاح، وليس أسباب الفشل، فى تجارب أخرى مثل تجربة الوحدة المصرية السورية (58-1961) وتجربة اتحاد الجمهوريات العربية فى بداية السبعينيات أو تجربة مجلس التعاون العربى (مصر- العراق- اليمن -الأردن) فى نهاية الثمانينيات والذى انتهى باحتلال العراق للكويت فى أغسطس1990... هذه التجربة تقول إن النجاح ممكن وأن الفشل ليس قدرا محتوما، وأنه لا نجاح بدون وحدة، وإرادة، وعمل حقيقي. وتقول أيضا إن هناك اختلافات سياسية وعثرات وعقبات يجب ألا تعرقل بل ينبغى الانخراط فى حوار من أجل التغلب عليها، وأنه حتى فى حالة حدوث انتكاسات فإن الحل هو الحوار وليس إنهاء التجربة..
العمل المشترك أو التكامل (الوحدة العربية تمثل أملا بعيد المنال) يقوم على المصالح وليس العواطف وغير ذلك تكون «وصفة فشل». ومن الأسباب الرئيسية للنجاح فى مجلس التعاون الخليجي، وجود قيادات مؤمنة بالتكامل والوحدة التى تعمل فى مصلحة الجميع.. وأنه لا وجود لرغبة فى سيطرة أو زعامة فى وجود قيادات وكوادر واعية بظروفها الإقليمية والداخلية وبأن التحديات تفرض عليها التجمع معا ولديها إرادة شعبية داعمة وإرادة سياسية، واحترام أنظمة الحكم القائمة. كما أن التجربة تقوم على المسار المتدرج.
لكن لماذا نتذكر ونناقش هذه التجربة الآن..؟
منذ ست سنوات تقريبا ضرب المنطقة ما يسمى بـ «الربيع العربي» بدأ ثورة عظيمة وانتهى فوضى أعظم!؟ لذا فإنه وسط مناخ الفوضى والانقسامات وشبح التقسيم الذى يخيم على دول عربية ودول تكاد تتلاشى ومخاطر الإرهاب والتدمير بأيدى الأبناء تبدو تجربتا دولة الإمارات والمجلس نموذجين حاضرين... أيضا هذه الفوضى وأوضاع المنطقة على مدى 6 سنوات جعلت هدف وجود- وتطوير- عمل عربى مشترك بعيد المنال، بل الكارثة الآن هى أن الحفاظ على تماسك وبقاء الدولة الوطنية أساسا بات مهددا، واستمرار دول على ما هى عليه أصبح محل شك ويراودها شبح التقسيم.. الخلاصة أنه تواجهنا الآن «أزمة وجود» أساسا..!!
فلماذا استطاعت تجربتا التماسك والاستمرار؟ ولماذا الدول الوطنية مهددة فى مناطق أخرى على خريطة الوطن العربي؟!!
هناك أسباب عديدة لكن من أهمها فى هذا المؤتمر من خلال المناقشات أن دول الخليج العربى حافظت على هويتها الثقافية فلم تسمح بتمويل أجنبى أو لمنظمات تلعب بالعقول أو بمدارس وجامعات ومناهج أجنبية تتقاطع مع الثقافة والتاريخ وقننت استخدام وسائل التكنولوجيا الحديثة حتى لا يساء استخدامها. الخلاصة أنها منعت الغزو الثقافي، فلم تسمح دول الخليج بمسخ هويتها الثقافية، كما أن وسائل إعلامها لم تعمل على الاختلافات أوالمكايدات بل تعمل على كل ما يعزز التعاون المشترك.
وهنا التساؤل الذى يطرح نفسه:
فقد حاولت أطراف إقليمية أن تلعب فيها نفس اللعبة مع دولة البحرين لكن دول الخليج اتحدت وحافظت على الدولة من أن يصيبها ما أصاب غيرها فى ليبيا وسوريا واليمن- ومن دون أن يصل الخلاف مع قطر راعية قناة الجزيرة - التى حاولت تأجيج ما يسمى بـ «الربيع العربي» فى البحرين - إلى صدام مباشر يهدد مصير التجربة.. فحافظت دول المجلس على المجلس ودولة البحرين.. ولم تسمح هذه الدول لوسائل الإعلام بأن تلعب الدور الهدام الذى لعبته ومازالت ــ للأسف ــ تلعبه الجزيرة وبعض وسائل الإعلام الخاص فى مصر وجماعات رجال الأعمال. أى أن من أسباب النجاح العمل على جعل دول المجلس عصية على التهديدات الداخلية قبل الإقليمية.
ومن أهم الأسباب أيضا الاهتمام بالتعليم والبعثات الطلابية للدراسة فى جامعات العالم والعودة لكى يجد كل عائد مكانا له فى عملية التنمية والتطوير.. وليس لكى يجد بيروقراطيا أو من هو أقل كفاءة فى موقع أعلى وفى سلطة يدمره.. وكذلك فتح الآفاق أمام المشاركة السياسية والمجتمع المدنى وفق ضوابط مجتمعية وقانونية.
بطبيعة الحال لا نتحدث هنا عن «وحدة عربية» بعيدة المنال فقد فرض «الربيع العربي» علينا أن نتحدث عن «وحدة وطنية باتت صعبة أيضا» فى بعض الدول العربية.. فى نموذج دولة الإمارات ومجلس التعاون الخليجى تجربة استطاعت الصمود نتحدث عنها للاستفادة من دروسها سواء على المستوى القومى أو على المستوى الوطني.
فالتحدى الذى يواجهنا أصبح تحدى «وجود»!