كان «الأخرس»، كما يسمّونه، واحداً من صانعي المعجزات، كنت في طفولتي أظنه ساحراً حقيقياً، يعيد الأشياء التي أفسدها في اللعب والمشاكسة، كما كانت. ينقذ الكندرات التي أحبها من التلف والنسيان، يصلّحها، يدهنها، بكثيرٍ من الحب. ربما هذا الحب الكثير كان يجعلني أظنّه صانع معجزات.
أتذكّر كيف كنت أنقل قدميّ الصغيرتين على جنب الطريق وبيدي كيسٌ أحمل فيه حقيبة المدرسة المثقوبة، وباليد الأخرى حذاء أحبه، يحتاج إلى بعض التصليحات.
لم يكن في الواقع أخرس. كانت كلماته قليلة، هذا كل ما في الأمر. كان ربّما يستبدل الكلام بالابتسام، وأحياناً بلا شيء.
بعد سنواتٍ طويلة من الزيارات الدورية، صوّرته أمس، كأنني أحمّل هاتفي أرشيف طفولتي كلّه. الملاعب والأرصفة والطرق ومدرسة الراهبات والحيّ، وكلّ الأمكنة التي زرتها وركضت فيها بالقدمين الصغيرتين ذاتهما. قال: «صوري اللي بدك ياه».ثمّ أخبرني السرّ الكبير.
والده كان «الأخرس»، وانتقل إليه اللقب كما المهنة، مهنة «الكندرجي». أخبرني أنّ اسمه فارس رحال، وأنه كان قبل 30 سنة عاملاً في المطابع والصحف. لكنّ شيئاً آخر لمع في عينيه، توقّف عن الكلام قليلاً، ثمّ قال فرحاً: «لكنّ مهنة الكندرجي ممتعة وأحببتها وتركت لأجلها الصحف والدنيا».
لم تتغيّر تلك الغرفة الصغيرة من أيام «الأخرس» الحقيقي، حتى اليوم. صورٌ غير مترابطة لفنانات وقديسين وأوراق من مجلات ربما تعني شيئاً، وربما لا تعني أي شيء. أحذية مدهونة وأخرى مركونة نسيها أصحابها ذات يوم. حقائب سوداء تشبه يوم الأحد، وأخرى لأيام الحداد. تحسّ أنّ تلك المكوّنات تتواصل بطريقةٍ ما، كأنّ في المكان لغةً صامتة تتداركها الأشياء. الأشياء الصغيرة، مبهرةٌ أحياناً.
كأن ذاك المكان عزلةٌ لأحذيتنا المتعبة، والغربة العالقة في أسفلها، خطط أسفارنا، مشاويرنا التي حصلت وتلك التي تأجّلت والتي لن تحدث أبداً. ربما تكون أسرارنا في أحذيتنا، في الغبار الذي تتركه منافينا، والجلود المقشورة هي أعمارنا التي تتقشّر كتفاحة.
«العمّو» كما ظللت أسميه طيلة أعوام طويلة، بقي اسمه مجهولًا خلالها. «العمو» الذي استطاع رتق بكائي ببعض «التلزيق» والمسامير الصغيرة، مبتسماً في آخر كل شيء، منهياً أصعب المهمات بالجملة الشهيرة: «أهلا بالحلوة». «العمو» الذي لا يعرفني وظلّ يخطئ بيني وبين أختي، ثمّ يستدرك نفسه قائلاً: «آه أنت ببيروت؟». «العمو» الذي يمدّني بالطاقة ويحلّ مشكلات أحذيتي بسرعة، كأنه يعرف أنني مستعجلة. هذا «العمو» بالتحديد صانع المعجزات هو أقوى أبطال طفولتي...
من الشارع صانع المعجزات
مصدر الخبر
جريدة السفير