قبل أن تتلاشى من الذاكرة حادثة احتراق سوق الجمعة فى منطقة التونسى التابعة لحى الخليفة، عادت النيران لتندلع من جديد فى «عشش الغلابة»، ممن احترفوا تجارة «القديم» من الملابس والموبيليا والمفروشات، حيث أتت النيران، الأربعاء، على نحو 55 «عشة» تحتوى على موبيليا قديمة وثلاجات وغسالات مستعملة، لتأتى عليها النيران فى دقائق معدودات، وترتفع أعمدة الدخان لتغطى سماء جنوب القاهرة، على مدى ساعات، جاهد رجال الحماية المدنية خلالها مستعينين بـ18 سيارة إطفاء، هرعت إلى مكان الحادث، الواقع على طريق الأتوستراد، المواجه لجبل المقطم شمال حى البساتين.
كانت غرفة عمليات الحماية المدنية بالقاهرة، تلقت بلاغا من غرفة النجدة باشتعال النيران بسوق الجمعة بمنطقة الخليفة، وأمر اللواء جمال حلاوة، مساعد وزير الداخلية للحماية المدنية، بانتقال سيارات الإطفاء إلى مكان البلاغ لمحاولة السيطرة على الحريق، فيما تفقد اللواء خالد عبدالعال، مدير أمن القاهرة موقع الحريق، واستمع إلى شرح تفصيلى من مدير الحماية المدنية حول جهود إخماد الحريق، مشيدا بجهود رجال الإطفاء فى التعامل مع النيران.
كذلك، تفقد اللواء أحمد تيمور، القائم بأعمال محافظ القاهرة، الموقع أثناء عمليات إخماد الحريق، مشددا على عدم وجود إصابات بشرية، وكلف هيئة نظافة وتجميل القاهرة برفع جميع المخلفات، فور انتهاء معاينة النيابة العامة والمعمل الجنائى لتحديد أسباب الحريق.
وقال مصدر أمنى بمحافظة القاهرة: إنه للمرة الثانية يتعرض فيها سوق الجمعة للحريق، حيث كانت المرة الأولى عام 2010، ما تسبب فى نقل الباعة الجائلين من السوق بالكامل، ولكن بعد اندلاع الثورة، عادوا مرة أخرى إلى السوق تدريجيا، إلى أن أصبح الوضع أسوأ مما سبق.
وأكد المصدر فى تصريحات لـ«الشروق»، أن الحريق اندلع صباح أمس فى 20 كشكا تحتوى على ثلاجات ساعدت على سرعة اندلاع وانتشار الحريق، لاحتوائها على مادة الفريون، قبل انتقالها إلى عشش الموبيليات، موضحا أن فرق الإطفاء تعاملت بسرعة مع الحريق بالتعاون مع أصحاب الأكشاك، التى لم يصل إليها الحريق.
وفتحت نيابة الخليفة برئاسة المستشار محمد مصطفى مدير النيابة وبإشراف المحامى العام الأول لنيابات جنوب القاهرة المستشار هشام حمدى تحقيقا موسعا للوقوف على أسباب اندلاع الحريق، وتبين من التحقيقات الأولية، التى باشرها أحمد عسكر وكيل نيابة الخليفة، عن اشتعال النيران فى 55 عشة، وكشفت معاينة النيابة تلاحم العشش المحترقة والمكونة من الأخشاب التى ساعدت على اشتعالها.
وأمرت النيابة بإخلاء جميع العشش المجاورة تحسبا لامتداد الحريق لها وانتدبت المعمل الجنائى، وطالبت بسرعة الانتهاء من تحريات المباحث.
واستمعت النيابة لعدد من الأهالى الذين أكدوا أن العشش المحترقة خالية من السكان، وأن هذه الحرائق تشتعل من حين لآخر، والأهالى يسيطرون عليها، موضحين أن سرعة وصول رجال الإطفاء، ساهم فى إنقاذ المنطقة من كارثة.
وسط ركام عشش الأثاث المحترقة بسوق الجمعة، وقف الرجل السبعينى عيد خليل، وحيدا، ببذلته التى تنتمى لحقبة الستينيات، والغبار يغطى ملامح وجهه الملىء بالتجاعيد، ينقب مع رجال الحماية المدنية عن بقايا أجهزته المتهالكة، التى آتت عليها النيران، دون أن يلقى بالاً إلى أية تعويضات «غير منتظرة» من الحكومة.
خليل استقبل نبأ الحريق عبر هاتفه، مثل أغلبية من التهمت النيران مصدر رزقهم الوحيد بسوق بيع البالة بمنطقة التونسى، ليهرع الرجل من محل إقامته بمدينة السلام إلى المنطقة، التى ارتبط بها ربع قرن من الزمان، هى مدة تأسيس السوق العشوائية، يقول خليل بأسى: «كلنا صحينا على خبر الحريق ولا نعرف سببه».
يقدر خليل قيمة بضاعته بنحو 20 ألف جنيه، جميعها من الإكسسوارات المنزلية، وهى الأرقام التى ترددت على معظم ألسنة باعة الأثاث والبالة بسوق التونسى، دون الكشف عن الحصر الرسمى الذى أعدته وزارة التضامن الاجتماعى.
بمجرد أن تطأ قدماك لمنطقة التونسى، تشعر أن النيران أتت على جميع العشش التى تُباع فيها البالة والأجهزة القديمة من الأثاث والأجهزة الكهربائية، بسبب حالة الاختناق الشديدة والرماد الكثيف اللذان خلفهما الحريق فى الممرات، التى تقودك إلى السوق القديمة.
«محدش عارف ايه سبب الحريق.. الحر ولا حريق مولدات» يكررها أصحاب الفرشات فى جميع أرجاء حى التونسى دون الإجابة على تساؤلاتهم، لكن الإجابات تبدو مقنعة لغياب الوصلات الكهربائية عن منطقة البيع، حيث يعتمد أغلبهم على المولدات الكهربائية، كما أنها تخلو من اشتراطات الحماية المدنية.
على بعد أمتار من سور المجزر الآلى التى التهمت النيران جزءا منه، جلس مختار عبدالتواب، صاحب المقهى المحترق بالسوق، يضرب أخماسا بأسداس، يتمتم الرجل، وهو يغالب دمعه: «شقا العمر راح»، يقول مختار الذى قضى 40 عاما من عمره فى السوق، وهو يتذكر الحرائق المتكررة، التى دمرت مصدر رزقهم فى الأعوام السابقة.
يقطن عبدالتواب بمنطقة البساتين التى تبعد بضعة كليومترات عن سوق التونسى، لكنه لا يفكر الآن سوى فى إعادة ترميم مقهاه مرة أخرى.
ويشير شهود عيان بالسوق إلى أن حوادث الحريق باتت معتادة فى السنوات الأخيرة، وتحديدا فى شهر رمضان، دون أن يلقوا بالمسئولية على أحد.
يلتقط أحمد عباس، «27 عاما»، طريف الحديث من مختار، مشيرا إلى أن الباعة لا ينتظرون التعويضات المناسبة من الدولة بسبب وضعهم العشوائى فى منطقة التونسى منذ سنوات عدة خلت.
لا تبدو الصور قاتمة السواد بالنسبة للعاملين، الذين لم تطل النيران مقر عملهم، حيث جلس العامل أحمد محروس يراقب مشاهد جمع الأثاث المحترق وهو يردد: «هذه حياتنا ومنعرفش شغلانة غيرها».
النار تلتهم «أكباد الغلابة» في سوق الجمعة
مصدر الخبر
الشروق