الإثنين 6 يوليه 2026 — القاهرة

كيف استطاع ترامب تحقيق المعجزة.. وكيف ستكون سياسته؟

كيف استطاع ترامب تحقيق المعجزة.. وكيف ستكون سياسته؟
انتصر دونالد ترامب، وهزم المؤسسة الأمريكية الحاكمة، وممثلتها المفضلة والمدللة هيلارى كلينتون، مثلما هزم الإمبراطوريات الإعلامية الجبارة، وأثبت عمليا زيف استطلاعات الرأى وانعدام مصداقيتها، والشىء نفسه يقال أيضا عن عشرات، أو مئات، المحللين، والخبراء، وبنوك العقول، التى تنبأت بهزيمته فى الجولة الأولى، وبالضربة القاضية.

وصفوه بالجهل وعدم الخبرة السياسية، تبرأ منه زعماء حزبه الجمهورى، ونخبته فى الكونجرس، ومجلس الشيوخ، ولكنه صمد وواجه التحدى بالتحدى، وأثبت أنه الأقدر على فهم الشعب الأمريكى، ومطالبه، وقراءة مزاجه العام بدقة متناهية، ووضع خطوط الخطاب الذى يصل إليه بفاعلية.

الشعب الأمريكى، ومثلما أوضحت هذه الانتخابات، أصيب بحالة من الملل من نخبته الحاكمة، وانفصام الشخصية الذى تعانيه، وانفصالها عنه وهمومه، ومشكلاته، وطموحاته، ولذلك انحاز إلى هذا المتمرد على مؤسسة الحكم، وقرر إعطاءه صوته وثقته أيضا.

لا نختلف مطلقا مع الكثيرين الذين يتحدثون عن سلبيات هذا الرجل، والتناقضات العديدة فى شخصيته وسلوكه، ولكن الحكم عليه وله، جاء من قبل الشعب وصناديق الاقتراع، فقد كان من الصعب أن نتصور مليارديرا مثله، يركب الطائرات الخاصة، واليخوت الفخمة، أن يقدم نفسه ممثلا ومدافعا عن حقوق ومطالب الفقراء المهمشين منه، وصدَّقه المحبطون وأعطوه أصواتهم، ربما لصراحته وعفويته غير المعهودة عند السياسيين المحترفين أبناء المؤسسة الحاكمة.
***

تعرض ترامب لحملات إعلامية شرسة، نهشت عرضه، وغاصت فى أدق خصوصياته الشخصية والعائلية، وشككت فى ذمته المالية، ولكنه استمر فى مسيرته وسط حقول الألغام هذه، وأطاح بـ16 منافسا له على ترشيح الحزب الجمهورى، وها هو يطيح بالمنافسة، أو الحوت الأكبر، كلينتون، ويصل إلى البيت الأبيض بربطة عنقه الحمراء الفاقعة.

عنصرى، يمينى، يحتقر المرأة، ويتحرش بالنساء، وكاره للإسلام والمسلمين، يريد إغلاق حدود بلاده فى وجههم وغيرهم من فقراء المكسيك وأمريكا اللاتينية؟ ما المفاجأة؟ أليست هذه هى أمريكا؟ أليست هى التى تأتى إلينا بدباباتها وقاذفاتها وعملائها، وتقتل الملايين منا، وتبذر بذور الحرب الطائفية، وتغير الأنظمة، وتنشر الفوضى الدموية؟ وهل كانت السيدة كلينتون تهيم حبا وغراما بالمسلمين؟ ألم تهدد بالتدخل العسكرى فى سوريا، وأيدت بحماس غزو العراق واحتلاله، وحرضت على قتل زعيم عربى (القذافى) وهتك عرضه وجثمانه؟

ربما يكون المرشحان فى سياق انتخابات الرئاسة اختلفا حول العديد من القضايا الداخلية والخارجية، ولكنهما اتفقا على أرضية الاحتقار للعرب ومن ثم المسلمين، وما اختلف هو طريقة التعبير فقط أما الجوهر فواحد.
***

اليوم أصبح ترامب فى قلب البيت الأبيض، وبات علينا وغيرنا أن يتعامل معه مكرها كرئيس، ومن المؤكد أنه سيضطر لتغيير الكثير من مواقفه وسلوكه، وإلا تعرض للقتل، أسوة برؤساء آخرين استفزوا المؤسسة الحاكمة، فتهديده بإلغاء أو تعديل بعض البنود فى الاتفاق النووى الإيرانى، ربما يوضع على الرف، لأنه اتفاق بين الدول الخمس الكبرى زائد ألمانيا مع إيران، وليس اتفاقا إيرانيا أمريكيا، والبديل للإلغاء هو عودة إيران إلى تخصيب اليورانيوم، وامتلاك أسلحة نووية، واللجوء إلى الحرب لمنع هذا الخيار.

لا نتفق مع الكثيرين الذين اشتروا الصورة النمطية التى سوقتها الآلة الإعلامية والمؤسساتية الجبارة التى وصفت الرجل بالجنون والتهور، وعدم أهليته لحكم دولة عظمى أو صغرى، فلو كان حاله كذلك، لما كسب غالبية أصوات نحو 300 مليون مواطن أمريكى فى انتخابات حرة ونزيهة.

إعجاب ترامب بالرئيس الروسى فلاديمير بوتين ليس نقيصة، أو خطيئة، فلماذا لا نرى النصف الملىء من الكأس، وأن نفكر بطريقة مختلفة، ونرى فى هذا الإعجاب ظاهرة إيجابية يمكن أن تقود إلى الحوار والتفاهم والتنسيق بين القوتين العظميين فى ملفات عديدة ملتهبة، وأبرزها حروب الشرق الأوسط. فهل من الضرورى أن يكون رئيسا القوتين العظميين فى حالة خصام وعلاقات متوترة وحروب باردة وساخنة؟ وهل نسينا أن أى حرب بينهما ستكون على أرضنا وضحاياها من أهلنا وأبنائنا؟

ترامب هدد بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة؟ وبدأنا نصرخ من هذه الخطوة الكارثية، وهى كذلك فعلا، ولكن ماذا فعلنا، أو هل نملك القوة والوسيلة لمنعها فى ظل الوضع المؤلم الذى تعيشه الأمة الإسلامية حاليا؟ وهل منعنا احتلال القدس، ووقف اقتحاماتها وتهويدها؟ وهل هناك من انتصر للمرابطين من أهل الأرض المحتلة الذين يضحون بأرواحهم ودمائهم، للحفاط على عروبتها وإسلامها؟

نقطة اخرى يتوقف عندها الكثيرون، وهى تهديد ترامب بمنع المسلمين من دخول أمريكا، وهو تصرف عنصرى بغيض وفاشى، ولكن من حقنا أن نسأل، هل فتحت الدول العربية، والخليجية منها خاصة، حدودها أمام اللاجئين السوريين أو العراقيين قبلهم، وهى التى تتحمل المسئولية الكبرى عن مأساتهم، عندما ضخت مليارات الدولارات لإسقاط الحكم فى سوريا، وأيدت الغزو والحصار وتغيير النظام فى العراق.

لماذا لا يأتى الرد بمنع الأمريكيين من دخول أكثر من خمسين دولة إسلامية؟ ولماذا يذهب المسلمون إلى أمريكا بالأساس؟ هناك بدائل أخرى عديدة، ولا نعتقد أن المسلمين سيموتون حسرة إذا لم يطأوا الأرض الأمريكية كزوار أو مهاجرين. ويجب أن يكون الرد بالالتفات إلى حكامهم الفاسدين الذين أهدروا ثرواتهم، وسرقوا ثمار عرقهم، ووضعوها فى البنوك الأمريكية، الرد أيضا فى العمل من أجل الحكم الرشيد والمساواة والعدالة الاجتماعية والإصلاحات السياسية والاقتصادية.
***

لسنا من المؤيدين للرئيس ترامب، ولا يمكن أن نكون من بين مريديه، أو أى رئيس أمريكى آخر، لأننا نؤمن إيمانا قاطعا بأن معظم مصائبنا جاءت من أمريكا والحكام العرب المتحالفين معها، ولكننا أردنا أن نقدم قراءة مختلفة لهذا الزلزال الانتخابى الأمريكى، وكيفية التعامل معه، وأن نؤكد فى الوقت نفسه أن اعتمادنا الأول والأهم كعرب ومسلمين أن يكون على أنفسنا، وفرض احترامنا على الآخرين، لا أن نكون من المرعوبين من كل نتائج انتخابات أمريكية رئاسية، ونحن الذين لا نعرف شيئا اسمه انتخابات إلا ما ندر.

أمريكا تتغير، ووصول ترامب إلى البيت الأبيض هو بداية هذا التغيير، والمنطق يقول إنه يجب علينا أن نتغير أيضا، ونتعلم من أخطائنا الكارثية، وأن نتخلص من عقلية التبعية للكفيل الأمريكى الذى يريد فرض الجزية علينا، ونهب ما تبقى من ثرواتنا.
مصدر الخبر
الشروق

أخبار متعلقة