في الوقت الذي تستقطب فيه فرنسا أنظار العالم باستضافتها كأس الأمم الأوروبية لكرة القدم "يورو 2016"، يبدو المشهد الداخلي الفرنسي شديد التأزم في ظل استمرار الاحتجاجات النقابية المناهضة لقانون العمل الجديد والإضرابات المتتالية في مختلف قطاعات الدولة، التي أحدثت أزمة غير مسبوقة داخل المدن الفرنسية.
بدأت الأزمة عندما أعلنت وزيرة العمل الفرنسية، ميريام خمري، في مارس الماضي عن قانون العمل الجديد الذي اعتبره كثير من الفرنسيين يخدم مصالح رجال الأعمال واستثماراتهم على حساب العاملين الذين حرموا من حقوق كثيرة كانت مكفولة لهم منذ عقود.
وكان من أهم ما نص عليه هذا القانون زيادة عدد الحد الأقصى لساعات العمل في اليوم من 10 إلى 12 ساعة، وإمكان تسريح العاملين الذين يرغبون في إجراء تعديلات على عقود عملهم، وتقليل أجر ساعات العمل الإضافية، كما يمنح القانون أرباب العمل صلاحية زيادة عدد ساعات العمل، وخفض الرواتب.
وأثار هذا القانون جدلًا واسعًا داخل المجتمع الفرنسي، ورفضه غالبية نواب البرلمان غير أن الرئيس فرانسوا أولاند ورئيس حكومته مانويل فالس أعلنا تمسكهما بهذا القانون من خلال اللجوء الاستثنائي إلى البند 49.3 من الدستور الفرنسي، الذي يمنح الحكومة حق تبنّي القوانين من دون اللجوء إلى التصويت، ويرى الرئيس أولاند أن هذا القانون يعد بمثابة مبادرة إصلاحية ضرورية لخدمة مصالح البلاد، وأنه سيمكن الاقتصاد من خفض ظاهرة البطالة ومواكبة تطورات سوق العمل، وأكدا عزمهما على التمسك بهذا القانون وعدم الرجوع عنه.
وتسبب هذا القانون في اندلاع احتجاجات صاخبة في الشارع الفرنسي تقودها حركات نقابية من أهمها نقابة الاتحاد العام للعمل "سي جي تي"، كما أدى إلى وقوع إضرابات واسعة شملت العديد من المرافق الحيوية للدولة كوسائل النقل العام ومحطات توليد الكهرباء، فضلًا عن إضراب عمال النظافة وهو ما أدى بدوره إلى تكبد الدولة خسائر فادحة.
وتظهر استطلاعات الرأي أن أكثر من 60% من الفرنسيين المستطلعة آراؤهم يرفضون قانون العمل الجديد 51% منهم من أنصار اليسار و44% من الجمهوريين اليمينيين، ويعكس هذا الأمر حالة الانقسام الواضحة التي باتت سائدة داخل معسكر الاشتراكيين، فالعديد من القيادات الاشتراكية، من بينهم وزراء سابقون عدة مثل أرنو مونتيبور وبونوا هامون، ترى أن تبني الرئيس أولاند لهذا القانون يعد تأييدًا لسياسات ليبرالية تنحاز لأرباب العمل والشركات على حساب أوساط الطبقات الفقيرة والمتوسطة والمهاجرين، التي كانت - حتى وقت قريب - تشكل العصب الأساسي للناخبين الاشتراكيين وهو ما يعد مخالفًا لمبادئ الاشتراكية.
كما يرى هذا الفريق من الاشتراكيين أن فكرة إصلاح قانون العمل، التي تبلورت نهاية العام الماضي لم تكن أبداً مدرجة في البرنامج الانتخابي للرئيس أولاند عام 2012، وهذا ما يفسر سخط شريحة كبيرة من النقابيين والاشتراكيين والمواطنين الفرنسيين الذين تحمسوا للتصويت لأولاند.
وانعكست حالة السخط هذه في استطلاعات الرأي التي أظهرت أن 16% فقط من الفرنسيين المستطلعة آراؤهم يؤيدون الرئيس الفرنسي ويعتبرونه "رئيسًا جيدًا".
وتنتقد هذه القيادات الاشتراكية الرئيس الفرنسي بتعيينه زعيم الجناح الليبرالي في الحزب مانويل فالس، رئيساً للحكومة وهو الأمر الذي أفضى إلى اعتماد سياسة حكومية يمينية بعيدة عن مبادئ اليسار الفرنسي.
وقبل عشرة أشهر من الانتخابات الرئاسية، يبدو الرئيس أولاند في مأزق حقيقي أمام هذا التصعيد غير المسبوق على المستوى النقابي والحزبي والشعبي، فهذه الأزمة تعد واحدة من أكبر الأزمات الاجتماعية التي شهدتها البلاد والتي تبدو معها المخارج كافة مغلقة بين حكومة تتمسك برفضها سحب قانون العمل الجديد أو تعديله جذريًا ونقابات مصممة على رفض القانون وتهدد بشل البلاد.
والمؤكد في كل ذلك أن هذه الأزمة ستؤثر بقوة على فرص ترشح الرئيس أولاند في الانتخابات الرئاسية المقبلة، حيث إنها أسهمت في ضعف موقفه واهتزاز مصداقيته أمام ناخبيه في ظل تزايد معدلات البطالة وتراجع مؤشرات الاقتصاد وهو ما سيجعل فرص ترشحه ضئيلة في انتخابات عام 2017.