الجمعة 3 يوليه 2026 — القاهرة

ليلة سقوط "جبروت" عواجيز السياسة في مؤتمر شرم الشيخ

ليلة سقوط "جبروت" عواجيز السياسة في مؤتمر شرم الشيخ
التفكير فى المستقبل وسط «إحباطات» الحاضر ومشكلاته «جبروت» سياسى لا تقوى عليه إلا دولة بقدر مصر، بعمقها الحضارى وكنزها البشرى المتمثل فى زهرة شبابها.

حلَّقت مصر بأحلامها المستقبلية الصادقة فى سماء مدينة شرم الشيخ، ومنها إلى كل أرجاء المحروسة، بفعل مؤتمر الشباب الأول (أكتوبر 2016)، الذى أيقظ آمالًا ماتت بداخلنا، وأشعل حماسة وطنية كانت قد خَفَتَ وهجها وكادت تنطفئ.

عايشت خلال العشرين عامًا الماضية مئات الأحداث والفعاليات والمؤتمرات التى تاجرت بالشباب وقضيتهم، وسرقت أدوارهم وأمنياتهم، ولعل أبرزها ثورة الشباب فى 25 يناير 2011. أما مؤتمر شرم الشيخ فقد خيب توقعاتى المسبقة، التى كانت حاجزًا نفسيًّا منعنى من السفر لحضوره والمشاركة فى التغطية الصحفية لفعالياته، فهربت فى اللحظة الأخيرة، ظنًّا أنه لن يختلف عن كل فعالياتنا «الوطنية».

وأصدقكم القول إننى قبل بدء فعاليات المؤتمر بدقائق، لم يكن لدى أدنى قدرة أو رغبة فى متابعته، لكن شيئًا ما جذبنى عندما طالعت وجوه المشاركين فى الجلسة الافتتاحية، لمحت بريق الحلم فى كثير من العيون، طاقة من التفاؤل ظلَّلَتْ مكان انعقاد المؤتمر وتسرَّبَتْ خلال أيامه الثلاثة إلى نفوس المصريين، رغم كل ما شابه من أخطاء وما صاحبه من جدل وانتقادات، حتى التى لاحقت عفوية الرئيس المصرى، وصنعت من بعض كلماته.. أزمات.

ويكمن سر نجاح هذا المؤتمر، فى أنه أصدق حالات «العصف الذهنى» السياسى التى تمت بين الشعب والدولة فى كل تاريخ مصر الحديث، حالة تفكير (بصوت عالٍ) داخل الوجدان المصرى بكل أطرافه، ومعظم فئاته، وأغلب تياراته السياسية المعتدلة، وعلى الهواء مباشرة، ودون تدخل «مقص الرقيب»، وهو ما منحه هذه الطاقة السحرية من المصداقية والتأثير، وقد اختتمه الرئيس بحزمة توصيات أثلجت الصدور وعبَّرَت بشكل أكثر وضوحًا وتحديدًا عن كل ما دار فى جلسات وفعاليات المؤتمر الوطنى للشباب.

ولعل أهم ما قدمه لى هذا الحدث الفريد، الذى تابعته بشغف حقيقى، أنه أعاد إلى ذاكرتى تجارب مهمة طواها النسيان بفعل الزمن وعوامل إحباط ويأس يدركها كل من اهتموا بالشأن العام، وشاركوا فى العمل العام خلال العقد الأول من الألفية الثالثة (مرحلة ما بعد ظهور جمال مبارك).

تتابع أمام عينى شريط الذكريات.. رحلة طويلة قضيتها فى أروقة الحركة الشبابية المصرية، بدأتها عام 1992 أثناء دراستى الجامعية بقسم العمارة فى كلية الهندسة جامعة القاهرة، لعبت خلالها أدوارًا مهمة ومؤثرة فى تاريخ العمل الشبابى التنموى والتنويرى قبل أن أقرر الابتعاد فى نهاية التسعينات بعد أن تخرجت فى كلية الإعلام، لأتفرغ لحياتى الشخصية التى تأثرت كثيرًا بسبب انشغالى العام.

وكان مسك ختام رحلتى مشروع «الحالمون بالغد»، الذى أظنه من أبرز التجارب الوطنية نضجًا فى تاريخ العمل الشبابى الأهلى (غير الحكومى)، وعقد «الحالمون بالغد» مؤتمرهم الأول فى 24 سبتمبر 1998، تحت عنوان «مساحة للتنوير ودعوة للتغير»، واستغرقت الجلسات التحضيرية ثلاثة أشهر متصلة تخللتها 100 ورشة عمل بمشاركة 400 شاب وفتاة، وقدم هذا المؤتمر وثيقة رائدة وغير مسبوقة فى مجال التنمية الشبابية، صاغها نخبة من كوادر الحركة الشبابية المصرية فى التسعينات (أفخر بأننى كنتُ منهم) يقودهم رائد حقيقى من رواد الإصلاح فى مصر، هو الدكتور حسام بدراوى.

و«الحالمون بالغد».. جمعية أهلية للتنمية الشبابية.. عرَّف شبابها أنفسهم فى وثيقة مؤتمرهم الأول بأنهم حركة ليبرالية شبابية تدعو إلى دعم المجتمع الحر لبناء مستقبل أفضل من خلال تنمية العمل الأهلى (غير الحكومى)، ومن أهداف مؤتمرهم الأول (سبتمبر 1998): تحفيز الرأى العام وتنشيطه فيما يتعلق بقضايا الشباب وتأكيد أهمية دورهم فى صنع القرار، وإدارة الحوار بين اتجاهات الشباب المختلفة لتعميق فكرة الديمقراطية كمنهج حياة، وأخيرًا الخروج بمجموعة من المشروعات لتفعيل المشاركة الإيجابية للشباب ودعوة المؤسسات المدنية لرعايتها.

وطرح مؤتمر «الحالمون» تصوُّرًا محددًا فى 10 محاور توضح آليات العمل والتحرك لتحقيق التنمية الشبابية، أضعه أمام كل المهتمين، ليدركوا أن حركة الشباب فعل متصل.. لا ينقطع إبداعه.

وكانت عناوين المحاور بإيجاز:

1- اكتشاف الذات والتواصل مع الآخر المختلف. 
2- تأثير التعليم غير التقليدى على التنمية الشبابية. 
3- تخطيط الحياة العملية للشباب بين المنهج والأسلوب.
4- الزواج بين تراكم الموروث ومشكلات الواقع.
5- الديمقراطية كمنهج حياة.. رؤية متجددة.
6- تحديات العمل الجماعى فى إطار منظومة القطاع الأهلى.
7 - تجديد ثقافة الشباب.. نحو بناء نخبة مستقبلية مبدعة وفاعلة.
8- البحث عن رؤية جديدة لتفعيل مشاركة الشباب فى الحياة السياسية.
9- دور شباب المسلمين والأقباط فى دعم النسيج الوطنى.
10- المجتمع العلمى وغياب متطلبات القرن الجديد.

لا شك أن الدولة المصرية بذلت جهدًا مضنيًا خلال العامين الماضيين، لتقترب من الشباب وتستوعب حركتهم وتستثمر طاقتهم، ولعل «البرنامج الرئاسى لتأهيل الشباب للقيادة» خير دليل على ذلك، لكنها جهود لن تحقق كل الطموحات لو لم يتم تشجيع منظمات العمل المدنى (غير الحكومية) على المشاركة الفعالة، ودعمها بكل السبل الممكنة. إن الشباب بقدر ما هم ثروة بشرية، هم أيضًا قنبلة موقوتة، وعلى الدولة والمجتمع بكامل مؤسساتهما التعامل الجاد والمستمر معهم.

وأخيرًا.. استوقفتنى مفارقة أن الدكتور كمال الجنزورى (83 عامًا) أبرز الحضور فى الصفوف الأولى بجوار الرئيس السيسى فى مؤتمر الشباب بشرم الشيخ 2016، حيث كان هو راعى مؤتمر شباب «الحالمون بالغد» الأول (1998)، عندما كان رئيسًا لوزراء مصر، وبين التاريخين مسافة زمنية تقترب من العقدين.

عقدان ومؤتمران وثورتان وبينهما جِيلان، أصبح من اللازم أن يكون بينهما جسر متين ليتقاربا عليه، وتلتحم الأحلام بالخبرات ليخلقا زخمًا فكريًّا وحركيًّا يثرى مسيرة العمل العام فى مصر.. ويضمن لها بصيصًا من الأمل فى مستقبل أكثر تفاؤلًا.
مصدر الخبر
البوابة نيوز

أخبار متعلقة