الأربعاء 1 يوليه 2026 — القاهرة

أبطال «محمد محمود».. أحلام اغتالتها الرصاصات

أبطال «محمد محمود».. أحلام اغتالتها الرصاصات
«جيكا» كان يحلم بأن يكون ضابط جيش.. فض الاعتصامات حوّله إلى «برادعاوي».. ورصاصات الغدر أنهت حياته
 «حرارة»: أحلامى كانت طبيعية وكنت أسعى لأكون طبيبًا مشهورًا.. اليوم أحلم بأن أسير وحدى فى الشارع
«علاء عبد الهادي» خطط لاستكمال دراسة الطب بالخارج.. وشهادات مسابقة القرآن كل ما تبقى منه بعد مقتله برصاص الداخلية
«عنتر»: استخدام القوة أفقدنى القدرة على الإنجاب.. كان زمانى بقيت بابا.
«راندا»: إصابتى بشلل رباعى على أيدى الأمن أنهت عملى بالتمريض.. اليوم أعمل "كول سنتر" بشركة أحد أقاربى
    المئات, من الشهداء فقدوا أرواحهم بحثًا عن الحرية والعدالة الاجتماعية مخلفين وراءهم الدموع والحسرات لدى ذويهم، خاصة مع عدم تحقيق مطالب الثورة التى نادوا بها وسعوا إليها بإصرار وشجاعة، إضافة إلى آلاف المصابين الذين تغير مجرى حياتهم وأجبروا على سلك طرق مختلفة للحياة بعدما طالبوا بالحرية ففقدوا حياتهم وأحلامهم.
 دارت العديد من الأحداث فى شارع محمد محمود، إلا أن أكثرها تعلقًا بالأذهان بسبب الآثار التى ترتبت عليها، كان يوم 19 نوفمبر 2011 والأيام التالية له حتى 16 ديسمبر 2011، التى ترتبت عليها أحداث مجلس الوزراء، فقد الكثيرون أرواحهم فى هذه الأحداث بعد كر وفر بين قوات الأمن والثوار، وامتلأت الأرض بدماء الضحايا، وألقيت الجثث على أكوام القمامة دون اعتبار لحرمة الموت، إضافة إلى فقد الكثير لعيونهم.
التقت "المصريون"، بعدد من المصابين وأسر الشهداء لترصد ما فقده هؤلاء وما حرموا منه بسبب استخدام قوات الأمن للقوة فى فض الاعتصام.
 فماذا لو لم يتم إنهاء الاعتصام على هذا النحو؟ كيف كان سيتغير مصير هؤلاء؟ وفى أى موقع من المشهد السياسى الحالى كانوا سيتواجدون الآن؟، نسعى فى هذا التحقيق للإجابة على هذه الاحتمالات التى تبرز وبقوة إلى أى مدى يمكن للسلطة أن تدمر أحلام الشباب وتنهى حياتهم بطرق شتى حين تفرط فى استخدام أدواتها للقمع والترهيب.



 تعود الأحداث إلى يوم الجمعة 18 نوفمبر، التى عرفت بجمعة "المطلب الواحد" وكانت تدعو إلى المطالبة برحيل المجلس الأعلى للقوات المسلحة عن الحكم، وتسليم السلطة إلى رئيس مدنى منتخب فى موعد أقصاه إبريل. ظل الاعتصام طوال يوم الجمعة، إلا أنه فى المساء طالب حازم أبو إسماعيل المرشح الرئاسى السابق وبعض الأحزاب الأخرى المعتصمين بالرحيل، معللين ذلك بأنهم لا يريدون تأزم الأحداث، خاصة أن الانتخابات البرلمانية ستقام فى 28 نوفمبر الجارى وقتها وحتى لا يتم تعطيله.



رفضت أسر الشهداء وبعض الشباب الثورى الرحيل وترك الميدان، وبعد انتهاء يوم الجمعة 18 نوفمبر وبحلول يوم السبت 19 نوفمبر اقتحمت قوات الأمن الميدان وقامت باقتلاع الخيام وطرد ساكنيها بقوة بواسطة استخدام القنابل المسيلة للدموع ما نتج عنه سقوط أكثر من أربعين قتيلاً واندلاع مظاهرات عارمة فى ميدان التحرير وميادين أخرى فى مصر على مدى أسبوع، استمر اعتصام بعض المتظاهرين أولاً فى ميدان التحرير ثم انتقل إلى أمام مقر مجلس الوزراء المصرى.



 "كان نفسه يكون ظابط جيش، كان نفسه يكون دكتور كبير، كان نفسى أشيل حتة عيل، كان نفسى أكمل فى شغلي، كان نفسي.. كان نفسي" .. العديد من الأحلام حالت بينهم وبين تحقيقها رصاصة طائشة أو ربما رصاصة غدر، فالبعض منهم استبدل حلم البالطو الأبيض بالكفن الأبيض، وآخرون انتهى مرحهم ونشاطهم على "كرسى متحرك"، وغيرهم تواروا تحت الثرى، كما فقد كثيرون القدرة على الإنجاب والاستقرار.

الدكتورة راندا والتمريض
 "كان نفسى أفضل فى مهنتى اللى أنا بحبها وأساعد الناس لكن إصابتى تعجزنى وتمنعني"، هكذا أجابت على اسئلتنا الدكتورة راندا رئيس قسم التمريض بالغردقة سابقًا والتى تخلت عنها وعن مكان إقامتها هناك بسبب إصابتها فى الأحداث .
أصيبت "راندا" بإصابتين فى ميدان التحرير، كانت الأولى فى جمعة الغضب 28 يناير، بسبب ضابط أمن مركزى برتبة نقيب حاول جذب شابًا من الميدان فتدخلت لمنعه فكان الرد عليها بضربها. تقول راندا: لم أسكت واشتبكت مع الضابط وتبادلنا الشتائم فضربنى فرددت له الضربة فما كان منه إلا أن ضربنى بسلاحه وأحدث بى العديد من الإصابات والكدمات، وعلى أثرها تحركت بعض الغضاريف من مكانها بجانب تجمع دموى فى الفقرات القطنية.
 وتضيف: أما الثانية فكانت فض اعتصام فى شارع محمد محمود، حيث ضربنى ضابط فى رقبتى بظهر سلاحه ضربة قاضية وكانت نتيجتها كسر فى أربع فقرات عنقية أدت إلى إصابتى بشلل رباعي، تلقيت العلاج الطبيعى فى القوات المسلحة وأخر عملية أجريتها كانت فى 2013 ، إلا أننى حتى الآن أعاني.. تركت عملى ولم أعد أمارس حياتى بصورة طبيعية فلا أستطيع تحريك يدى بسهولة لكننى لم أقف مكتوفة الأيدى فعملت بشركة أحد أقاربى أرد على التليفونات وتتابع راندا بحزن وألم: "أصعب فترة لما كنت مش بتحرك وأولادى الشباب كانوا بيغيرولى ويحمونى ويأكلوني، ومش ندمانة إنى شاركت فى الثورة ولو رجعت الأيام هرجع أشارك تاني، وأولادى فخورين بيا وابنى الكبير هو اللى نزلنى معاه فى 2011".

عنتر: "نفسى أجيب حتة عيل"
"طلق نارى فى رقبتى خرج من ظهري، قطع لى الحبل الشوكي، جاب لى شلل رباعي" يقول عنتر عبد العظيم أحمد: "كنت شغال على عربية كبدة مستريح شاركت فى الثورة وكنت خاطب بعد إصابتى خسرت كل حاجة بس خطيبتى فضلت معايا كملنا واتجوزنا بس نفسى أعمل عملية حقن مجهرى وأجيب حتة عيل دى كل أمنيتي" .
ويضيف: "صندوق رعاية المصابين كان بيصرف لى حقن بمبلغ 13 ألف جنيه فى الشهر للعلاج، قلت لهم مش عايز الحقن واتعالج مكثف بس أعملوا لى العملية، قطعوا عنى الحقن وما اخدتش فلوس ولا عملت العملية، وأقولهم اصرفوا لى الحقن تانى يقولوا لى هات تقرير من أول وجديد.. يرضى مين ده، وبردوا مش ندمان أنى شاركت فى الثورة".

الحناوى وكوابيس الثورة
 أما محمد إبراهيم محمد رمضان الحناوى فيقول: "بالرغم من إصابتى فى فخذى وكعبى التى تسببت فى التزامى الفراش لمدة سنتين للعلاج.. كانت أسوأ أيام حياتى إلا أننى تحديت الظروف وأكملت تعليمى وحصلت على بكالوريوس التجارة إنجليزي".
 ويضيف الحناوي، فى حواره مع "المصريون":"إلا أن كوابيس الثورة وفقدى أصحابى مازال يلازمنى حتى الآن ولا أستطيع أن أمحو من ذاكرتى استشهاد أصدقائى بجوارى أو معاناتى بعد إصابتي".

 طبيب الروماتويد الشهير


"علاء كان هيلخص ويسافر يكمل دراسته فى أمريكا كان نفسه فكده كان هيتخصص فالعظام عشان ماما كان عندها "روماتويد" وده مرض فى العظم.. علاء كان عنده أحلام كتير أوى نفسه يحققها وكلها مش حاجات عادية لأنه ماكنش شخص تقليدى"، أمنيات للشهيد علاء عبد الهادى ذكرتها أخته ميادة، التى مازالت بالرغم من خسارتها له منذ أربع سنوات تتذكره دائمًا.


وربما لم تكن ميادة وحدها التى تتذكر أخيها الدكتور علاء عبد الهادي، بل هناك أيضًا أهل قريته وأصدقاؤه الذين نظموا العديد من القوافل الطبية باسمه، لكن تشير ميادة، إلى أنه بعد 30 يونيو تم أخذ مبنى القافلة الطبية "فى هوجة السيسى والإخوان" على حد قولها.
 وتضيف ميادة فى تصريحاتها لـ"المصريون"، أن هناك مسابقة لـ"القرآن الكريم" سنويًا تقام باسم علاء فى ذكراه.

 أحلام "حرارة" التى تبخرت


 "بيت بجنينة وأسرة، الحلم الطبيعى لكل حد، وكنت قربت من تحقيق الحلم جبت شقة أفتحها عيادة فى المعادى ودفعت نصف ثمنها وبكمل الأقساط، وكانت الدنيا حلوة، كنت ناوى أتعمق فى دراسة اللثة وأتخصص فيه، بس حصل اللى حصل، الحمد لله"، وبالرغم من فداحة إصابته بفقده كلتا عينيه، تقطر حروف كلماته أملاً وتفاؤل".



ويضيف حرارة لـ"المصريون": "حياتى كلها اتغيرت، قبل الثورة كنت عايش فى قوقعة المعادى اهتماماتى دلوقتى اختلفت، أصبحت بقرأ باستمرار ودى مش هوايتي، بكمل دراسات فى مواد مختلفة، حياتى بقت أحسن، وعيى زاد بالأمور من حولي، وإن كنت بفتقد نزولى الشارع براحتي".
حرارة، طبيب أسنان فى الثلاثين من عمره، تخرج فى كلية طب الأسنان بجامعة 6 أكتوبر، فقد عينه اليمنى يوم جمعة الغضب فى 28 يناير 2011 بميدان التحرير، ثم فقد اليسرى فى أحداث 19 نوفمبر 2011 بمحمد محمود، وكان سيقوم برحلة علاجية إلى سويسرا وألمانيا لمحاولة إجراء جراحة قد تعيد إليه البصر فى إحدى عينيه، وفشلت الجراحة التى كان قد أجراها فى فرنسا بسبب شدة الإصابات التى تعرض لها، وصعوبة التدخل الجراحي.

جيكا.. ضابط الجيش البرادعاوى



 "كان نفسه يكون ظابط جيش، وأنا كنت دايما أقوله ياباشا".. حتى لما أجى أصحيه كنت أقوله "قوم يا باشا"، بدموعها تروى ماما فاطمة عن أحلام "جيكا"، وتضيف: "بعد ما شارك فى الثورة وشاف فض الاعتصامات واللى بيحصل فيها غير رأيه وقال إنه هيبقى "برادعاوي"، لانتمائه وإيمانه بالدكتور محمد البرادعي" على حد قولها. "حسبى الله ونعم الوكيل مافيش حق جه، هو كل يوم معايا"، تكمل أم جيكا بدموعها: "عيش وحرية وكرامة، كانت هى مطالب جيكا للثورة.. كان يساند الجميع فى وقفاتهم للمطالبة بحقهم، خاصة المدرسين فكان يرى أن المدرس لابد أن يعيش فى كرامة ويكون مستواه كويس".
وتشير "ماما فاطمة"، إلى أن "جيكا" حصل على العديد من شهادات التقدير من مدرسته ومدارس أخرى لحسن أخلاقه بشهادة الجميع عنه، منهية كلماتها بـ"كل الناس كانت بتحبه". ويضيف والده صلاح جابر، على حديث زوجته: "أصحابه سموه فى الميدان"جيكا برادعاوي"، غير فكره واتجاهه بعد أحداث الثورة وبعد الاعتصامات والطرق الوحشية لفضها".
ويؤكد عم "صلاح" فى حواره مع "المصريون": "هو مات فى الوقت اللى ربنا كان محددهوله، الحمد لله أنه مات فى الميدان أحسن ما كان مات فى السرير، بسبب جيكا وأصحابه الشهداء والمصابين، الناس فى العالم كله عرفت الثورة المصرية واتكلمت عنها".
 وأنهى عم"صلاح" كلمته قائلاً: "لو جيكا كان لسه عايش كان زمانه فى السجن معتقل دلوقتى لأنه عمره ما كان هيرضى على أى حاجة غلط بتحصل".
"جابر صلاح جابر (29 - ديسمبر 1995 - ديسمبر 2012) ، وشهرته "جيكا"، عضو فى حركة "6 إبريل"، قيل أنه "أول شهيد برصاص الداخلية "، وانتشرت صورة له على الجدران مع جملة "جيكا مات"، كما رفعت صوره إلى جانب أيقونات مثل مينا دانيال وعماد عفت خلال تظاهرات 30 يونيو.
 أصيب" جيكا" بطلق نارى بالرأس أثناء مشاركته ف إحياء ذكرى أحداث محمد محمود ، نقل إلى مستشفى قصر العينى وبعد وضعه على أجهزة الإنعاش لمدة 5 أيام توقف قلبه ومات.


مصدر الخبر
المصريون

أخبار متعلقة