"جنود يسبقهم الرصاص، ويحميهم قصف الطائرات من السماء، جثث تملأ الشوارع، أشلاء متناثرة، ركام يشع منه ترابًا، وتفوح من ثناياه رائحة الدماء.. و(تحررت حلب)!" كانت الجملة الأخيرة فقط هي الراية التي رفعها الجيش السوري بعد إتمام جنوده لمهمتهم داخل المدينة الشهباء، إذ أعلن مصدر ميداني سوري، لوكالة "سبوتنيك" الروسية – خلال السويعات القليلة المتبقية من ليل أمس- أنه تم تحرير مدينة حلب بشكل كامل من المجموعات المسلحة، وسيتم الإعلان عن ذلك بشكل كامل خلال الساعات القليلة المقبلة.
- تحرير حلب
وقال اللواء زيد الصالح رئيس اللجنة الأمنية في حلب إن عملية الجيش السوري وحلفاءه لاستعادة المدينة، الخاضعة لسيطرة المعارضة، في مراحلها الأخيرة بعد انهيار دفاعات مقاتلي المعارضة، أمس الاثنين، الأمر الذي تركهم في جيب صغير يتعرض لقصف مكثف.
وقال اللواء في تصريحات لمجموعة من الصحفيين في حي الشيخ سعيد بعد انتزاع السيطرة عليه: "المعركة في شرق حلب لازم تخلص سريعا، يعني الوقت محدود جدا جدا لهم.. إما الاستسلام أو الموت."
وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن مقاتلي المعارضة انسحبوا من كل الأحياء على الجانب الشرقي من نهر حلب بعد أن خسروا حي الشيخ سعيد في جنوب المنطقة التي يسيطرون عليها في معارك خلال الليل.
- التلفزيون السوري يذيع احتفالات
وأظهر التلفزيون الحكومي جنودا في مناطق تسيطر عليها الحكومة وقد شرعوا في إطلاق النار في الهواء تعبيرا عن الاحتفال بينما أطلق قادة السيارات أبواق سياراتهم احتفالا بما اعتقدوا أنه نصر وشيك في حلب.
وتراجعت مساحة منطقة مقاتلي المعارضة بشكل سريع وتقلصت بواقع النصف خلال بضع ساعات، بينما قال مدير المرصد، رامي عبد الرحمن، إن المعركة على حلب وصلت إلي نهايتها.
وأطلقت منظمة الخوذ البيضاء للدفاع المدني وثلاث جماعات إغاثة أخرى محاصرة مناشدة يائسة للمجتمع الدولي من أجل ترتيب ممر آمن لنحو 100 ألف مدني عبر منطقة تمتد أربعة كيلومترات تسيطر عليها الحكومة.
- يوم قيامة
هذا كل ما رآه المؤيدين لنظام الرئيس السوري، بشار الأسد، وجنوده اللذين أبلوا بلاء حسنًا – على حد وصفهم – بينما لم يكن هذا هو المشهد أمام أنظار المعارضة السورية، وبعض المحاصرين في الداخل.
وقالت مراسلة من وكالة "رويترز" البريطانية، تتواجد داخل المنطقة الخاضعة لسيطرة الحكومة من المدينة إن قصف مناطق المعارضة لم يتوقف لحظة أثناء الليل ووصفته بأنه "الأعنف" منذ أيام، كما وصف مدني محاصر هناك الوضع بكأن "يوم القيامة" قد بدأ.
وأضافت المعارضة السورية إن الجيش السوري ينفذ إعدامات ميدانية بحق المواطنين داخل المدينة، وكذلك الأطقم الطبية، مما يمنع تقديم أي مساعدة للجرحى وإنقاذهم من الموت.
وأضاف ناشطون سوريون – نقلت تصريحاتهم قناة "الحدث" السعودية – إنهم يتعرضون لمذبحة، وهناك عائلات أُعدمت بأكملها مع دخول قوات النظام والميليشيات الموالية لها، وأن هناك إعدامات عشوائية، واعتقال أعداد كبيرة من الشباب والزج بهم في جبهات القتال، مشيرين إلى أن الميليشيات الأجنبية هي من تنفذ الإعدامات وتلاحق المدنيين
- إبادة جماعية
وقال كل من الدفاع المدني والمجلس المحلي للمدينة السورية إنها تشهد مجازر وإبادة جماعية ينفذها قوات النظام وروسيا، وإن قوات النظام استخدمت كل الأسلحة المتوفرة في قصفها للمدين، مؤكدين أن الأطفال يعانون تحت الأنقاض ولا يمكن مساعدتهم، وأن الجريح الذي يسقط لا يجد من يسعفه، والشوارع امتلأت بالجثث.
- انقسام دولي
وكعادتهم، انقسم المشهد على الساحة الدولية، بين إدانة وشجب من الدول والمنظمات المعارضة لبقاء الأسد وما تفعله قواته، وبين ترحيب واسع من جانب المؤيدين لبشار، والاحتفاء بـ"تحرير المدينة".
وقالت منظمة الأمم المتحدة إن التقارير تؤكد أن قوات النظام قتلت 82 مدنيا، معربة عن قلقها إزاء الأنباء التي تدور حول اختفاء عشرات النازحين من شرق حلب.
واجتمع مسئولون أتراك روس توفير السبل الآمنة لخروج المدنين من حلب، ووقف إطلاق النار.. وهو ما حدث بالفعل، إذ تم الاتفاق منذ قليل على وقف إطلاق النار، وأعقبها خروج أول دفعة من المحتجزين في المدينة، بينما في هذه الأثناء أعلن مجلس الأمن الدولي عقد جلسة طارئة بشأن الأوضاع في سوريا.
- الشعب يدفع الثمن
إن كانت أي من الروايتين صادقة، فالحقيقة الثابتة أن الشعب السوري هو من يدفع ثمن الحروب وتراق دمائه، وتملأ جثثه الشوارع والطرقات، ويُيتم أطفاله، وتترمل نسائه، وتثكل أمهاته، أو بالأحرى من تبقى منهم جميعًا، باقين على أمل أن يروا غدا منتصر فيه تراب مرتوٍ بدماء من فقدوهم غدرًا.