كرية، وحديث وسائل الإعلام الأمريكية عن بحث واشنطن التدخل العسكري المباشر في سوريا ضد دمشق عبر قصف قواعد السلاح الجوي السوري بصواريخ كروز من الجو والبحر، يقلب الرهان لصالح الصقور.
والسؤال المحير الذي يتبادر إلى الذهن في هذا السياق: إلى ماذا تسعى الولايات المتحدة في سوريا بالتهديد بحرب تضاف إلى الحرب القائمة في هذا البلد المنكوب بحروب من كل نوع منذ أكثر من خمس سنين؟
على الرغم من أن الولايات المتحدة عمليا هي المسؤولة الأولى عما يحدث في الشرق الأوسط، بما في ذلك ظهور وتمدد "داعش" في أعقاب حربها الهوجاء الغريبة على "الإرهاب" في العراق وحرب الإطاحة بالقذافي في ليبيا، إلا أنها ومن دون أن يرف لساستها جفن أو يندى عرق تتهم موسكو بكل توابع أخطائها القاتلة.
وهي تحاول في سياق عملية تمويه كبرى، أن تلقي بالمسؤولية على عاتق روسيا، كي تبرر لنفسها من جديد إشعال المزيد من نيران الحرب في سوريا عبر التهديد باستهداف الجيش السوري، ما يعني أنها تسعى ضمنيا إلى نقل ثقل الحرب على الإرهاب من ظهر "داعش" إلى "الجيش السوري"، فماذا سيحدث إن هي اقدمت على مثل هذه الخطوة الخطرة؟
إن هي فعلت وأسقطت طائرات سلاح الجو السوري ودمرت قواعده فإنها بالدرجة الأولى ستضع استقرار العالم بأسره تحت التهديد باحتمال وقوع صدام لا تحمد عقباه بين الولايات المتحدة وروسيا، بما في ذلك نتيجة حادث عرضي محتمل.
أما السيناريو الآخر الأكثر احتمالا إذا ما استخدمت الولايات المتحدة القوة ضد دمشق، فسيكون كارثيا أيضا، وسوف يصب في صالح "داعش" وسيؤدي إلى انتهاز الإرهابيين الفرصة واجتياحهم مواقع الجيش السوري، كما حدث حين أغارت طائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بـ"الخطأ" على موقع للجيش السوري قرب دير الزور في 17 سبتمبر/أيلول الماضي ما أدى إلى مقتل عشرات الجنود السوريين وسيطرة مسلحي "داعش" لفترة من الوقت على جبل ثردة في محيط مطار المنطقة.
أما في حالة قيام واشنطن وحلفائها بهجوم صاروخي واسع على الجيش السوري، "متعمد" وعلى رؤوس الأشهاد فستكون تداعياته كارثية، وقد يسقط البلد كاملا في يد مسلحي "داعش" و"النصرة" والتنظيمات الأخرى التي لا تختلف عنهما إلا في التسميات.
وإذا تحقق مثل هذا السيناريو المرعب، فليس من المستبعد أن يذرف عدد من الساسة الأمريكيين، بما فيهم الصقور الأشد عدوانية، الدموع، وقد ينتقد بعضهم تسرع بلاده وخطأ حساباتها، لكن من المؤكد أن الجميع سيلقون بالمسؤولية على روسيا.
ومن حيث الجوهر، يحاول صقور واشنطن عبر الضغط لاستخدام القوة ضد دمشق الثأر من روسيا، فالولايات المتحدة تريد أن تكون السيد المطلق الوحيد هناك، كي تتصرف كما يحلو لها، من دون أن يعكر صفوها أحد.
وبالمقابل تسعى روسيا، بكونها قوة عظمى، إلى لعب دور رادع في سوريا، يكبح جماح واشنطن للحد من خطر النيران التي أشعلت هناك عمدا بهدف تغيير تضاريس المنطقة بأسرها سياسيا وجغرافيا، وذلك عبر "طحنها" وتدمير مقدراتها كما في نموذجي العراق وليبيا المأساويين.