الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

هيلارى والمكتب البيضاوى.. عقدة وطموح

هيلارى والمكتب البيضاوى.. عقدة وطموح

أعترف بداية أننى لم أكن يوما من محبى السيدة هيلارى كلينتون المرشحة عن الحزب الديمقراطى لمنصب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية. فقدت تعاطفى حين تنازلت عن أمور أساسية تتعلق بأنوثتها وكرامتها فى سبيل الوصول إلى السلطة.

لم تكتف بأن تكون قريبة من السلطة، حتى كزوجة لرئيس جمهورية الدولة الأعظم، إرادتها كاملة غير منقوصة ولها وحدها ولا شريك حتى لو كان الشريك شريك حياتها. لا أحبها ولكنى معجب بكثير من صفاتها، أعجبنى فيها وما زال يعجبنى طموحها الغلاب.

أرادت أن تصل إلى منصب الرئيس، فتحملت بصبر نافذ وقوة خارقة تداعيات صعود زوجها الصاروخى وتعدد علاقاته النسائية فتغاضت عنها إلا واحدة تصدت لها دسائس القصر وعيون الإعلام المتربص دائما بسكان البيت الأبيض، حينئذ خرجت إلى الرأى العام تفاصيل مداعبات مارسها السيد الرئيس فى مكتبه البيضاوى مع الآنسة لوينسكى المتدربة فى الرئاسة.

لم يعجبنى أداؤها كوزيرة خارجية، بل أتصور أن هذه المرحلة كانت بين الأسوأ فى التاريخ السياسى للسيدة هيلارى فى تلك الفترة، وهى السنوات بين 2009، و2013 إذ لحق بسمعتها رذاذ تطاير فى كل الاتجاهات بسبب تدهور علاقات واشنطن بالقيادة الحاكمة فى إسرائيل، واستمرار التردى فى أوضاع العراق وأفغانستان والفشل المتلاحق فى إخراجهما من حالة الفوضى والحرب.

كذلك لم تفلت هيلارى من الاتهام بأنها مع الرئيس أوباما أهملا التعامل مع ثورات الربيع العربى، وبشكل خاص أساء إدارة وتوجيه الحملة العسكرية فى ليبيا مما تسبب فى سقوط «الدولة» هناك وانتشار الفوضى.

لاحظت، كما لاحظ آخرون راقبوا تطورات الحملة الانتخابية للرئاسة، أن هيلارى تعمدت إغفال هذه المرحلة من حياتها رغم أنها المرحلة التى تبوأت فيها أحد أعلى مراكز السلطة فى واشنطن، فضلا عن أنه المركز الذى حقق لها الاتصالات الأعمق والأوسع بعديد زعماء العالم. واضح أنها اعتقدت أن الحديث الآن عن المرحلة التى تولت فيها منصب وزيرة الخارجية قد يفقدها العديد من أصوات التيار المحافظ، فتجنبت هذا الحديث.

***

إلا أننى يجب أن أعترف أن هيلارى، بالمقارنة بالرجلين اللذين ينافسانها على منصب الرئاسة، تتمتع بأرصدة وفيرة، ليس أقلها أهمية الدعم المالى الهائل وربما غير المسبوق من جانب العناصر الأكثر ثراء فى أمريكا والشرق الأوسط. لا شك أيضا أن مؤسسات فى الدولة تتمتع بنفوذ فى سير العملية الانتخابية اختارت فيما يبدو أن تدعم المرشحة هيلارى بوسائل شتى.

أضف إلى ما سبق أن هيلارى تجسد تجربة فريدة وهى أنها عاشت فى البيت الأبيض زوجة للرئيس، بل ربما الزوجة الأقوى نفوذا فى سلسلة طويلة من زوجات لم يتركن أثرا يذكر فى الحياة السياسية رغم إقامتهن الطويلة فى البيت الأبيض. يكفى أن نعرف أن السيدة هيلارى تعرف الآن من زعماء العالم وقادة المجتمع المدنى فى بلاد كثيرة أكثر مما يعرف كل من السيد ترامب والسيناتور ساندرز.

***

لا يجوز لنا إغفال الخبرة التى حصلت عليها السيناتور هيلارى كلينتون أثناء تمثيلها ولاية نيويورك فى مجلس الشيوخ الأمريكى، بالرغم من أننا نعرف أنها لم تقدم تشريعا واحدا مؤثرا أو قويا ولم تكن مشاركتها فى التشرع على مستوى الشيوخ المخضرمين والنابهين. أعتقد مثل مراقبين آخرين أنها سعت إلى احتلال هذا المنصب وفى ذهنها أنه المحطة الضرورية للخطوة التالية، خطوة الترشيح لمنصب رئيس الجمهورية وهو ما فعلته.

من أرصدتها الثمينة أيضا التى تميزها عن منافسيها، أنها، أى السيدة هيلارى، استطاعت وبنجاح الاحتفاظ بعلاقات قوية مع تيار المحافظين الجدد وبخاصة مع ديك تشينى وبول فولفوفيتش والسيدة كيركباتريك، وكذلك مع تيار أحب أن يطلق عليه «الليبراليون التدخليون»، أى هؤلاء المدافعون فى الحزب الديمقراطى وفى الإعلام عن الحقوق والحريات إلى حد استعدادهم دعم أى قرار يصدره رئيس أمريكى لفرض النظام الديمقراطى على بلد أو آخر، ومن هؤلاء أذكر بول كروجمان وتوماس فريدمان وفاريد زكريا، وفى الوقت نفسه تحظى هيلارى بسمعة طيبة فى دوائر المؤسسة العسكرية بفروعها المختلفة وبخاصة الفروع الأمنية، أخص بالذكر تلك القيادات والشخصيات المتشددة التى تحن بين الحين والآخر إلى الحرب، وهذه تشيد حتى الآن بهيلارى، بنت السابعة والعشرين التى انتفضت على التيار السائد فى أمريكا وقتذاك حين عرضت نفسها على الجيش متطوعة لتحارب فى فيتنام.

يلخص جيفرى ماكس طبيعة هذه العلاقة بين هيلارى والعسكريين فى تحليل له عن دور هيلارى فى صنع السياسة الخارجية، فيقول «إن ما يسمى بخبرتها فى السياسة الخارجية لا يخرج عن كونه دعما كاملا من جانبها لكل جهد حربى تقوم به دولة الأمن التى يديرها العسكريون والاستخبارات الأمريكية». يعرف الكثيرون أيضا أن المؤسسة العسكرية لا تنسى لهيلارى ما قامت به من أجلها خلال عضويتها فى لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ.

***

ليس سرا، بل وجاء ذكره فى بعض مذكراتها، أنها بدأت نشاطها السياسى وهى فى سن السابعة عشرة كمتدربة فى حملة السيناتور جولد ووتر اليمينى المتطرف للرئاسة فى عام 1964، ثم فى حملة السيناتور المتطرف أيضا يوجين مكارثى، ولم يتجاوز عمرها الواحد وعشرين عاما.

وها هى تتقدم لاحتلال منصب رئيس الجمهورية الأمريكية مدعومة من جميع المؤسسات والقوى اليمينية المتطرفة، وتجرى الآن محاولات جادة لزحزحتها قليلا نحو الوسط واليسار المعتدل أملا فى امتصاص بعض الطاقة «الثورية» التى أطلق عقالها السيناتور برنى ساندرز.

***

التزمت هيلارى طويلا وكثيرا مبادئ وسياسات التطرف اليمينى، ولكنها تحت ضغط منافسها الديمقراطى برنى ساندرز تجد نفسها الآن مضطرة إلى أن تزايد عليه حتى لا تفقد أصوات الشباب والتيار اليسارى المتصاعد فى بعض الولايات والأوساط الأمريكية، مثال ذلك دعوتها لزيادة الحد الأدنى للأجور ضد رغبة رجال الأعمال والمال، وهم الذين يمولون حملتها الانتخابية، مثال ذلك أيضا تراجعها عن دعم اتفاقية التجارة عبر الباسيفيكى بينما كانت قبل عامين تصفها بالنموذج الذهبى للتجارة العالمية، ومع ذلك لا أحد يعتقد أن هيلارى سوف تفلح خلال المرحلة المتبقية فى الحملة الانتخابية فى وقف انحسار شعبيتها وبخاصة فى أوساط النساء صغيرات العمر، هؤلاء لن يصوتن لها بدافع حق المرأة فى أن تكون رئيسة جمهورية لأنهن فى هذه المرحلة العمرية لم يلتزمن بعد بقواعد ومبادئ الحركة النسوية.

الأولوية لديهن تبقى لحقهن كشباب فى التغيير، ورفضهن لمؤسسة الطبقة السياسية الحاكمة. مثلهن، وهذا هو المتغير الأشد غرابة فى هذه الحملة الانتخابية، مثل كل من ساندرز وترامب، متمردات على نظام الحزبين بشكله الراهن وعلى ألاعيب السياسة الانتخابية التى تحاول أن تفرض عليهن هيلارى كلينتون رغم عيوبها وولاءاتها المعروفة.

سمعت إحداهن تقول، «لن نصوت لمرشح، من جنسنا، لمجرد أنها امرأة،. ثم نفاجأ بأن هذه المرأة الرئيس ستلعب دور المعول لهدم الحقوق والحريات ولخدمة مصالح المصارف وقطاع المال والأعمال، امرأة لا تختلف عن نساء خانت قضايا الحرية ومكافحة الفساد مثل جين كيركيباتريك ومادلين أولبرايت وكوندوليسا رايس ومارجريت تاتشر».

مصدر الخبر
الشروق

أخبار متعلقة