الخميس 2 يوليه 2026 — القاهرة

البرادعى والدور الغامض

البرادعى والدور الغامض
دور الداعية للتصالح والوئام بين الخير والشر أو بين الشر، والشر هو ما تميز فيه الدكتور محمد البرادعي، مستفيدا بخبرته الطويلة علي رأس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي من بين الوكالات «الأممية» التي تمارس دور تكريس الهيمنة الاستعمارية علي العالم، تحت شعارات براقة، من بينها وقف انتشار الأسلحة النووية، والذي يعني في الحقيقة أن تظل الأسلحة النووية حكرا علي الدول العظمي، ومن يخرقون الحظر لا يتم التعامل معهم بمعيار واحد، فهناك معيار خاص بإسرائيل، ومعيار آخر مختلف تماما يخص العراق وكوريا الشمالية وإيران، ومعيار ثالث بين المعيارين خص الهند وباكستان.

لا يمكن لوم الدكتور البرادعي علي مواقف وتكوين المنظمات الأممية الواقعة تحت الهيمنة الأمريكية، لكن لا يمكن أيضا تجاهل أنه قد تكيف معها، وأصبح واجهة واحدة من أهم مؤسساتها،وموقفه من غزو العراق اتسم بتلك الازدواجية المراوغة، فالتقارير الصادرة عن الوكالة كانت تقول إن فرق التفتيش لم تعثر علي أدلة علي وجود أسلحة نووية، وهذا واقع لا يمكن أن تدعي غيره، لعدم وجود أسلحة بالفعل، لكن التقارير كانت تحرص علي إرضاء التحالف الأمريكي المجهز لغزو العراق، فتقول إنها لم تعثر علي أدلة علي وجود أسلحة نووية، ثم تضيف عبارات مثل «حتي الآن» وهي تعني أنه ربما تعثر عليها بعد ذلك، أو تقول إن السلطات العراقية لم تتعاون مع المفتشين، أو عرقلت عملهم، وهو ما يعني أن هناك أسبابا ربما منعت العثور علي الأدلة المطلوبة، بل كررت مرارا أن العراق يخفي معلومات عن برنامجه النووي، وأن هناك أماكن لم تتمكن من تفتيشها، وكلها إضافات تمنح أمريكا ثغرة لتبرير عدوانها.

وإذا تركنا الملف النووي العراقي وعدنا إلي ما حدث في مصر، فسوف نجد أن البرادعي قد اتخذ قرار خوض الانتخابات الرئاسية منافسا لمبارك بشكل مفاجئ، أي أنه لم يقرر أولا العودة إلي مصر والعيش فيها كمواطن مصري عقب انتهاء توليه الوكالة الذرية، وإنما جاء وعينه علي قصر الرئاسة مباشرة، رغم أنه يدرك صعوبة خلع مبارك المدجج بأدوات قمعية قوية، خاصة أن البرادعي لم يؤسس كيانا سياسيا قويا يمكن أن يدعم خطواته الصعبة في الصعود إلي كرسي الحكم، كما أن طبيعة شخصيته المترددة والميالة إلي المهادنة لا تتناسب مع مهمة الصدام مع نظام مبارك، ولهذا لا يمكن أن أتصور اتخاذه قرار الترشح للرئاسة إلا بترتيبات مع أمريكا وأوروبا وجماعة الإخوان، في إطار المخطط الشامل لسيناريو التغيير في المنطقة، التي أصبحت ملبدة بغيوم ثقيلة، أهمها أن إيران تقترب بسرعة من إنجاز مشروعها النووي المحاط بالشكوك، وروسيا التي تعافت بسرعة، وأصبحت مؤهلة لأن تكون رأس حربة نظام متعدد الأقطاب، يطمح إلي إزاحة أمريكا عن تفردها بحكم العالم، خاصة أن روسيا أصبحت الدولة الأولي عالميا في إنتاج الغاز الطبيعي، الذي ازداد أهمية عن البترول مع بروز مشكلة الانبعاثات الغازية التي تهدد الأرض، ومع تمدد خطوط أنابيب الغاز الروسية، يتمدد نفوذها وطموحها، ومعها الصين التي تمضي بثبات وصمت إلي عرش الاقتصاد العالمي.

كان الربيع العربي يجري الإعداد الجيد له، بحشد الفوائض المالية الخليجية مع القدرات الإعلامية والمخابراتية والدبلوماسية والعسكرية الأمريكية والأوروبية، واستهدف الإطاحة بأنظمة عدد كبير من دول المنطقة، وإقامة دولة الخلافة الإسلامية، اعتمادا علي جماعة الإخوان وحلفائها من الجماعات السلفية، وبشراكة قطر وتركيا، وأن تحل دولة الخلافة المشكلة الفلسطينية بنقل ما تبقي من سكان فلسطين إلي دولة الخلافة، التي تختفي فيها الأوطان، وتصبح دولة كل المسلمين، وأن تصبح إسرائيل دولة يهودية، وتتخلص أيضا من وجود حزب الله، ثم تبدأ صراعا مذهبيا مدمرا مع إيران، لتحيط بجنوب روسيا الذي تسكنه غالبية من المسلمين، لكن مثل هذا المخطط لا يمكن أن ينجح بدون الفوز بمصر، ووصول جماعة الإخوان إلي الحكم، لكن حكم جماعة الإخوان لن يكون مقبولا، سواء دوليا أو محليا بدون واجهة بمواصفات البرادعي، فالرجل يتمتع بقدرة كبيرة علي التواصل مع الغرب، وفي الوقت نفسه يبدو مقنعا لشريحة واسعة من الليبراليين واليساريين والقوميين الذين يخشون الحكم باسم الدين، ويبدو أن البرادعي اقتنع بالتحالف مع الإخوان، وخوض معركة الرئاسة تحت غطاء دولي ودعم إقليمي، وهو ما جري استنساخه في سوريا بتقديم شخصيات ليبرالية ويسارية وقومية كواجهة لجماعات إسلامية متطرفة.

كان المرجح أن تكون ساعة الصفر لثورات الربيع العربي مع بداية انطلاق حملة انتخابات الرئاسة في مصر، أي ربيع 2011، لكن انتفاضتي تونس ومصر في يناير غيرت بعض تفاصيل السيناريو، لكن جماعة الإخوان استفادت من الطلق المبكر لولادة «ثورة الربيع المصري» ، خاصة في ظل غياب منافسين حقيقيين منظمين علي الساحة، لكن مشاركة ملايين المصريين في انتفاضة 25 يناير من أجل مشروع وطني وليس مشروعا إخوانيا، وظهور الجيش المصري كلاعب رئيسي علي الساحة أربك المخطط الأمريكي الإخواني، وحال دون تمكن جماعة الإخوان من السيطرة الكاملة والهادئة علي الحكم في مصر.

تاه البرادعي في الأنواء التي تلت انتفاضة يناير، فلم يستطع أن يصبح رمزا لثورة، ولا وافق الإخوان علي أن يستمر في دورالواجهة، ولا حظي بثقة الجيش، ولا رأت فيه الجماهير نموذج فارسها، فأخذ يترنح بين الأمواج المتلاطمة، حتي فقد آخر أوراقه بانهيار حكم الإخوان، ولم يجد أمامه إلا الانسحاب بسرعة مثلما ظهر بسرعة.
مصدر الخبر
الأهرام

أخبار متعلقة